لم تكن البطالة في نظر هؤلاء الشباب قدرا محتوما، بل كانت إشارة إلى أن الزمن قد تغير، لاحظوا أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد تذكرة عبور إلى المستقبل، وأن الشركات الكبرى لم تعد تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين، فقرأوا المشهد من زاويةٍ مغايرة، وأعلنوا بكل فخر أن الكرامة لا تُمنح بل تُصنع بأيدٍ يغسلها عرق الكفاح، فتحدوا الظروف القاسية وغادروا طوابير البطالة وصنعوا فرص عملهم.
ولأن الحكايات لا تكتمل إلا بقراءة واعية تؤصل للنجاح، نستمع في السطور القادمة إلى رؤى معمقة لخبراء التنمية البشرية والاقتصاد والفقه الإسلامي، لنرسم معاً خارطة طريق تثبت أن العمل الحر ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، بل مشروع نهضة واستثمار في مستقبل الأمة.
علي أبو ليلى : لم أستسلم لقسوة البدايات ووصلت لحلمي
الحكاية الأولى ليست مجرد حكاية نجاح تُروى ثم تُنسى، بل هي ملحمة من الصبر والتدرج كتبها شاب بسيط بأصابعه المتعبة، وأمضاها بدمعة خفيفة أراقها فى ظلام الليل خوفاً على كرامة والديه.
إنها قصة علي محمد إمام، الذي يعرفه السوق بـ «علي أبو ليلى»، حامل شهادة «دبلوم صناعي» الذي يرفض أن تكون شهادته سقف طموحه، بل يجعلها نقطة انطلاق نحو أفق لا ترتطم به السماء.
ففى داخله كان يشتعل شغف لا يهدأ، ورغبة ملحة تأكل قلبه: «كنت عايز أبقى حاجة كبيرة». لم يقلها بتباهٍ، بل قالها بوجع من رأى الدنيا تغلق وجوهاً فى وجهه، فأصر على أن يفتح لها هو أبواباً لم تكن موجودة.
التنقل بين الورش
يتنقل علي فى بداياته بين مجالات متعددة، ويقف على أرصفة الشقاء فى أكثر من ورشة، يلتقط الحرفة بحاسة من يتعلم كيف يصيد قبل أن يتعلم كيف يأكل. لا ييأس من قسوة البدايات، بل كانت كل ورشة يغادرها تضيف إلى جعبته سلاحاً جديداً، حتى يستقر العزم على تعلم مهنة «التنجيد الإفرنجي»، ليس تعلم من يريد أن يعرف، بل تعلم من يريد أن يتقن حتى يصبح.
وحين يقرر أن يقطع حبل السفينة ويخوض غمار التحدي الأكبر بافتتاح محله الخاص الذي يسميه «ورشة الأصدقاء للتنجيد الإفرنجي»، يصطدم بالجدار الصلب الذي يصطدم به الأحلام الصادقة: الجدار المادي. كان المحل صغيراً جداً، لا يكاد يتسع لكرسي واحد، وكانت «العدة» ناقصة، لكن الأصعب والأكثر إيلاماً أنه لم يملك «ماكينة الخياطة»، ذلك القلب النابض لأي ورشة تنجيد، وروح الصنعة التي لا تقوم بدونها.
بحر من الإحباط
كان الموقف كفيلاً بإغراق أي شاب فى بحر من الإحباط، وجعله يلقي باللوم على الظروف، ويعود أدراجه إلى حيث كان. لكن علياً لم يكن من أولئك، ينظر إلى الفراغ الذي يفصله عن ماكينته الحلم، ويقول فى نفسه: «سأشتريها ولو بالقسط، وسأدفع ثمنها من عرق جبيني لا من كرامتي».
اشترى الماكينة بالقسط، وأخذ على عاتقه ديناً لم يكن دين مال فقط، بل دين شرف وأمانة. بدأ يشتغل ليلاً قبل نهاره، ونهاراً قبل فجره. كان يمسك الجلد والخامات بيديه المرتجفتين من التعب، لكن قلبه كان ساكناً مطمئناً. يدفع قسط الماكينة كل شهر، ومع كل قسط جزء من روحه.
