ليلة عظيمة الشأن

د.أميرة إبراهيم
د.أميرة إبراهيم

ما هي إلا أيام قلائل، ويستقبل المسلمون في كل بقاع العالم ليلة النصف من شهر شعبان، تلك الليلة العظيمة الشأن التي قال عنها الحبيب المصطفى"صلى الله عليه وسلم":(يطّلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشركٍ أو مشاحن).

تلك الليلة جليلة تعد فرصة عظيمة لكل مخطئٍ ومقصر في حق الله ودينه وأهله؛ فرصة صادقة لمحو الذنوب، وتجديد العهد مع الله، وتنقية القلوب مما علق بها من أدران الأحقاد والبغضاء. فلا موضع في هذه الليلة لقلبٍ مشحون، ولا مكان لحاقدٍ أو حسودٍ أو قاطعٍ للرحم، إذ إن صفاء القلب شرط أصيل لنيل المغفرة والرضوان.

وقد روى البيهقي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:(قام رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ليلةً فصلى، ثم سجد فأطال السجود حتى ظننتُ أنه قد قُبِض، فقمتُ فحرّكتُ أنملته فتحرّكت، فرجعتُ، فسمعته يقول في سجوده:(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك).

فلما سلّم قال لي )يا عائشة، أظننتِ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خاس بكِ؟(

قلت: لا والله يا رسول الله، ولكنني ظننتُ أنك قد قُبِضت لطول سجودك وعدم تحركك.

فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم":(أتدرين أيُّ ليلةٍ هذه؟)..قلت: الله ورسوله أعلم.

قال:(إنها ليلةُ النصف من شعبان، يطّلع الله عز وجل فيها على عباده، فيقول:ألا هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ ألا هل من سائلٍ فأعطيه؟ ألا هل من داعٍ فأستجيب له؟ ويؤخِّر أهل الأحقاد كما هم).

وتشير هذه الروايات إلى حقيقةٍ يغفل عنها كثيرون، وهي أن العائق الأكبر أمام نيل المغفرة ليس قلّة العبادة وحدها، وإنما فساد القلوب واستمرار الخصومات، والإصرار على القطيعة والشحناء.

ومن واقع الحياة، يتبيّن أن بعض الناس يحرص على إحياء هذه الليلة بالدعاء والقيام، لكنه يغفل عن تطهير قلبه من الحقد، أو مراجعة علاقاته التي شابها الظلم أو القطيعة. بينما المقصود الحقيقي من هذه الليلة هو إعادة ترتيب الداخل، ومحاسبة النفس، واتخاذ خطواتٍ عملية نحو الصلح والعفو، ابتغاء مرضاة الله وسلامة الصدر.