لم تكن هجرة النبى صلى الله عليه وسلم حادثًا عاديًا ينظر إليه على أنه انتقال من بلد إلى بلد.. أو تخلصًا من الفتنة والاستهزاء والعذاب، بل كان تعاونًا عامًا على إقامة مجتمع جديد فى بلد آمن.
ليست الهجرة انتقال رجل من بلد قريب إلى بلد بعيد ولا ارتحال جماعة من الناس من أرض يابسة إلى أرض خصبة.
إن أبرز ما فى الهجرة أنها أقامت للإسلام وطنًا وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة.. وهو أخطر كسب حصل عليه الدين الحنيف منذ بدأت الدعوة له.. وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم فى بناء الوطن الجديد. وأن يبذل جهده فى تحصينه ورفع شأنه لقد أقام النبى وصحابته مدينة فاقت فى واقعها المحسوس خيالات الفلاسفة والمفكرين القدماء الذين تخيلو» المدينة الفاضلة« التى يعشقها البشر وتخيلوا فيها الكمال كما جاء فى الكتب القديمة. أن ما صنعه المسلمون المهاجرون
أن الرسول صلى الله عليه وسلم شغل أول مستقره بالمدينة بوضع دعائم ثلاثًا لابد منها لقيام رسالته وهى صلة الأمة بالله وصلة الأمة ببعضها الآخر وصلة الأمة بالأجانب عنها ممن لا يدينون بدينها.
إن صلة الأمة بالله تحققت من خلال بناء المسجد النبوى الشريف لتقام فيه شعائر الإسلام التى طالما حوربت. ولتقام فيه الصلوات التى تربط المرء برب العالمين. وليكون منارة ليتعلم الناس منها شرع الله وأحكامه. الثانى وصلة الأمة ببعضها تحققت من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.. من خلال المؤاخاة بين المسلمين التى أذابت عصبية الجاهلية وأسقطت فوارق النسب واللون والوطن.. ووصلت الأخوة بالإسلام إلى أن جعلت الرجل من الأنصار يتنازل عن ملكه
أما صلة الأمة بالأجانب عنها ممن لا يدينون بدينها.. فعندما جاء الرسول إلى المدينة وجد بها يهودًا ومشركين ،فقام لعقد معاهدة مع اليهود تأكيدًا أن الإسلام دين تتسع مظلته لجوار الأديان الآخرى. ولا ينفرد المسلمون فى العالم بالبقاء ولا يتسلطون على غيرهم.. لقد تأسست المدينة بتقوى الله والإخلاص له وبالإخاء والحق والعدل والمساواة والتعاون .. وبذلك استقرت الأوضاع فى المدينة.