سنوات من الصبر
لم تكن الحكاية معجزة تحدث بين عشية وضحاها، فهذا ليس فيلماً، هذه حياة. يسير علي فيها خطوة خطوة، يتعثر ثم ينهض، يخسر ثم يكسب، يبكي فى السر ثم يبتسم فى العلن، يصبر سنوات كاملة، تمر كالدهر، وتجري أيامها كالجبال. لكنه يعرف أن النهاية ستكون جميلة، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وبدأت المعجزة تحدث ببطء، المحل الصغير جداً بدأ يكبر، الجدران الضيقة اتسعت، الورشة المتواضعة تحولت إلى منشأة، ثم دارت الأيام دورتها، وأصبحت ورشة كبيرة لها اسم يهز السوق، وعلامة تجارية يعرفها الجيران قبل البعيدين.
يقف علي اليوم على أرض صلبة لم تتزعزع، وشغله يسير بنجاح، والماكينة التي اشتراها بالقسط لم تعد ديناً عليه بل أصبحت تاجاً على رأسه.
لقد أثبت للعالم كله أن البر بالوالدين والصبر على الأقساط ليسا مجرد فضائل أخلاقية، بل هما بوابتان مفتوحتان على مصراعيهما للرزق الواسع، وأن من يتعب لأجل والديه يجد التعب كله قد تحول إلى نور.
اقرأ أيضًا: اقرأ أيضًا: الوزراء: انفراجة في سوق العمل.. ومعدل البطالة يتراجع لـ 6.3%
صانعو الأعذار
فى ختام هذه القصة التي تفيض بالأمل والعبرة، يخرج علينا علي أبو ليلى برسالة لا تقال بالكلمات، بل تُفهم من سيرة حياته ذاتها: لا تنتظر أن تملك كل شيء لتبدأ، ابدأ بما تملك، ولو كان ما تملك هو ماكينة بالقسط فقط. لا تنتظر أن تكتمل العدة، فالعزم وحده هو أكمل عدة.
ولا تنسَ أبداً أن برك بوالديك هو أعظم استثمار يمكن أن تودعه فى حساب السماء، وسيعود إليك أضعافاً مضاعفة فى الدنيا قبل الآخرة.

محمد الجنرال : انتصرت على إعاقتي البصرية وأسست مشروعي
تؤكد الحكاية الثانية أنه فى زمن تاهت فيه البوصلة بين العمل الحر والانتظار العقيم، يخرجنا القدر على شاب لم تمنعه ظلمته من رؤية النور، بل جعل من فقدان البصر منارةً للبصيرة، إنه محمد عبد النبي، الذي يسكن وجهه طمأنينة المؤمن، وجسده عزيمة المقاتل.
يقف محمد خلف «فاترينة» خشبية بالية، لا تحميه من غبار الشارع، لكنه يقف هناك كجبل لا يتزعزع، الجميع ينادونه بـ «محمد الجنرال»، لقب استحقه ليس بالسلاح، بل بالحزام الأسود « درجة 2 دان» الذي يزين إنجازاته فى لعبتي الكاراتيه والتايكوندو، رغم أن عينيه لا ترى الملاعب التي دك فيها خصومه.
تحدى البطالة
ولم تكن حياته وردية قط؛ فالشهادة الإعدادية كانت آخر شهادة حملها، ثم انفصل الأبوان، فوجد نفسه رب أسرة صغير لأختين تحملان من العمى ما يحمل. هنا، عند مفترق الطرق، كان يمكنه أن يمد يده كغير مكترث، أو أن يبكي ظلامه أمام أبواب الجمعيات الخيرية.
لكنه اختار الطريق الأصعب والأشرف، طريق الكفاح الذي لا ينتهي. وقبل عام، استخرج من جعبته مبلغاً لا يكاد يذكر (حوالي 6 آلاف جنيه)، زرعه فى أرض الجدب فأثمر مشروعاً صغيراً لتجارة العسل الأبيض وزيت الزيتون والبن. إنه لا يبيع سلعاً فقط، بل يبيع قصة كفاح تُكتب بالعرق لا بالدموع.
نبرة عزة
وحين تصغي إليه، تسمع فى صوته نبرة لا تعرف الاستجداء، بل تعرف العزة التي توجع القلب، يقول وكل كلمة منه تمر على الروح كالسيف: «أنا واقف بفاترينة فى الشارع، التراب يُبهدل بضاعتي ويُغبر متاعي، ولا أحد يُعينني. أنا من ينظف حاجتي بيدي، أنا من يرتب مكاني، رغم أن الظلام هو دليلي».
