مع تاريخنا البطولي يصبح من الواجب علينا أن نتذكر لنجدد العهد في علاقتنا بالكفاح من أجل هذه الأرض الطيبة، ولنقول إننا قادرون دائمًا على التضحية والفداء بالنفس والنفيس، وإن المواطن المصري يملك روحًا مُجالدة لا ترضى الضيم ولا تقبل الانكسار.. وفي هذه الأيام تمر الذكرى الرابعة والسبعون لانتصارات قوات الشرطة بعزيمتها الكبيرة وأسلحتها الخفيفة على القوات الباغية، مما يُحقق قوله تعالى: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، فكانوا الأدوات الرادعة لحفظ الأمن الداخلي ومواجهة المخربين وذوي الأهواء الخادعة.
في أوقات الأزمات العالمية والحروب الدولية يجاوز عنف الإنسان حدود العقل إلى غابات الجنون، ويتلظى الضمير الإنساني بركام من المقت والضغينة والعصبية، وهو ما يستدعي يقظة أمنية كاملة، وتجهيزًا عالي الكفاءة لرجل الشرطة العصري الذي يرتكز إلى أحدث الأساليب العلمية في فهم النزغات الإنسانية وأحابيل النفس البشرية الدافعة إلى الشر والعنف، لدحض الجرائم قبل وقوعها وتفكيك نوازع الإجرام في نفس المجرم؛ بل تحويله إلى مواطن جديد يؤمن بقيمة وطنه، نافع لأسرته، منتج في مجتمعه.
***
منذ عدة سنوات، وفي رحاب أكاديمية الشرطة، استمعت إلى محاضرة من اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، حول تأسيس علاقات جديدة بين رجل الشرطة والمواطن ترتكز إلى تأكيد حقوق الإنسان في كل التعاملات وبما يضمن تنفيذ القانون برفق؛ وهو ما أصبح عقيدة شرطية راسخة؛ والحقيقة أنني كنت شاهدًا على العديد من التضحيات التي قدّمها عمي الضابط، رحمه الله، في التسعينيات، حين عانى الوطن موجات آثمة من المدّ الإرهابي المتطرف الذي سكن صحراء الجنوب، فقد كان يواجه هؤلاء المجرمين بالأسابيع في الجبال، حتى حفظ الله الوطن من مكرهم وردّهم على أعقابهم خائبين.. وهو الواجب المقدس الذي يقوم به أبناء هذا الجهاز الوطني حتى الآن، متسلحين بعزيمة لا تلين بالحفاظ على تراب هذا الوطن ووقايته من كل دخيل وخائن، وبالاطلاع على كل جديد تتيحه الأدوات التكنولوجية الحديثة في المجال الأمني.
ليس من قبيل المصادفة أن تختار وزارة الداخلية المصرية شعارًا يلامس وجدان الشارع في ذكرى عيدها؛ بل هو انعكاس لتحول عميق في "فلسفة القوة"، فبين المظهر الذي يجسده الانضباط العسكري والمهابة الشرطية، والجوهر الذي ينبض بالرحمة والمسئولية الاجتماعية، تولد اليوم "شرطة الجمهورية الجديدة".. شرطة لا تكتفي بضبط الجريمة، بل تسعى لضبط إيقاع الحياة الإنسانية للمواطن.
لو استقرأنا تطور أداء الشرطة المصرية خلال السنوات الأخيرة، فسنجد أننا أمام مشهد "السهل الممتنع"، فالمظهر لا يزال يحتفظ بوقاره، لكن الجوهر بات يفيض بمبادرات إنسانية غير مسبوقة. لم يعد رجل الأمن هو ذلك "المراقب" القابع خلف مكتبه، بل أصبح "المبادر" الذي يطرق أبواب القرى بمبادرة "كلنا واحد"، ويوفر السلع بأسعار مخفضة، ويمد يد العون للمرضى وكبار السن في مكاتب السجل المدني والجوازات؛ أصبحت ثقافة الضابط أولوية قصوى، فهو يقرأ في السياسة والاقتصاد والفن والدين، ويُدرك حجم الأخطار وأساليب التعامل، ويرتكن إلى أحدث أساليب علم النفس والتحليل في فهم الحوادث والتنبؤ بها.. وهذا التوجه ليس "تجميلًا" للصورة، بل هو "إعادة تعريف" للدور؛ إنها قناعة راسخة بأن الأمن القومي يبدأ من "الأمن النفسي" للمواطن، وأن هيبة القانون لا تتناقض أبدًا مع رقة التعامل.
***
لعل القفزة الكبرى التي تجسد هذا التحول تكمن في تغيير المسمى والمضمون من "سجون" إلى "مراكز إصلاح وتأهيل"، هنا يظهر الفرق الجوهري؛ فالمظهر قد يوحي بالتحفظ، لكن الجوهر هو "إعادة بناء الإنسان"؛ إن تحويل أماكن الاحتجاز إلى صروح تعليمية وإنتاجية هو رسالة للعالم أجمع بأن الدولة المصرية تؤمن بأن الخطأ ليس نهاية الطريق، وأن دور الشرطة هو استعادة المواطن الصالح، لا مجرد عقاب المخطئ.
في الخامس والعشرين من يناير، لا نحتفل بذكرى معركة الإسماعيلية الخالدة فحسب، بل نحتفل بـ "عقد اجتماعي جديد" بين الشرطة والشعب، يتسم بالعديد من الخدمات الجوهرية التي تتطور باستمرار لتواكب أحدث النظم العالمية، وسنجد أن تحويل الخدمات الورقية إلى إلكترونية لم يكن هدفًا تقنيًّا فقط؛ بل هو توفير للوقت والجهد، خاصة لذوي الهمم وكبار السن؛ وكذلك الانتشار الخدمي، وخروج الوحدات المرورية والخدمية المتنقلة إلى المواطن في منزله، تجسيدًا لسياسة التعاون بين الشرطة والمواطن؛ ثم يأتي المبدأ الرئيسي الذي يرتكز إلى مواد حقوق الإنسان والتي يتم تدريسها في أكاديمية الشرطة؛ حيث صارت هذه المواد الحقوقية ركيزة أساسية في تكوين شخصية الضابط العصري؛ إضافة إلى الاستعانة بالعديد من العلماء والخبراء في جميع المجالات للتدريس وإقامة دورات تدريبية لطلاب أكاديمية الشرطة، بما يقوي أواصر العلاقات العقلية بين الضابط المستقبلي والرموز الفكرية للوطن، ويُجيب مُبكرًا عن كثير من الأسئلة الشاغلة لأذهان الطلاب الجدد.
***
العلاقة بين المظهر والجوهر في جهازنا الشرطي الحديث هي علاقة "تكامل" وليست "تضاد"؛ فالمظهر القوي يحمي الدولة، والجوهر الرحيم يبني المجتمع؛ وفي عيدها، ندرك أن الشرطة المصرية لم تعد مجرد جهاز أمني؛ بل صارت مؤسسة إنسانية وطنية، تدرك أن أسمى مراتب القوة هي القدرة على العطاء، وأعظم معاركها هي كسب ثقة المواطن المصري واعتزازه بجهازه الوطني.
تحية لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فصانوا الأرض وحفظوا كرامة الإنسان.



