ومضة 

ضيوف على الدنيا

مها عمر
مها عمر

كلما أطل علينا عام هجري جديد انبعث في نفوسنا آمال كثيرة ومطامح عديدة أن يكون العام الجديد خيرًا من العام السابق وأن تكون حال الأمة الإسلامية أفضل مما هي عليه اليوم، ولكن آمالنا ومطامحنا لا تأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ إلا إذا كانت وراءها عزيمة ماضية، وإرادة قوية، وكانت روح الهجرة تدفعنا إلى ذلك، وتحثنا على أن ننتقل بنفوسنا ومشاعرنا إلى أسمي الأهداف، وأنبل الغايات.
فالمسلم الذي أنارت العقيدة بصيرته، ودخل الإيمان قلبه، مهاجر إلى الله دائمًا، يومه أفضل من أمسه، وغده خير من يومه، وزاده الروحي ينأى به عن الكسل والخمول.
والهجرة لها صور شتي يعيها المسلم الفاقة لدينه، السائر على درب الايمان. فهي انتقال نوايا الإنسان ومقاصده إلى ما فيه نفعه ونفع أمته، وهي ارتحال الجاهل من الأمية الدينية إلى رحاب العلم والمعرفة، وهي خروج المذنب من ذل المعصية إلى عز الطاعة. وهي ارتقاء النفس من حضيض السوء إلى مدراج العمل الصالح، أي أنها انتقال في داخل الإنسان، وتغير في أعماقه.
ولذلك فإن حاجتنا اليوم إلى الهجرة النفسية أصبحت أهم مقومات حياتنا.. كل منا في مجال عمله وتخصصه لا بد أن يحقق معنى الهجرة في نفسه.. أن يغير داخله تغيير كاملاً، وأن يبدل مشاعره، ويهجر منها ما كان سيئًا، وأن يعيد تنظيم أفكاره ونواياه، بحيث يرتحل بها إلى ما يتطابق مع الكتاب والسنة، وأن يعتبر نفسه ضيفًا على الدنيا مهاجرًا منها إلى مصيره المحتوم وأن يضع معنى الهجرة نصب عينيه في كل عمل يعمله.. فيسعى إلى الإتقان والتجويد، ويتقي الله في نفسه.. إذن فالهجرة النفسية تصلح الكثير من أحوالنا كأفراد وجماعات. ولكن أن نتجمد على أخلاق لا تتغير، وسلوكيات لا تتبدل فإن الله لا يغير ما بنا، ويبقي المسلمون في مشاكل ومصاعب.
نحن نرى الآن ما يحدث من صراعات دمويةً ومذابح بشرية لا يتصورها العقل.. لأن الإنسان لم يهجر ما بنفسه من مطامع وأهواء يجب على الأمة الإسلامية أن تستلهم روح الهجرة بأسلوب جديد للحياة، تطوي صفحة الصراعات وتتأمل تضحيات أسلافها يوم هاجروا استجابة لأمر الله ورسوله، فأعزهم الله وأذل أعداءهم وأسبغ عليهم نعمه الكرامة.
نحن محتاجون إلى هجرة النفوس من الخطأ إلى الصواب، ومن التناحر إلى الوئام ومن التمزق إلى الأخوة في الإسلام. نتمني عام هجري جديد يأتي بالسلام والخير علينا وعلى الأمة الإسلامية.

 

ترشيحاتنا