ثم يلتفت إليك بروحه قبل جسده، ليطلق قذائفه الصارمة نحو الشباب الأصحاء الذين أضاعوا أعمارهم على أرصفة المقاهي وخلف الشاشات، قائلاً بعبارات تحفر فى الذاكرة: «لا أمك، ولا أبوك، ولا قريبك سيبني لك قصراً من وهم. إن لم تنهض من مكانك، وتُكافح بعرق جبينك، وتعمل بشرف كالرجال، فلن يُقيم لك أحد صرحاً. أنت وحدك من ستنحت مستقبلك.. بنفسك، بإيدك، بطموحك الذي إن مات لم يبعثه أحد».

أحمد طه: أدرت ظهري لوهم الوظيفة وفتحت ذراعي للعمل الحر
الحكاية الثالثة حدثت فى محافظة القليوبية، وتحديداً من شارع «نادي باريس» الحيوي، حيث يلفت انتباه المارة شاب ثلاثيني يقف خلف “فاترينة” خشبية بسيطة، لكن ما تنبعث منه ليس رائحة الطعام فقط، بل رائحة الكرامة والاجتهاد والعزة التي لا تُشترى بمال.
إنه أحمد طه، النموذج المصري المشرف الذي اختار أن يكتب قصة نجاحه بحروف من عرق ونار، بعد أن أدار ظهره لوهم الوظيفة الثابتة وفتح ذراعيه للعمل الحر.
خطوة جريئة
كانت البداية فى عام 2018، حين كان أحمد فى الثالثة والعشرين من عمره، شاباً حاصلاً على دبلوم الصنايع، يعمل فى شركة غبور للسيارات العريقة، وظيفة يحسد عليها الكثيرون، براتب ثابت ومستقر، ومستقبل تبدو ملامحه واضحة.
لكن طموح أحمد كان أوسع من جدران الشركة، وكان قلبه ينبض بحلم آخر: امتلاك مشروعه الخاص، أن يكون هو سيد قراره، وقبطان سفينته، وألا يظل رقماً فى كشوف رواتب أحد.
بداية متواضعة
ويتحدث أحمد عن تلك الأيام، وتلمع فى عينيه دموع لا تخفيها الرجولة بقدر ما تخفى شوقاً لمن رحل، يؤكد أن البداية كانت بمبلغ متواضع جداً لم يتجاوز خمسة آلاف جنيه، لكن الدعم الحقيقي كان من والده الراحل، ذلك الرجل الذي آمن به قبل أن يؤمن هو بنفسه.
وقف الأب إلى جواره، لم يبخل عليه بالمال ولا بالخبرة، بل علمه أصول الصنعة بيديه، وعلّمه كيف يُعد طعاماً يرضي الذواقين ويكسب قلوب الزبائن.
اقرأ أيضًا: الشباب يكسر أغلال الوظيفة الميري ويقود قطار الاقتصاد الحديث
فتحا معاً محلاً جانبياً صغيراً لا يكاد يُرى، يقدمان فيه الكبدة والكفتة والسجق. واليوم، يعترف أحمد بفضلهما معاً: بعد الله، ثم والده الذي لا يزال يعيش فى حسه ودعواته الطاهرة. ولأن الرزق يحب الحركة كما يحب القلب النبض، والركود أوله تعب وآخره عطب، لم يقف أحمد عند أصنافه الأولى.
راقب السوق و درس احتياجات الناس وسأل نفسه: “ماذا يريد الزبون قبل أن يعرف هو ما يريد؟”. وفى عام 2019، قرر إدخال أصناف جديدة: السمك، والبطاطس السوري، والحواوشي، والبانيه. لم يكن ذلك اجتهاداً عشوائياً، بل كان دراسة واعية لمتطلبات الشارع، وفهماً عميقاً لعلم نفس الزبون الذي يبحث عن الجديد واللذيذ فى آن.
معادلة صعبة
لكن أحمد، وهو شاب يواكب روح العصر لا مجرد تواريخه، أدرك أن التميز لا يكتمل بدون احتلال مساحة فى العالم الافتراضي. فأنشأ صفحة على فيسبوك، وبدأ بنفسه يلتقط الصور ويصور شغله، ويعلن عن عروض وتخفيضات ذكية. كانت هذه الخطوة كالنار فى الهشيم؛ فانتشر اسمه، واكتسب ثقة زبائن جدد من خارج محيطه الضيق، وتحول المحل الجانبي من مجرد واجهة بسيطة إلى علامة فارقة فى المنطقة.

