[email protected]
نُحيي الآن ذكرى يوم ميلاد خير البشر أجمعين، ذلك اليوم الذي أشرقت فيه الأرض بنورٍ لم تعرف الدنيا له مثيلًا، يومٌ تنفّست فيه الأرواح نسيم الهداية، واستنارت القلوب بقدوم سيّد الخلق أجمعين، حبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم. لم يكن مولده حدثًا عابرًا في تاريخ الإنسانية، بل كان فجرًا جديدًا لبداية عهدٍ من الرحمة والنور والعدل، عهدٍ يُعيد للإنسان إنسانيته، ويُرشد القلوب الحائرة إلى طريق الله.
إننا في حقيقة الأمر لا نُحيي ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، بل ذكراه هي التي تُحيينا؛ فهي التي تُوقظ القلوب بعد غفلتها، وتبعث الطمأنينة في النفوس بعد تعبها، وتذكّرنا أن في هذه الحياة ما هو أثمن من الدنيا وما فيها: محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والسير على نهجه الكريم، واتباع سنته العطرة قولًا وفعلًا وسلوكًا.
كلما أقبل ربيع النور، تفتّحت في أرواحنا أزهار الفرح، وعادت إلى قلوبنا البهجة، وكأننا نسمع لأول مرة البشرى الخالدة: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين". مولده رحمة، حياته رحمة، كلماته رحمة، وسيرته الطاهرة نبعٌ لا ينضب لمن أراد السعادة في دنياه، والفلاح والنجاة في أخراه.
نحن نحبّه صلى الله عليه وسلم حبًا لا تُحدّه حدود، ولا يُقاس بزمان أو مكان؛ حبًا يملأ القلوب نورًا ويغمر الجوارح طاعةً وخشوعًا. فهو المعلم والقدوة، وهو الشفيع يوم تذهل كل نفسٍ عمّا سواها، وهو الحبيب الذي تهفو الأرواح إلى لقياه، وتشتاق العيون إلى رؤياه.
وفي ذكرى ميلاده المبارك، نجدد العهد مع أنفسنا أن نكون أوفى لأمانته، وأصدق في اتّباع سنته، وأقرب إلى أخلاقه العظيمة التي وصفها الله بقوله: "وإنك لعلى خُلقٍ عظيم". فحب رسولنا صلى الله عليه وسلم ليس كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، بل هو التزام وسلوك وأمانة ورحمة وعدل، هو أن نعكس في حياتنا صورةً من سيرته العطرة، وأن نكون خير سفراء لدينه في أقوالنا وأفعالنا.
فاللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، صلاةً تشرح بها صدورنا، وتطهّر بها قلوبنا، وتُرضي بها حبيبنا ورسولك عنا، صلاةً تجعلنا بها في صحبته يوم القيامة، وتكرمنا برؤيته في جنات النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.



