الحذف والذكر

 د. محمد مختار جمعة
د. محمد مختار جمعة

القرآن الكريم معجزة الإسلام الكبرى، تتدفق وجوه الإعجاز من جميع آيه وسوره، ومن ذلك بلاغة الحذف والذكر :

١- في قوله تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام:" وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ".

في هاتين الآيتين الكريمتين في الأفعال:"يسقون" و "تذودان" ، و "نسقي" ، "فسقى" حُذف المفعول به أو سُكت عنه ، ليتم التركيز على الفعل أو الفعل وفاعله بغض النظر عن المفعول به .

والحذف هنا أبلغ من الذِّكر ، فلو قيل : تذودان إبلهما أو فسقي لهما إبلهما لتعلقت العلة بالمَسقِي ، فربما توهم متوهم أنه سقي لهما الإبل لأنها صعبة المراس علي الفتاتين ، ولو كانتا تسقيان غنما لتركهما .

ولو قيل سقى لهما غنمهما لربما توهم متوهم أنه عليه السلام تمكن من سقي الغنم كون أمر سقيها أيسر ، ولو كانت إبلا لما قوي على ذلك منفردا .

فالعلة في الآية الكريمة لا تتعلق بنوع المسقي ( المفعول به ) إنما تتعلق بالفعل وفاعله ، بما يؤكد علي مروءة سيدنا موسي عليه السلام الذي لم يتردد لحظة في مساعدة و قضاء حاجة الفتاتين سواء أكانت تسقيان إبلا ،أم خيلا ، أم بقرا ، أم غنما ، أم خليطا من كل ذلك ، وهكذا في سائر الأفعال الأربعة لم يكن المفعول فيها مقصودا لذاته ، فأدى حذفه أو السكوت عنه إلى تسليط وتركيز بؤرة الاهتمام على الحدث نفسه ، وهو حياء الفتاتين في عدم مزاحمتهما للقوم على السقي ، وعلى مروءة سيدنا موسى عليه السلام وقوته في القيام بذلك منفردا ، وهو ما شهدت به الفتاتان : "يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ".

٢- في قوله تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ " .

ففي قوله سبحانه : "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه "، جاء ذكر البيع بعد التجارة من باب ذكر الخاص بعد العام ، فالعلاقة بين البيع والتجارة علاقة عموم وخصوص مطلق على حد تعبير المناطقة ، فكل بيع تجارة، وليس كل تجارة بيعا .

فما فائدة ذكر الخاص هنا وهو البيع بعد العام الذي يشمله وهو التجارة ؟

نقول : التجارة بيع وشراء، وهدفها تحقيق الربح مع ما قد يصحبه من نوايا طيبة أخرى كسد حاجة المجتمع، لكن يظل تحقيق الربح هو الهدف الأساس للتجارة ، وإذا كانت التجارة بيعا وشراء فإن تحقيق الربح عند الشراء مظنون ( أي على سبيل الظن وليس على سبيل اليقين ) فقد يصيب السلعة فساد أو كساد أو تغير في أحوال وأسعار السوق ، أما تحقيق الربح عند البيع فمتيَّقن ، لأن البائع يكون قد علم الفرق بين شرائه وبيعه ، فإذا كان الحصول على الربح المتيَّقن لا يشغل الإنسان عن طاعة الله عز وجل فإنه بلا شك لن ينشغل عنها بالربح المظنون ، وهذا هو سر ذكر البيع بعد التجارة .