علي قطب: واجهت عواصف الحياة وصنعت من المعاناة أملاً
ومن رحم القرية المصرية ولدت الحكاية الرابعة، حيث التراب يُروى بعرق الجبين إنها قصة شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره حين سقطت من يديه عصا الأمان التي كان يتكئ عليها، حين اختطف الموت والده، تاركاً إياه يواجه عواصف الحياة.
ذلك الشاب هو علي قطب عبد السلام، الذي رفض أن يكون رقمًا فى قائمة الايتام، أو اسماً ينتظر المعونات، بل اختار أن يكون الصخرة التي تتحطم عليها الأمواج، وأن يصنع من جرح اليُتم تاجاً يُكلل به مستقبله .
فهو لم ينتظر علي أن تطرق الفرصة بابه مستحية، بل نزل بنفسه إلى سوق العمل باكراً، واختار أقسى الطرق وأشدها حرارة: مهنة “الفرشاجي” فى المحامص.
كان يقف لساعات وساعات أمام لهيب الأفران المتوهجة، تتساقط قطرات العرق من جبينه لتطفئ ناراً فوق نار، وهو يتعلم بخبرة الصامتين أسرار تحميص اللب والسوداني والمشمش، وكيف تُصنع الجودة التي لا تُضاهى. تنقل بين المحلات، يعمل باليومية، يأخذ قوته بعرق جبينه، ويدخر من شقاء النهار ما يضيء به ظلمة الليل.
كان كل يوم يمضي يكتب فى سجل صبره كلمة: «غداً سأكون شيئاً آخر»، ثم جاءت الخدمة العسكرية، فذهب وأداها كما يؤدي الشرفاء واجباتهم، وعاد منهم وهو يفكر فى مستقبله، وقد أكد أن الانتظار فى طوابير الوظائف الحكومية ليس إلا قبراً للطموح يُدفن فيه الشباب أعمارهم عبثاً، وتُوارى فيه الأحلام تحت تراب الروتين العقيم.
ملاذ آمن
وكان شعاره الذي يردده فى أعماقه كلما تعب، ويهمس به لروح والده الراحل: « لن أظل عاملاً باليومية مدى الحياة ». فبدأ رحلة ادخار صعبة، حتى استطاع بمعاناة بالغة أن يجمع مبلغاً لا يتجاوز ثلاثين ألف جنيه.
واستأجر محلاً صغيراً جداً، على قدر إمكانياته الضعيفة، وافتتح متجره الصغير لبيع المحمصات واللب والسوداني. لم يكن يملك وقتها سوى حلمه الكبير، وإيمانه الراسخ بالله، وجودة يده التي أقسم ألا تخونه أبداً.
وبعد أن فتح الله على علي، وبارك له فى تعبه وعرقه، ونجح نجاحاً ملفتاً حتى أصبح يملك فرعين من أشهر وأكبر محلات المحمصات فى منطقته، لم ينسَ للحظة واحدة أنه كان بالأمس القريب يقف أمام الأفران يتوسل رزق اليومية كغيره من المهمشين. لم يكتفِ بتأمين مستقبله الشخصي، ولم تغرقه الدنيا حتى نسي إخوانه، بل تحول إلى صاحب عمل وملاذ آمن للآخرين. وفّر فرص عمل حقيقية لشباب من جيله وفى مثل سنه، شباب كانوا مثله يحلمون بلقمة عيش كريمة لكنهم لم يجدوا من يمد لهم يداً.
هكذا يكون علي قطب عبد السلام، نموذجاً حياً نابضاً على أن العمل الشريف، مهما تواضعت صورته أو اشتدت حرارته، هو الطريق الوحيد لكرامة الإنسان وعزته فى الدنيا قبل الآخرة. وهو ما يذكرنا بقول المولى تبارك وتعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)، (التوبة: 105).

إبراهيم أبو مكة: بمبلغ بسيط حولت حلمي لحقيقة
فى مجتمع لا يعترف غَالباً إلا بالخطوات التقليدية، كان « إبراهيم محمد» الشاب الثلاثيني، الحاصل على دبلوم الصنايع، يسير فى ساقية الحياة كغيره من ملايين الشباب. موظف بسيط فى شركة براتب لا يتجاوز الأربعة آلاف جنيه، راتب يتبخر فى الأيام الأولى من الشهر، ليجد نفسه مجبراً على الدخول فى حلقة مفرغة من الاستدانة فقط ليُكمل ما تبقى من الأيام.
