التخطيط الجيد للاستثمار

د. أميرة إبراهيم
د. أميرة إبراهيم

 

  

 

[email protected]

بدأ العدّ التنازلي لاستقبال شهر رمضان الفضيل، ذلك الشهر الذي يأتي كل عام ليوقظ القلوب، ويفتح أمامها أبواب التجارة مع الله؛ تجارةً لا خسارة فيها ولا كساد. إنه شهر القرآن الذي أُنزل هدىً للناس، وشهر الصيام الذي تُصفَّى فيه النفوس، وشهر القرب من الله حيث تُفتح أبواب الرحمة وتُغلق أبواب النار. غير أن الفوز الحقيقي في هذا الشهر لا يتحقق إلا لمن وعى قيمته، وأحسن الاستعداد له، وأدرك أن اغتنام أيامه ولياليه يحتاج إلى تخطيطٍ جيد، وهمّةٍ صادقة، وقلبٍ يقظ.

وهذا التخطيط ليس ترفًا، بل ضرورة لمن أراد أن يكون من الرابحين؛ فهو الذي يعين على حفظ الأوقات من الضياع، وترتيب الأعمال، وتوجيه الجهود نحو ما يُرضي المولى عز وجل. فلا يجب أن ننسي قوله تعالى

:" أَيّامًا مَعدوداتٍ"، فما أسرع انقضاء أيام شهر رمضان، ومن غفل عنها أدرك الخسارة حين لا ينفع الإدراك.

ومن أعظم ما ينبغي العناية به في هذا الشهر تنظيم الوقت بين الفرائض والنوافل؛ فالمحافظة على الصلاة في أوقاتها هي أساس الصلة بالله، وعليها يُبنى كل خير، ثم تأتي النوافل لتُكمّل النقص وتُزكّي القلب، وعلى رأسها قيام الليل وصلاة التراويح، فهي غذاء الأرواح، وراحة القلوب، ومفتاح الطمأنينة في رمضان. كما أن التخطيط لقراءة القرآن وتدبّره هو جوهر الاستثمار في هذا الشهر، إذ إن تلاوته بخشوع تُعيد للقلب حياته، وتشدّ العبد إلى ربه شدًّا لا انفصام له.

ولا يكتمل الاستعداد لرمضان دون التخطيط لتزكية النفس وتهذيب الأخلاق؛ فالصيام عبادة تُربّي قبل أن تُكلّف، وتُهذّب قبل أن تُقيّد، وهو تدريب عملي على الصبر، وكفّ الأذى، وحفظ اللسان، ومجاهدة الهوى. والتخطيط المسبق يُعين على مراقبة النفس، وتقويم السلوك، والابتعاد عن الغفلة والعادات التي تسرق من رمضان روحه وبركته.

كما ينبغي أن يكون لعمل الخير نصيبٌ واضح في خطة المسلم الرمضانية؛ فرمضان شهر البذل والإحسان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان. فصدقةٌ خفيّة، أو تفطير صائم، أو صلة رحم، أو مساعدة محتاج، قد تكون سببًا في رفعة الدرجات ومغفرة الزلات، إذا قُدِّمت بنيةٍ صادقة وترتيبٍ حكيم.

أما ليالي رمضان، وخاصة العشر الأواخر، فهي ذروة هذا الموسم المبارك، وخلاصة عطاياه، فيها العتق من النار، وفيها ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر. ومن لم يُحسن الاستعداد لها قد تمرّ عليه مرورًا عابرًا، بينما التخطيط لها يفتح أبواب الاجتهاد في الدعاء، والقيام، والذكر، والاعتكاف، والانقطاع الكامل إلى الله، ومن ثم الفوز في نهاية الشهر.