الواو ودلالتها في القرآن

ا.د. محمد مختار جمعة الأستاذ بجامعة الأزهر
ا.د. محمد مختار جمعة الأستاذ بجامعة الأزهر

 

للكلمة دلالتها وموقعها وسياقها في القرآن الكريم، وكذلك سائر الجمل والتراكيب ، فكل كلمة أو جملة منه قد وقعت في موقعها الذي لا يسد مسدها ولا يقوم مقامها فيه غيرها، فما قُدِّمَ لا يصلح في مقامه التأخير، وما أُخِّرَ لا يصلح في مقامه التقديم ، وما حُذِفَ لا يصلح في موقعه الذكر، وما ذُكِرَ لا يصلح في مقامه الحذف ، وما أُفرد لا يصلح في موقعه الجمع ولا التثنية، وما جمع لا يصلح في موقعه التثنية ولا الإفراد، غير أن هذا الإعجاز البياني لا يقف عند حدود الكلم ومواقعه أو الحملة وسياقها، يل يشمل الحروف والأدوات ، فكل حرف من حروف القرآن الكريم له دلالته في موقعه وسياقه.

ومن ذلك الواو واستعمالاتها في القرآن الكريم، حيث وردت للعطف، والاستئناف، والقسم، والتأكيد، والمعية، أو التنويع ، أوالدلالة على الحال ، وغير ذلك من المعاني.

١- واو العطف، ومنها قوله تعالى: "إِذَا جَاۤءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ وَرَأَیۡتَ ٱلنَّاسَ یَدۡخُلُونَ فِی دِینِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجࣰا فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا" (النصر: ١-٣)، فالواو هنا عاطفة في مواضعها الثلاثة.

 

٢- واو الاستئناف، ومنها قوله تعالى : "أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ" ( التوبة: ٣)، أي: ورسوله برئ منهم.

٣ - واو التنويع ، ومنها قوله تعالى: "عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا" (التحريم: ٥)، لأن النساء يمكن أن تجمع الواحدة منهن الصفات الست الأولى "مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ"، أما الصفة السابعة التي قبل الواو والصفة الثامنة التي بعدها "ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا " فلا تجتمعان معًا في امرأة واحدة أبدا، فإما أن تكون المرأة ثيبًا أو تكون بكرًا، ولا يمكن أن تكون ثيبا وبكرا في آن واحد.

٤- واو الحال، ومنها قوله تعال : "قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ " (يوسف: ١٣).

٥ - واو القسم، ومنها قوله تعالى: "قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " (الأنعام: ٢٤) .

٦ - واو الثمانية، ومنها قوله تعالى: "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ " (الكهف: ٢٢)، على رأي من قال: إن الواو في قوله تعالى: "وثامنهم" للثمانية .

٧- الواو المؤكدة للمعنى ، ومنها قوله تعالى: "وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ" ( الحجر: ٤).

٨- واو المعية، وهي التي يليها المفعول معه، ومنها قوله تعالى: "فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ" ( يونس: ٧١)، على رأي من قال: إنها هنا للمعية وما بعدها منصوب على أنه مفعول معه، وهناك من يقول : إنها عاطفة .

٩ - الواو التي ينصب بعدها الفعل المضارع في جواب النفي أو الطلب، ويسميها بعضهم واو الصرف، ويقولون : إنها تنصب الفعل المضارع بنفسها، وقال بعضهم: إن المضارع بعدها منصوب ب (أن) مضمرة نحو قوله تعالى: " أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ" ( آل عمران: ١٤٢).

وسبب تسميتها واو الصرف عند الكوفيين الذين يسمونها بذلك أن الفعل الذي دخلت عليه كان يقتضي إعرابًا آخر - و هو هنا الجزم - فصرفته عنه إلى النصب لإفادة المعية.

وللحديث بقية.