بقلم/ د. أسامة الأزهرى
منذ سنوات طويلة، وأنا أتابع نمطًا متكررًا من التعامل مع التراث الإسلامي وعلومه، يقوم على اقتطاع بعض المعلومات من سياقاتها، ثم بناء أحكام كبرى عليها، دون استيعاب كامل للمنهج العلمي الذي شيده علماء الأمة عبر القرون، ومن أكثر النماذج التي لفتت انتباهي فى هذا الباب ما أثير حول حديث «خير أجناد الأرض»، وهو الحديث الذي ورد فى شأن جند مصر، وتعرض خلال العقود الأخيرة لحملات متكررة من التشكيك والطعن، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى وصفه بالبطلان أو الوضع.
ولم يكن دافعي إلى إعادة مناقشة هذا الحديث مجرد الانتصار لرأي أو الرد على شخص بعينه، وإنما كان الهدف الأعمق هو الدفاع عن المنهج العلمي نفسه، وكشف الخلل الذي يقع حين تُنتزع مسألة من سياقها العلمي الواسع، ثم تُعالج بأدوات مبتسرة لا تعبر عن حقيقة ما استقر عليه أهل الاختصاص من علماء الحديث والفقه والأصول.
لقد لفت انتباهي أن كثيرًا ممن حكموا على الحديث بالبطلان انطلقوا من قراءة جزئية لبعض كتب الرجال أو من ملاحظات محددة حول بعض الرواة، ثم انتهوا إلى أحكام قاطعة، متجاوزين فى ذلك شبكة واسعة من المعايير العلمية التي اعتاد المحدثون الاعتماد عليها فى إثبات الأحاديث أو الحكم عليها، والحقيقة أن علوم الحديث لم تكن يومًا علمًا قائمًا على معيار واحد، وإنما هي منظومة متكاملة من المسالك والقرائن والأدوات التي يتعاون بعضها مع بعض للوصول إلى النتيجة العلمية الأقرب إلى الصواب.
اقرأ أيضًا: حديث خير أجناد الأرض ومعركة ابن لهيعة
ولهذا بدأتُ أوَّلًا من دراسة السند الذي ورد به الحديث، فوجدت أن القضية أكثر تعقيدًا بكثير مما يروج له البعض، فعلى سبيل المثال، يُطرح اسم عبد الله بن لهيعة بوصفه نقطة الضعف الرئيسية فى الحديث، بينما تكشف مراجعة أقوال كبار الأئمة والنقاد أن الرجل كان محل اجتهاد ونظر، وأن عددًا من كبار الحفاظ وثقوه أو قبلوا رواياته فى أحوال معينة، وهو ما يجعل التعامل مع مروياته قائمًا على التفصيل لا على الإلغاء الكامل.
كما أن البحث فى بقية رجال السند، ومراجعة أقوال الأئمة فيهم، قادني إلى نتيجة واضحة، وهي أن الحديث لا ينزل عن مرتبة الحسن وفق مقتضيات الصناعة الحديثية المعروفة عند أهل الاختصاص. وقد بنيت هذا الرأي على مراجعة مطولة لأقوال النقاد والحفاظ، لا على انطباع شخصي أو موقف مسبق.
غير أن القضية لا تقف عند حدود السند وحده، فمن الأخطاء الشائعة فى بعض القراءات المعاصرة أنها تتعامل مع الحديث وكأن الحكم عليه يتوقف فقط عند النظر فى سلسلة الرواة، بينما نجد علماء الأمة قد طوروا عبر القرون مناهج أخرى مكملة، من أهمها النظر فى تعامل الفقهاء مع الحديث واستعمالهم له فى الاستنباط.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل كان كبار الفقهاء والأئمة يتعاملون مع النصوص دون وعي بقيمتها الحديثية؟ والإجابة بالطبع لا، فالأئمة الذين أسسوا المدارس الفقهية الكبرى كانوا على دراية واسعة بعلوم الحديث ونقد الروايات، بل إن كثيرًا منهم جمع بين الإمامة فى الفقه والإمامة فى الحديث معًا.
