علماء الدين والخبراء: العمل الحر شرف الأنبياء والعمود الفقري لاقتصاد المستقبل
لم يعد الطموح الشبابي اليوم رهيناً لطوابير الخريجين الطويلة، ولا أسيراً لـ «سراب الوظيفة الحكومية» الذي علّق أجيالاً في حلقة مفرغة من الانتظار العقيم.
اليوم، يشهد المجتمع تحولاً استراتيجياً عميقاً تقوده سواعد فتية قررت أن تصنع فرصتها بوعي واقتناع، محولةً المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر إلى عقول ريادية تبني قادة المستقبل.
إنها معركة وعي وتحدٍ، تتجلى في الانتقال بالمجتمع من قوة مستهلكة تترقب الفرص، إلى قوة منتجة تصنعها، متسلحةً بالمرونة النفسية، وأحدث أدوات التحول الرقمي، ومستندةً إلى إرث ديني وتاريخي شريف يرى في العمل الحر رفعةً وكرامة.
وفي هذا السياق، قامت «اللواء الإسلامي» برصد وتحليل آراء نخبة من خبراء التنمية البشرية، والاقتصاد، وعلماء الدين والأزهر الشريف، ليضعوا معاً خارطة طريق متكاملة تنير درب الشباب نحو التميز والريادة الحقيقية.
د. منار شطا: المشاريع الصغيرة تحولهم لقادة مستقبل
من جانبها تقول د. منار شطا، خبيرة التنمية البشرية، إن المشاريع الصغيرة تبني عقلية ريادية لدى الشباب وتجعلهم قادة لمستقبلهم، لكونهم المسئولين الأوحدين عن نجاحهم أو فشلهم، مؤكدة أن تحمل المسئولية يمنحهم شخصية قوية وفولاذية، ومرونة نفسية نادرة، تكسر فى مهدها ثقافة انتظار الوظيفة «الميري» الوهمية التي تعلق الأجيال فى حلقة مفرغة من الانتظار العقيم.
وتشير إلى أن ظروف الحياة ومتطلباتها المتزايدة جعل الشباب يبحثون بوعي متزايد عن فرص عمل أفضل وأوسع، بهدف تحسين مستوى معيشتهم وتحدي الصعاب وجهاً لوجه.
وتؤكد خبيرة التنمية البشرية، علي ضرورة سعي الشباب لمواجهة هذه الظروف القاسية بعزيمة لا تلين، وألا يبالوا بنظرة المجتمع طالما كان العمل شريفاً وفى إطار العادات والتقاليد الأصيلة، مشيدة بالشباب الذين اتجهوا بالفعل إلى الأعمال الحرة بوعي واقتناع، مبتعدين عن الوظيفة التي لا طائل منها ولا تسد احتياجاتهم الحياتية المتضخمة.
تطوير الذات
وتوجه د. شطا مجموعة من النصائح الاستراتيجية للشباب المقبلين على سوق العمل الحر، مشددة بلهجة الخبيرة التي تعرف الطريق: على الشباب أن يطوروا مهاراتهم الذاتية والتسويقية بشكل مستمر ومتجدد، لضمان استمرار مشاريعهم الصغيرة وتحولها بالصبر والعزيمة إلى كيانات ومشاريع كبرى تترك بصمتها فى السوق.
اقرأ أيضًا: الوزراء: انفراجة في سوق العمل.. ومعدل البطالة يتراجع لـ 6.3%
وتحدد خبيرة التنمية المحلية، أربع خطوات رئيسية لتطوير هذه المشاريع، تلخصها فى دراسة وتحليل السوق والمنافسين جيداً، إلي جانب استخدام استراتيجيات دقيقة لقياس نقاط الضعف والقوة، والعمل على علاج مواطن الضعف قبل أن تنخر الجسد كله، فضلا عن الاعتماد على أفضل الموارد والتقنيات الحديثة التي تضمن النجاح وتوفر الجهد والوقت، إلي جانب دعم المشروع بميزانية أعلى إن أمكن، لأن البخل فى التمويل قبر المشاريع الناشئة.
وتشدد د. شطا على ضرورة مواجهة الشباب مشكلة البطالة، دون الهروب منها إلى أوهام الانتظار أو التواكل، وذلك من أجل تحقيق ذاتهم أولاً، ومن ثم العمل على حل هذه المشكلة السائدة التي تعصف بالمجتمع بأسره.

