حملت الجمهورية الجديدة على عاتقها مسئولية تجديد الخطاب الديني منذ اللحظة الأولى لثورة 30 يونيو، بما يضمن توازي التطوير والتحديث في كل قطاعات الدولة، الفكرية والمعمارية، وقد قدَّمت المؤسسة الأزهرية جهودًا كبيرة، ولا تزال، من أجل صوغ مفهوم جديد للخطاب الديني يتفق مع الواقع العالمي شديد التغير، من ناحية، ولصدّ الهجمات الضارية لتشويه الأسس الراسخة التي يقوم عليها الدين الإسلامي من ناحية أخرى.
لقد كان المؤتمر المشترك بين الأزهر ومنظمة التعاون الإسلامي الذي عُقد الأحد والإثنين الماضيين موفقًا في اختيار عنوانه الرئيسي، فضلًا عن محاوره المتعددة: "استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي"؛ ليس فقط لأن علينا استغلال حالة الحراك الفعلي التي بثتها الدولة المصرية لتجديد الخطاب الديني؛ ولكن لتنشيط الدور الفاعل لمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم سبعة وخمسين دولة موزعة على أربع قارات، وتحريك آلياتها القوية التي أُنشئت من أجلها، فقد تم تدشينها عام 1969 بالرباط المغربية، بعد اعتداء صهيوني غاشم على المسجد الأقصى، لتكون صوتًا جامعًا لعموم المسلمين، ولتحمي مصالحهم وتدافع عن قضاياهم الوجودية، إضافة إلى تصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة؛ ولهذا فإن الحاجة لا تزال ماسَّة وضرورية لمزيد من الوحدة والتضامن لمواجهة عولمة الواقع الجديد الذي لا يعترف بغير القوة وسيلة للتفاهم؛ وقد أثبتت حركة التاريخ أن قوة الأمة الإسلامية في وحدتها وتماسكها في مواجهة التحديات التي تواجهها من أعدائها.
لقد نزلت كلمات الإمام الأكبر د.أحمد الطيب بردًا وسلامًا على آذان المستمعين؛ وذلك حين أكد أن النموذج الإسلامي هو الأعلى في حفظ حقوق المرأة خاصة، والإنسان عامةً؛ وأن هيئة كبار العلماء قد وضعت عدة قواعد علمية ناقشت المشكلات المزمنة التي تعانيها المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية نتيجة تقاليد بالية، وهي قواعد تتفق مع روح الشريعة وتواكب المتغيرات الاجتماعية.. وهذا هو التجديد الذي نحتاج إليه في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ العالم.
***
تجديد الخطاب الديني ليس مجرد "ترميم" لواجهة قديمة، أو محاولة لاسترضاء تيارات العصر بعبارات منمقة، بل هو في جوهره "رحلة استكشافية" في أعماق النص القرآني والمقاصد النبوية، لاستعادة الجوهر الذي غطاه غبار العصور المظلمة. وفي قلب هذه الرحلة، تبرز قضية حقوق المرأة ليس كملف فرعي، بل كاختبار حقيقي لمدى قدرتنا على فهم "العدل الإلهي" بعيدًا عن "الموروث الاجتماعي".
معركة التجديد تبدأ من تصحيح النظرة "القديمة" للمرأة، فالإسلام لم ينظر للمرأة باعتبارها كائنًا تابعًا أو "ضلعًا قاصرًا" في عمارة الكون؛ بل أرسى قاعدة المساواة الوجودية في قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}. إن "النفس الواحدة" هنا هي وحدة القياس الإلهية، وكل خطاب يحاول الالتفاف على هذه المساواة باسم "القوامة" التي أُخرجت عن سياقها الوظيفي لتصبح "تسلطًا أبويًّا"، هو خطاب يحتاج إلى مراجعة جذرية تعيده إلى روح الشريعة.
المشكلة التي يواجهها العقل المسلم اليوم هي الخلط المزمن بين الدين والتدين. فما نراه اليوم من تهميش للمرأة في بعض المجتمعات ليس نتاجًا للنص؛ بل هو نتاج لغلظة العادات التي ارتدت عباءة الدين.
إن الحق الاقتصادي الذي أقرَّه الإسلام للمرأة منذ أربعة عشر قرنًا، يسبق بكثير صرخات الحداثة الغربية. والحق السياسي والاجتماعي المتمثل في "المبايعة" و"الشورى"، كان اعترافًا صريحًا بأهليتها الكاملة في إدارة شأن الأمة.
الجرأة في اتخاذ آليات تجديد الخطاب تعني شجاعة الاعتراف بأن كثيرًا من "الآراء الفقهية" كانت بنت بيئتها وزمانها، وأن المقصد الأسمى للشريعة هو العدل، وحيثما وجد العدل فثمة شرع الله.
***
لا يمكننا الحديث عن نهضة حضارية ونحن نحبس نصف المجتمع في زنزانة التأويلات الضيقة، فالتجديد الحقيقي هو الذي يخرج المرأة من إطار "الفتنة" إلى "الشراكة". إننا بحاجة إلى لغة دينية تحتفي بنجاح المرأة الطبيبة، والمفكرة، والقيادية، باعتبار ذلك "عبادة" وعمارة للأرض، لا خروجًا عن الفطرة.
حقوق المرأة في الإسلام ليست "هبة" يمنحها الرجل، بل هي "حقوق ربانية" وضعتها العناية الإلهية في صلب التكوين الإنساني، وتجديد الخطاب الديني هو في حقيقته، دعوة للعودة إلى نقاء المنبع، لنثبت للعالم أن الإسلام كان وما زال ثورة لتحرير الإنسان.. كل الإنسان.



