لا يحتاج المصلح إلا إلى «عناية» إلهية، و«إرادة» قوية، ليُحقق رسالته في التغيير واستبدال الحق بالباطل؛ فإذا كان هذا المصلح سيد الأنبياء المدعوم بمدد السماء، فإن يد الله لن تتركه وحده نهبًا لأطماع الأفاكين والفاسدين؛ بل تفتح أمامه رحابة السماء إن ضاقت به مسالك الأرض؛ فحين ضرب الحزن على قلب سيدنا النبي بموت رفيقته الحانية، وموت عمّه الداعم، وأوجعته قريش بصلفها وغرورها وجنوح أهلها إلى التشبث بالضلال، وصدَّته قرى الطائف وآذت قدميه الشريفتين؛ كانت رحلة «الاحتواء الإلهي»، رحلة الصفاء النوراني، هي البلسم الشافي لهذا النبي الكريم الذي لا تعرف الأرض عظمة مقداره عند ربه؛ كان التكريم الجليل من رب العزة، لخلق بداية جديدة وتكليفات أرقى، ضبطًا لجنوح الطغيان البشري، وإنقاذًا لقلب الإنسان التائه في غيابات الخذلان الأعمى، بعيدًا عن الحق والخير والجمال.
ليس أخطر على الأمم من الحصار النفسي، الذي يسبق حصار الأبدان؛ هكذا كانت مكة حين أطبقت بجهلها وظلمها على أنفاس الدعوة؛ وهكذا أراد الحق سبحانه أن يكسر هذا الطوق بـ «إرادة» لا تعرف المستحيل، و«عناية» لا تغفل عن الصابرين؛ فبينما كانت قريش تظن أنها أحكمت الرتاج على سيدنا محمد في شعاب مكة، كانت العناية الربانية تعدّ له بساط النور ليتجاوز حدود الكون.
***
رحلة الإسراء والمعراج، في جوهرها، إعلان عن سقوط «منطق القوة» أمام «قوة المنطق الأعلى».. «العناية» و«الإرادة» هما الجناحان اللذان تقوم عليهما الدعوة إلى الصلاح النفسي والإصلاح في الأرض؛ وتأتي رحلة الإسراء والمعراج لتؤكد أن الله لا يتخلى عن عباده المؤمنين، وأن نصره لهم موصول السبب برفده ورعايته، وأنه مهما قست قلوب بني البشر عليهم، فإن لطف الله قادر على احتضانهم؛ وكذلك جاءت رحلة الإسراء لتشير إلى أن المنهج الإلهي ذو رسالة توحيدية واحدة، وأن الأنبياء إخوة متكاتفون حول مهمة رئيسية، وهي إعادة القطيع الشارد إلى جادة الصواب وطريق الحق.. ثم تأتي تكاليف المعراج بهدية الصلاة تقريبًا بين الله، سبحانه، وبين خلقه، وتفريقًا بين الفريق المؤمن وأولئك الذين قست قلوبهم فطبع الله على قلوبهم.
***
لا يُمكن أن نأخذ من هذه الرحلة المباركة وجهها المباشر، باعتبارها خرقًا لخوارق العادات البشرية، أو تسرية عن قلب الحبيب، فقط؛ وإنما كانت هذه الرحلة علامة فارقة في التاريخ الإسلامي كله، سلوكًا، ومنهجًا، واصطفاء ربانيًّا لخير الخلق، وتأكيدًا لدعمه ودعم أتباعه إلى يوم الدين، ما داموا على منهج الحق.. وهو ما يجب أن نتعلم منه في حاضرنا، وحين نبني لمستقبلنا، وذلك حين نستلهم «روح الإسراء» التي تشدّد على دعم «الإرادة» القوية لكل مصلح يُريد خير وطنه؛ فما بالنا بالمصلح الأكبر الذي يُريد الخير للإنسانية كلها؛ وكذلك ألا نغفل عن عجزنا البشري الذي يحتاج دائمًا إلى «عناية إلهية» ترفده بالدعم والمحبة وتربط على قلبه لمواصلة الكفاح لترسيخ قيم الحق والعدل والجمال.. والدرس الذي يجب الانتباه إليه ونحن نناقش مشكلاتنا الكبرى هو أن الإرادة ليست مجرد رغبة، بل هي «يقين بالفعل»؛ فالعناية الإلهية لم تنزل على سيدنا النبي وهو جالس ينتظر المعجزة؛ بل نزلت عليه وهو عائد من الطائف يناجي ربه بضعفه، وتدمي قدماه الشريفتان سعيًا لإنقاذ الشاردين.
لم تكن الإسراء والمعراج مجرد رحلة اختصرت الزمن من مكان مقدس إلى آخر؛ ومنه إلى السماء؛ بقدر ما كانت رحلة لدعم النفس البشرية السوية بمددٍ إلهي لا ينقطع، «فسدرة المنتهى» هي مطلوب كل مؤمن، ومراد كل عاقل، وملجأ كل خائف، ومتسع كل ضيق.