د. خليل صبيح: تدعم المقاصد التنموية التي تدعو إليها الأديان
ويقول د.خليل صبيح، الخبير الاقتصادي، إن ما يفعله الشباب اليوم فى مواجهة البطالة ليس مجرد محاولات فردية لكسب العيش، بل هو تحول استراتيجي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الحديث.
ويؤكد أن الأهمية القصوى لقصص النجاح تكمن فى تغيير العقلية المجتمعية؛ فالشاب هنا لم يعد يقف فى طابور الخريجين مستهلكاً لفرص العمل وباحثاً عنها، بل تحول إلى «رائد أعمال» صانع للفرصة وموظِف لغيره.
هذا النمط يحول المجتمع من قوة مستهلكة عبؤها ثقيل، إلى قوة منتجة تدعم الإنتاج المحلي وتخفف الضغط على ميزانية الدولة، وهو ما يتكامل تماماً مع المقاصد التنموية التي تدعو إليها الأديان لإصلاح الأرض ومنع العوز».
ويشيد د. خليل بالمشاريع المنزلية والرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تحتاج لرأس مال كبير، مؤكدا أن هذه المشاريع البسيطة تحارب البطالة من نقطة الصفر، وتتميز بأنها لا تحتاج لمقرات أو تكاليف تأسيس ضخمة، مما يجعل نسب المخاطرة فيها شبه معدومة، بينما عائدها المباشر يذهب لتحسين القوة الشرائية للأسر وتحريك عجلة السوق الداخلية».
خارطة طريق
وينصح الخبير الإقتصادي الشباب بعدم الاعتماد على الحماس الفردي فقط، بل يجب أن يفهموا آليات السوق، ويحسنوا استغلال التحول الرقمي والتسويق الإلكتروني لتوسيع نطاقهم.
ونصيحتي الذهبية للشاب الذي تملكه فكرة وتنقصه الخبرة، لا تبدأ كبيراً، ابدأ صغيراً جداً وتعلم أثناء الممارسة، واستثمر فى تثقيف نفسك ذاتياً عبر الدورات المجانية فى الإدارة والتسويق الإلكتروني.

الشيخ علام شعبان: انتظار الوظيفة تواكل يرفضه الشرع
ويضيف الشيخ علام شعبان، مدير إدارة بوزارة الأوقاف: لو نظرنا إلى التاريخ البشري الأجمل، لوجدنا أن الأنبياء والرسل وهم صفوة الخلق والقدوة لنا لم ينتظروا وظيفة ولا مكتباً، بل نزعوا إلى العمل الحر.
فما من نبي إلا ورعى الغنم، وكان سيدنا داود عليه السلام يأكل من عمل يده، وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه تاجراً حراً يسيّر القوافل. ويؤكد أن الإسلام دين الحركة والسعي، وليس دين التواكل والانتظار».
اقرأ أيضًا: شباب هزموا البطالة بسواعد لا تلين
ويُرد الشيخ علام على إشكالية البطالة من منظور الفقه الإسلامي، مؤكدا أن ثقافة الجلوس وانتظار الوظيفة الحكومية، مع القدرة على الابتكار وإقامة مشروع صغير، هي نوع من التواكل الذي يرفضه الشرع تماماً. لقوله تعالي: (فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)، والمشي يقتضي المبادرة والحركة وترك الجمود.
بل إن فقهنا الإسلامي يعتبر كفاية المجتمع من الحرف والصناعات والمشاريع الناشئة فرض كفاية؛ إذا قام بهؤلاء الشباب سقط الإثم عن الأمة بأسرها، لأنهم يسدون ثغرة اقتصادية عميقة، ويحققون الاكتفاء الذاتي للمجتمع، ويعيدون للأمة عزتها وكرامتها».
دعم مجتمعي
ويؤكد أن الدولة بمؤسساتها المختلفة، ومنها وزارة الأوقاف، تسعى جاهدة إلى تهيئة البيئة المناسبة للشباب من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وتوفير سبل التأهيل والتدريب التي تصقل مواهبهم وتنمي قدراتهم.
مؤكدا أن الواجب الشرعي يحتم على رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية أن يفتحوا أبواب التمويل الميسر والشراكة الذكية أمام هؤلاء المبتكرين الطموحين؛ فإقراض شاب طموح لإقامة مشروع يغنيه ويغني أسرته هو أعظم عند الله أثراً من الصدقة العابرة التي تقدم ثم تنسى، لأنه يحول الإنسان من مستهلك متكل ومحتاج إلى منتج فاعل ومعيل كريم».
