نعيش هذا الشهر أجواء النصر العظيم في أكتوبر 1973 الذي نحتفل بذكراه الثانية والخمسين،فما أروعها من ذكرى، وما أجملها من نشوة للفخر والعزة، حطم فيها المارد المصري قيوده وخرج من قمقمه ثائراً لكرامته محرراً أرضه التي فقدها في نكسة 5 يونيو 1967، مدافعاً عن تاريخه وأمجاده حامياً لعرضه وكرامته.
لا نستعيد هذه الذكرى التي منحتنا روحاً جديدة للمقاومة والانتباه إلى خيوط اللعبة العالمية لا نستعيدها من أجل التسلية أو مجرد التفاخر بنصر عظيم، وإنما لأننا بحاجة لأن نعرف أجيالنا الجديدة بتلك البطولات التي سطرها آباؤهم وأجدادهم في تلك الملحمة بقيادة بطل الحرب والسلام القائد الفذ محمد أنور السادات الذي أدار معركة في بحر لجي من السياسة العالمية والإقليمية، في عالم لم يكن يعرف سوى قطبين يتصارعان كالحيتان القتالة على أسماك البحر المسالمة.
كانت المعركة السياسية ما قبل الحرب، وما بعدها بقيادة السادات ورجاله العظام في فنون الحرب، والسياسية معا هي النموذج الحقيقي لتوظيف السياسة لتمهيد الأرض للحرب التي يتحقق فيها النصر ولا احتمالات غير النصر، وتوظيف الحرب للوصول لتحقيق أهداف السياسة.
كانت عظمة نصر أكتوبر أنه مثل بعثاً جديداً لروح الشعب المصري التي انكسرت وانطفأت في نكسة 1967 والتي كانت وليدة المبالغة في قدراتنا وفي تصريحاتنا الكلامية العبثية التي أغرت بنا العدو الصهيوني ومن وراءه وسط يقين لا أساس له بأن العدو مهما أوتي من قوة لن يقدر علينا، وهذا ما أحدث الشرخ الرهيب في الروح المصرية وجعلها تشعر بالانكسار .
ولأن مصر قدرها في اللوح المحفوظ البقاء والخلود قيض الله لها رجالاً لا يعرفون اليأس استوعبوا الدرس ولم يبكوا كثيراً على أطلال الهزيمة والروح، فراحوا يعيدوا بناء قواعد المجد والنصر، ضربوا أروع الأمثلة في ترميم الروح وإعادتها للحلم بالنصر والتحرير، وإنجاز العبور العظيم في السادس من أكتوبر على صيحة "الله أكبر" .
ظلت روح أكتوبر تقود المصريين كلما حاول أعداؤها كسرها وإعادتها إلى الوراء، بمحاصرتها تارة، وبمحاولة ضرب وحدتها تارة، و بالإرهاب الأسود تارة أخرى، لكنها في كل مرة تستدعي روح نصر أكتوبر وتستلهم معانيها لتأخذ زمام المبادرة وتحقق النصر، وها هي الآن تقود معركة العبور إلى إعادة البناء والتخطيط المدروس، وتعمير كل شبر لم يعرف العمران، فهنا تزرع وهنا تشيد وتبني وهناك تصنع وتشق الطرق لتصل أرجاء الوطن ببعضها.
ما أحوجنا لروح نصر أكتوبر لنعبر تلك المحن التي يفرضها الوضع العالمي ولم يسلم منها أحد، ولا سبيل لنا إلا أن ندرك بأن الرهان على العالم أو حليف هنا أو حليف هناك هو رهان خاسر، فلا رهان إلا على عقولنا وعلى سواعدنا لنبني نهضتنا الحديثة في شتى المجالات بروح نصر أكتوبر، فتحية لكل صناع هذا النصر، وتحية لكل رجال يستحضرون روح نصر أكتوبر لقيادة معركة البناء والتحديث.