كان الشعور بالعجز يطوقه، لكن داخله كان هناك شغف سري مخبأ.. شغف بعالم العطور ونفحاتها.
لم يكن إبراهيم مجرد مستهلك عادي للعطور، بل كان يتذوقها ويحبها بشدة، لاحظ زملاؤه فى العمل ذوقه الرفيع، فبدأ يشتري لهم زجاجات جاهزة من أحد المحلات، يربح من الزجاجة الواحدة خمسة جنيهات ضئيلة، لكن هذه الخمسة جنيهات كانت تحمل معها بذور حلم كبير. أحب الهواية، وقرر أن يتعلم سر الصنعة ويتوقف عن شراء الجاهز: « لماذا لا أركب العطور بنفسي؟».
اقرأ أيضًا: التضامن الاجتماعي" تفتح أبواب التسويق لـ "كنوز الحرفيين" في بي اكسبو
فى عام 2020، كانت الظروف الاقتصادية تشتد، وكان قرار البدء بمشروع خاص مغامرة تشبه السير فى حقل ألغام. لم يكن إبراهيم يملك سوى 1500 جنيه، وهو مبلغ ضئيل لا يكاد يصنع شيئاً فى هذا المجال.
وهنا ظهرت البطلة الخفية فى الحكاية.. زوجته، شاركته الحلم، وقدمت له ما تملك من مدخراتها البسيطة (1500 جنيه أخرى)، ليصبح رأس مال الحلم كله 3000 جنيه.
لكن الخوف من المجهول كان ينهش قلب الشاب: « من سيعرفني؟ من سيشتري مني؟ هل سأنجح أم سأفشل؟». أسئلة كادت تقتل الفكرة فى مهدها، لولا كلمة حاسمة من زوجته هزت كيانه وأشعلت حماسه، حين قالت له بشجاعة وإصرار: « إن لم تبدأ أنت وتتحرك.. سأنزل أنا إلى الشارع وأجلب الخامات وأعمل فى هذا المجال!».
كانت هذه الكلمات هي « الوقود» والدافع الروحي الذي احتاجه إبراهيم ليطأ أرض الواقع، نزلا معاً إلى السوق، وبدآ بعشرة أصناف فقط من الزيوت العطرية (سبعة رجالية وثلاثة حريمية)، مع لتر واحد من الكحول وبضع زجاجات فارغة بمقاسات مختلفة.
كانت الفرحة غامرة بالخطوة الأولى، وبدأ إبراهيم ترويجه من داخل شركته؛ يحمل زجاجاته المختلفة كل يوم وهو ذاهب للعمل، يعرضها على الزملاء، يبيع ويركب، ثم ينتقل ليلاً إلى الفضاء الرقمي.
أنشأ صفحة ومجموعة على منصات التواصل الاجتماعي وسماها « عطور مكة» تيمناً بطفلته الغالية. طاف بصفحته على المجموعات، يرسل طلبات الصداقة للناس، ويصنع المحتوى ويعرض صور شغله بنفسه دون كلل أو دعم من أحد، متحملاً نظرات وإحباطات البعض ممن كانوا يظنون أنه « يمزح» أو يثقل عليهم بطلباته.
من 10 أصناف إلى امبراطورية صغيرة
دارت الأيام، ودار معها قطار الكفاح والصبر والتوكل والعرق، واليوم، لم يعد إبراهيم صاحب العشرة أصناف؛ بل أصبح يدير تشكيلة ضخمة تتجاوز الـ 150 صنفاً من أجود أنواع العطور بفضل الله.
ورغم أنه لا يمتلك محلاً ثابتاً بعد، ويعتمد فى تسويقه على طلبيات « الأونلاين» بجانب « بارتيشن» (طاولة عرض صغيرة) يقف بها فى الشارع، إلا أنه امتلك ما هو أغلى من المحل والبراند الضخم.. امتلك « السيرة الطيبة والقبول».
اليوم، عندما يُذكر اسم « أبو مكة» فى عالم العطور، تُذكر معه أخلاقه العالية، أمانته، وذوقه الرفيع فى التعامل مع زبائنه، ليتحول من شاب يستدين ليكمل شهره، إلى نموذج ملهم للشاب المتحدي للبطالة، واضعاً عينه على حلمه الكبير القادم: « براند ضخم ومحل كبير يحمل اسمه ويجوب السوق».