ويضيف أن البدايات تكون محفوفة بالمخاطر والصعاب، وكأنها ولادة جديدة يسبقها الطلق والألم، وهنا تظهر قيمة الصبر والمثابرة التي حثنا عليها ديننا الحنيف.
مؤكدا أن الفشل فى المحاولة الأولى ليس نهاية المطاف، ولا ينبغي أن يكون قبراً للطموح، بل هو خطوة ضرورية وثمينة فى طريق الخبرة والنضج، وعلى الشباب ألا يستصغروا أي مشروع مهما كان بسيطاً فى عيون الناس.
فالعبرة ليست بحجم البداية، بل بحجم النمو والبركة التي ينزلها الله على العمل، وقيمة المرء الحقيقية تُقاس بما يحسنه وينتجه، لا بما يملكه فى حسابه البنكي قبل أن يبدأ».
ويؤكد الشيخ علام، أن العمل الحر فى الإسلام ليس مجرد وسيلة لجمع المال وتكديسه، بل هو محكوم بأخلاقيات عظيمة تضمن بركته وخلوده؛ كالأمانة التي لا تخون، والتيسير على الناس ولا التعسير، والابتكار النافع الذي يضيف قيمة للمجتمع.

الشيخ سعيد خضر: ثقافة العيب وهم ينهار أمام نماذج التحدي والإرادة
ويؤكد الشيخ سعيد أحمد خضر، من علماء الأزهر الشريف، أن الإسلام يحث الشباب، والناس عامة، على العمل النافع الصالح والكسب الحلال، ويحذرهم من البطالة والكسل، أو العيش عالة على الغير، أو الانزلاق إلى الكسب غير المشروع، أو القيام بعمل لا منفعة فيه، ومن ذلك: من يعمل فيما لا ينفع، أو يتاجر فى المخدرات أو الخمر، أو يمارس الميسر، أو يزاول أعمالاً فاسدة تضر الأفراد والمجتمع.
ويوضح أن العبادة الخالصة لله تعالى، والعمل الصالح النافع هما معاً طريق النجاة، والحياة الطيبة الكريمة، بل الأهم من ذلك: الفوز بسعادة الدارين الدنيا والآخرة، وبهما يتحقق الاستخلاف فى الأرض، مستشهداً بقول الله تعالى فى سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).
عبادة وكرامة
ويشير الشيخ خضر، إلي أن الإسلام قد حث على العمل حثاً عظيماً، ويأمرنا ربنا تبارك وتعالى بالعمل الصالح النافع، ويجعله وسيلة لتعزيز الإيمان والتقوى والتقرب إليه سبحانه. كما يجعل الإسلام العمل أيّاً كان نوعه وطبيعته، طالما أنه عمل نافع ومشروع، وسيلة للكسب الحلال والمعيشة الطيبة، بدلاً من أن يعيش الإنسان بلا عمل، عالة متكئاً على غيره.
مستشهدا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه».
ثقافة مغلوطة
ويوضح الشيخ خضر أن ما يُسمى بـ «ثقافة العيب» التي تمنع بعض الشباب من العمل فى المهن البسيطة كعربات المأكولات، أو الحرف اليدوية، أو تركيب العطور فى الشارع هي ثقافة مغلوطة، تتصادم مع السنة النبوية الشريفة. فالأنبياء وهم صفوة الخلق ما من نبي منهم إلا رعى الغنم.
اقرأ أيضًا: التضامن الاجتماعي" تفتح أبواب التسويق لـ "كنوز الحرفيين" في بي اكسبو
كان سيدنا داود عليه السلام يأكل من عمل يده فى الحدادة، وكان سيدنا زكريا عليه السلام نجاراً. وبالتالي، فإن العيب الحقيقي هو البطالة ومد اليد للغير، أما العمل الشريف فهو شرف ورفعة ومكانة.
ويؤكد أن السعي لتطوير الدخل، والانتقال من مرحلة الكفاف إلى الغنى والرفاهية، هو أمر مشروع ومستحب فى الإسلام، وليس من الدنيا المذمومة. فالمال الصالح يحمي صاحبه، ويمكنه من الصدقة والزكاة وفعل الخيرات، لقوله صلى الله عليه وسلم:»نِعِمَّا المال الصالح للمرء الصالح.




