دموع نعم .. طعام لا

محمود عيسي مدير التحرير
محمود عيسي مدير التحرير

تقول الحكاية مجهولة المصدر والزمان والمكان ، مع صلاحيتها لكل الأزمنة ولكافة الأمكنة  إن معدما بائسا  جلس يبكي على قارعة الطريق من شدة الجوع فلا طعام ولا مال ليشتري طعاما وأيام مرت دون أن يرطب جوفه بلقمة ، فمر عليه رجل بادي الصلاح والتقوى ترتسم على وجهه علامات العطف والشفقة تلك التى تلون وجوه أهل الخير والإحسان ويا للروعة فالرجل البادي الصلاح ، يحمل في يده خبزا وعسلا ويقترب رويدا رويدا من البائس الباكي وكأنما سحابة مزن محملة بري السماء تحركت بقدرةإلهية لتظلل وحيدا تائها في الصحراء جف عرقه من شدة العطش واحترق جسده من حرارة الشمس .  

وبحنو بالغ ربت التقي الصالح ( هكذا يبدو ) على كتف الفقير البائس اليائس ومسح على ظهره ، وسأله بصوت رقيق عن سبب ألمه وبكائه ، وعلامات الحسرة والشحوب التي يكتسي بها وجهه ، فغالب الأخير دموعه ، وجاهد ضعفه ووهنه ، وحكى له قصته وأخبره عن جوعه الذي يكاد يهلكه .  

فتهدج صوت رجل البر والإحسان ( هكذا يبدو أيضا ) وخنقته العبرة وتحشرج صوته بكلمة يالك من مسكين       وتساقطت دموعه مدرارا وتبللت بها لحيته المخضبة ، وراح يتصعب ويتحسر على أيام لم يكن ينام فيها الجار إلا بعد أن يطمئن أن جاره يملك قوت يومه له ولمن يعول ، ولا يهنئ للصديق طعاما ولا شرابا إلا إذا شاركه فيه صديقه ، واستمر النحيب والتحسر والتعبر ، وتواصل الألم على ما مضى وفات ولن يعود من ايام التواد والتماسك والتراحم ، حتى إذا ما استبدت اللهفة بالفقير الجائع الباكي  للوصول الى الغاية المرجوة بأن يمنحه صاحب الوجه البشوش كسرة من العيش وقطرات من العسل تسد رمقه وتقيم أوده ،  اضطر تحت وطأة الجوع الكافر أن يتعجل النهاية التى ظن لما رأه من تأثر للرجل بحالته أنها حتمية أن يطلب منه ما يتمنى .  

وهنا ... تقول الحكاية مجهولة المصدر متكررة الوقوع في كل زمان ومكان جفت دموع الصالح الورع (ظاهريا ) واختفى التهدج من صوته وحلت محله نبرات لا شفقة فيها ولا حنو وقال للفقير الباكي إن كنت تطلب دموعا فنعم أما أي شئ آخر فلا  !

 

 

ترشيحاتنا