ومن ثم فإن انتقال الفقيه إلى مرحلة الاستنباط من الحديث يعد فى ذاته قرينة مهمة على قبوله للنص واعتماده عليه، وقد وجدت أن عددًا من كبار العلماء احتجوا بالخطبة التي ورد فيها حديث «خير أجناد الأرض»، واستنبطوا منها أحكامًا ومعاني فقهية، وهو ما يكشف أن الحديث لم يكن محل رفض أو استبعاد عندهم كما يصوره بعض المعاصرين.
إن ما أريد التأكيد عليه هنا هو أن الحكم على النصوص الشرعية يحتاج إلى رؤية شاملة تستوعب مختلف العلوم المتداخلة فى القضية، فلا يكفى أن يقرأ الإنسان عبارة فى كتاب من كتب الرجال، ثم يبني عليها حكمًا نهائيًا فى قضية تداولها العلماء قرونًا طويلة. كما لا يصح أن نعزل علم الحديث عن أصول الفقه، أو نفصل جهود المحدثين عن جهود الفقهاء والأصوليين الذين أسهموا جميعًا فى بناء المنهج العلمي الإسلامي.
والإشكال أن أتباع التيار السلفي، وغالب المشتغلين بعلم الحديث من المعاصرين، يدخلون إلى علم الحديث منفردًا، دون دراسة علم أصول الفقه الذي يُعد الضابط والحاكم والموثق، والميزان الذي تُوزن به العلوم جميعًا. ويلاحظ أن هذا الفصيل من المنتسبين إلى العلم لا يولي علم أصول الفقه ما يستحقه من اعتبار، بل إن بعض رموزه هاجموه ودعوا إلى تجاوزه، وقالوا: «هذا العلم طاغوت يجب أن يُكسر”.
وعلم أصول الفقه من العلوم التي تُنمِّي ملكة البحث، وتُدرِّب العقل على النظر المنهجي فى مختلف العلوم والمعارف. غير أن كثيرًا من هؤلاء لم ينالوا حظهم من هذا العلم، ولم يتعمقوا فى مطالعة كتبه الكبرى، مثل: «جمع الجوامع» للسبكي، و«المنهاج» للبيضاوي، و«المستصفى» للغزالي، و«المحصول» للرازي، وهي كتب تناولت مباحث السنة والحديث بقدر كبير من العمق والاستقراء والتحليل.
اقرأ أيضًا: منهج أهل الحديث فى إثبات خير أجناد الأرض
ويتمثل الإشكال الآخر فى أن علم الحديث علم نقدي بطبيعته، يعتاد صاحبه ممارسة الجرح والتعديل والنظر فى أحوال الرواة، ومن ثم فإن من يقصر نفسه على هذا العلم وحده قد يميل بطبعه المعرفى إلى الجرح أكثر من التوثيق، وإلى رد الحديث أكثر من قبوله، ما لم يصحب ذلك تزكية وتهذيب، وتكوين علمي متكامل يربطه ببقية العلوم الشرعية.
كما أن البيئة النفسية المصاحبة لتعلم هذا العلم لها أثرها الكبير؛ فإذا خلت من التزكية وتهذيب النفس، وانفصلت عن سائر دوائر المعرفة الشرعية، فقد تدفع صاحبها إلى التشدد فى شروط قبول الحديث، وإلى التسرع فى جرح الرواة أو رد الروايات لأدنى سبب، بما يؤدي فى النهاية إلى اضطراب المنهج واختلال النتائج.
وخلاصة القول أن البحث العلمي المتخصص فى هذه القضية، لو أتيح له المجال الأكاديمي الواسع، لأمكن استعراض مختلف عبارات المحدثين ومسالكهم التفصيلية التي يثبت بمثلها الحديث وفق معايير أهل الحديث أنفسهم، ومن واقع أقوال النقاد والحفاظ، بما لا يدع مجالًا للشك فى النتيجة التي ينتهي إليها البحث، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.



