الروح والجسد

محمود عيسى
محمود عيسى

لأن الإسلام دين يخاطب العقل فمن الطبيعي أن يحتل الإنسان في كتاب الله أشرف مكانة باعتباره الكائن المكلف، حسب التعريف الأمثل للإنسان كما يقول العقاد، لذلك فإن القرآن يتعامل مع الإنسان بجزئية «الروح والجسد» لا يغفل أحدهما ولا يعلي من قيمة جزء ويحط من الآخر ، والمؤمن بكتاب الله والقارئ له حق القراءة يعرف أنه لا يجوز له أن يبخس حق الروح ليوفي مطالب الجسد ولا أيضا أن يحقر من قيمة الجسد والجوارح ليرتفع ويسمو بمكانة الروح وقيمتها لأن كتاب الله الكريم مليء بالآيات التي تتحدث عن الجزءين معا وعن حقوقهما المشتركة «يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون».


كما قال تعالى «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، فالأكل والشرب والزينة التي يجب الالتفات إلى أن الله أمر بها عند كل مسجد هي من متطلبات الجسد وحاجات الجوارح، التي يدعو كتاب الله إلى التأكيد عليها وعدم تجاهلها دون أن يغفل الجانب الروحي فاتبع الآية الأولى بوجوب الحرص على الطيب من المأكل وشكر المنعم سبحانه وتعالى الذي أنعم به على الإنسان، بينما اتبع الآية الثانية بوجوب الاقتصاد وتجنب الإسراف، محذرا من استجلاب عداوة الله سبحانه لمن يسرف لأنه لا يحب المسرفين.

إنها إحدى حكم الدين الخاتم ودستوره الخالد أن يحدد للإنسان تعريفا يرتفع به عن كل التعريفات التي اجتهدت في وضعها الفلسفات القديمة والحديثة والأديان السابقة، وهو بتوصيفه للإنسان بأنه كائن مكلف يتسق مع النسق الرباني البديع المتناغم مع خطاب العقل وتحري الوسطية الدائمة في كل الأوامر والنواهي دون إفراط في حق جانب أو تفريط في حق الآخر .