في كل موسم حج، تتكرر الأسئلة ذاتها من بعض المشككين: لماذا يطوف المسلمون حول الكعبة؟ أليس هذا سلوكًا "وثنيًّا"؟ ما معنى رمي الجمرات؟ ولماذا كل هذه الرموز والأرقام؟ سخرية قد تبدو منطقية لمن ينظر للأفعال دون إدراك لما تحمله من دلالات
الراحل د. مصطفى محمود، وهو أحد العقول التي جمعت بين العلم والإيمان، أجاب ذات يوم عن هذا التساؤل بإجابة لا تزال حتى اليوم تضرب في عمق المنطق المادي وتنتصر للرمزية الروحية. قال باختصار: نحن نطوف حول بيت الله، أول بيت وضع للناس لعبادة الخالق، طوافا نابعًا من الإيمان والاختيار، بينما تطوفون أنتم - دون أن تلاحظوا - حول رموزكم البشرية؛ سواء كانت محنطة في متحف أو محفورة في الذاكرة
وما رمي الجمرات إلا إعلان تمرد على الشر، تعبير رمزي عن مقاومة الشيطان الذي لا نراه، لكنه حاضر في تفاصيل حياتنا. أما الهرولة بين الصفا والمروة فهي ليست مجرد مشي بين جبلين، بل استدعاء لرحلة الإنسان في بحثه عن النجاة، من ولادته إلى مماته، ومن الأمل إلى الرجاء
حتى الرقم "7"، الذي يُستهزأ به أحيانًا، يحمل في طياته أسرارًا عميقة: سبعة ألوان، سبع نغمات، سبع سماوات، وسبعة أشهر تكتمل فيها حياة الجنين... مصادفات؟ ربما. لكن من يستنكر هذا الترابط العددي في شعائرنا، يغفل أنه يعيشه يوميًا دون أن يسأل
وحين يُقبل المسلم الحجر الأسود، لا يفعل ذلك من منطلق تقديس الجماد، بل حبًا فيما يرمز إليه. تمامًا كما نقبّل يد أمّ أو اب. فهل نعبد الاهل حين نُقبّلهم ، أم نوقرهم؟
أما ثوب الإحرام، فهو الدرس الأبلغ: لا مال، لا مناصب، لا طبقية. كلهم سواء، أمام الله. قطعة قماش واحدة تجرّد الإنسان من زيف الدنيا وتتركه وجهًا لوجه مع خالقه
لذا اعلم عزيزى القارىء أن الحج ليس طقوسًا صماء، بل رسالة مكتوبة بلغة الرموز لمن يفهم ومن لا يفهم، فلا بأس أن يتساءل البعض ليعى المغذى، بشرط ألا يسخر