إيمان ضيف: غزلت خيوط الصبر بإرادة لا تقهر
الحكاية السادسة بدأت من داخل حصة «التدبير المنزلي» بمدرستها الإعدادية، التي لم تكن مجرد هواية عابرة، بل كانت ميلاداً لإرادة صلبة لم تعرف يوماً معنى الاستسلام.
هناك، فى تلك السن المبكرة، لامست أنامل بطلتنا «إيمان حسنين ضيف» خيوط «الكروشيه» لأول مرة، لتكتشف فى نفسها شغفاً دافئاً بالفن اليدوي سيتطور لاحقاً ليكون سلاحها فى تحدي البطالة ورسم طريقها الخاص فى عالم العمل الحر، لتصبح نموذجاً مثالياً للفتيات الجميلات فى روحهن، وعطائهن، وطموحهن الذي لا يحده سقف.
تحدي الصعاب
إيمان، الفتاة الجميلة التي شقّت طريقها من بين ذوي الهمم متغلبة على تحديات حركية واجهتها، لم تسمح يوماً للظروف أن تقيد حلمها أو تعطل مسيرتها التعليمية؛ حيث تحدت كل الصعاب حتى حصلت على مؤهلها العالي بنجاح ونالت شهادة الليسانس فى الآداب قسم الاجتماع.
ولم تكن رحلتها تخلو من الصبر والكفاح، خاصة فى زمن لم تكن فيه وسائل التعلم والتكنولوجيا ميسرة، ولكن بتشجيع ودعم كبيرين من والديها - رحمهما الله - اللذين كانا بمثابة طاقة النور وحجر الأساس فى حياتها، صممت على التعلم والتطوير الذاتي، وبدأت بالفعل فى غزل خيوطها لتصنع مفارشها وبعض ملابسها الخاصة بنفسها، معلنةً بداية رحلتها مع الاعتماد على الذات بكل ثقة وفخر.
ومع مرور السنوات وتطور سوق المشغولات اليدوية، أدركت إيمان أن الاستمرار فى العمل الحر يتطلب مواكبة كل جديد، فلم تقف عند حدود الكروشيه، بل انجذبت نحو عالم «فن الخرز» وأبدعت فيه.
ونظراً لإيمانها بأن العلم يحتاج دائماً إلى صقل، اغتنمت الفرصة عندما ظهر أحد رجال الأعمال المهتمين بتدريب وتأهيل الشباب على الحرف اليدوية لتمكينهم فى سوق العمل، وحصلت على كورسات احترافية متخصصة فى الخرز والجلود، وأيضاً فى صناعة قوالب السيليكون لعمل مجسمات الجبس والكونكريت الحديثة، لتقدم منتجات تتميز بالجودة والابتكار وتنافس بقوة فى السوق.
اسم بارز
هذا التميز فتح أمامها أبواب كبرى المعارض القومية والدولية، حيث شاركت بمنتجاتها فى معارض وزارة الشباب والرياضة، ومعرض “تراثنا” الدولي لعدة سنوات متتالية، وكان آخرها فى أكتوبر الماضي، لتثبت أن جودة العمل تفرض نفسها فى أي مكان.
ولأن التسويق هو التحدي الأكبر لأي مشروع، نجحت إيمان فى استغلال صفحات السوشيال ميديا بذكاء شديد كمتجر رقمي ونافذة تواصل، مما ساعدها على ترويج أعمالها والانتشار والوصول إلى جمهور واسع متخطيةً بذلك أي عوائق وصانعةً لنفسها اسماً بارزاً.
واليوم، لم تعد إيمان مجرد صاحبة مشروع ناجح، بل تحولت إلى مدربة محترفة تنقل خبرتها وشغفها للآخرين، حيث تقدم كورسات وتدريبات للأطفال داخل المدارس لتنمية مهاراتهم، وللسيدات الراغبات فى تعلم حرفة يدوية تفتح لهن أبواب الرزق وتحقيق الدخل. لتضرب إيمان حسنين ضيف أروع الأمثلة فى كيف تحول الفتاة الجميلة الشغف إلى رسالة، والتحديات إلى نجاح يُحتذى به فى مواجهة البطالة.




