أيامٌ ونستقبل شهر رمضان المعظم، ذلك الضيف الكريم الذي تهفو إليه القلوب قبل أن تراه العيون، وتحِن إليه الأرواح قبل أن تدركه الأيام، شهر جعله الله موسماً للرحمة والمغفرة، وفرصةً عظيمةً لمحاسبة النفس وتجديد العهد مع الله، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي أن عبادة الصيام تصل بالإنسان إلى التقوى.
إن الاستعداد الحقيقي لرمضان لا يقف عند حدود المظاهر، بل يبدأ من الداخل، من القلب والعقل، بأن يكون الإنسان مشتاقًا لهذا الشهر، مترقبًا قدومه، يعد لحظاته، ويخشى أن يُحال بينه وبينه، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
هذه الحالة الروحية قد تبدو صعبة، لكنها سرّ الذوق الحقيقي لرمضان، ومن وسائل الوصول إليها أن يتخيّل المؤمن أن رمضان القادم هو آخر رمضان له في الدنيا، فيستقبله بروح المنكسر، وقلب التائب، ونية الصادق في التغيير، راجيًا قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾.
ويبدأ الاستعداد العملي بأن يعاهد الإنسان نفسه على ترك المعاصي، والفرار من أسبابها، والتوبة النصوح والرجوع إلى الله، فقد كان السلف يفرحون برمضان لأنه شهر تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب النار. ويستقبله المسلم بعزيمة على الصيام والقيام، ومجاهدة النفس، والإكثار من الدعاء والذكر والطاعة.
ويُستحب أن يضع المؤمن أهدافًا إيمانيةً لرمضان، أعلاها بلوغ التقوى، ومن أعظم وسائلها تلاوة القرآن، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾.
فميزان رمضان الحقيقي هو ما يتركه في القلب من نور، وفي السلوك من صلاح، لا مجرد انقضاء الأيام. رمضان ليس زمنًا عابرًا، بل محطة قرب، وبداية طريق إلى الله.



