خواطر حول العام الهجري الجديد

بقلم:  د. إبراهيم نجم المستشار العام لمفتي الجمهورية
بقلم: د. إبراهيم نجم المستشار العام لمفتي الجمهورية

بقلم:  د. إبراهيم نجم

يبدأ العام الهجري مستلهما ذكرى الهجرة؛ تلك اللحظة المؤسسة التي لم تكن مجرد انتقالٍ فى الجغرافيا، بل تحوّلًا فى المعنى، ونقلةً فى مسار الدعوة، وبدايةً لتشكل الأمة فى صورتها التاريخية والحضارية.

لقد كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فعلًا مقصودًا فى سياق التدبير الإلهي، يتجاوز النجاة من أذى قريش إلى بناء نموذج جديد للحياة، ففى مكة، تكرّست معاني الإيمان فى بعدها العقدي والأخلاقي، وتربّى الجيل الأول على الصبر والثبات تحت وطأة الابتلاء، أما فى المدينة، فقد انتقل الإسلام من كونه خطابًا يُبلّغ إلى كونه واقعًا يُبنى، ومن عقيدةٍ فى الصدور إلى منظومةٍ تُنظّم شؤون الحياة، وتؤسس لعلاقات الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.  

اقرأ أيضًا: سقوط القيم قبل سقوط التعليم

ومن هنا تتجلى حكمة الصحابة رضي الله عنهم حين اختاروا الهجرة مبدأً للتقويم الإسلامي. لقد كان بإمكانهم أن يؤرخوا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، أو ببداية الوحي، أو بفتح مكة، غير أنهم آثروا الهجرة لأنها اللحظة التي انتقل فيها الإسلام من طور الاستضعاف إلى طور الفاعلية، ومن وجودٍ محدود إلى كيانٍ جامع، إنها لحظة ميلاد الأمة بوصفها أمة  لها رسالة، ونظامًا، ومسؤولية.  

إن الهجرة فى جوهرها تعبير عن سنّة كونية: أن التحول لا يتحقق إلا ببذلٍ وتضحية، وأن الانتقال إلى ما هو أسمى يقتضي مفارقة ما هو مألوف، مهما كان عزيزًا، لقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أحب البلاد إلى قلبه، وخرج منها امتثالًا لأمر ربه، لا يملك من أسباب القوة المادية ما يضمن له النجاح، لكنه كان ممتلئًا يقينًا بأن العاقبة للمؤمنين. 

وفى المدينة، لم تكن الهجرة نهاية الطريق، بل كانت بداية البناء. هناك تجسدت الأخوة بين المهاجرين والأنصار فى صورة عملية فريدة، تجاوزت حدود التعاطف إلى مستوى التكافل الحقيقي، حتى غدت نموذجًا يُحتذى فى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس القيم لا المصالح، وهناك وُضعت معالم الدولة التي تقوم على العدل والشورى، واحترام التعدد، وصيانة الحقوق، فى إطار من المسؤولية المشتركة. 

إن دلالة الهجرة لا تقف عند بعدها التاريخي، بل تمتد لتشكل وعيًا متجددًا فى كل عصر، فهي تذكّرنا بأن بناء المجتمعات لا يتم بالشعارات، وإنما بصياغة منظومات قادرة على تحقيق التوازن بين القيم والواقع، وبين المثال والتطبيق. كما تذكّرنا بأن الأمة لا تقوم إلا بروح التضامن، وباستعداد أفرادها لتحمل الأعباء قبل المطالبة بالحقوق.

ومع إطلالة شهر الله المحرم، نقف أمام هذه المعاني لا لنستحضر الماضي فحسب، بل لنراجع الحاضر ونستشرف المستقبل. فما أحوجنا إلى أن نسائل أنفسنا: ما الذي ينبغي أن نهاجر عنه فى سلوكنا وأفكارنا؟ وما الذي يجب أن نسعى إليه لنكون أوفى لرسالة الإسلام فى عالم تتعاظم فيه التحديات؟، إن الهجرة ليست حدثًا مضى، بل هي معنى يتجدد فى كل انتقال من الغفلة إلى الوعي، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن ضعف الإرادة إلى قوة الالتزام.       

وفى هذا السياق، يبرز معنى الشكر بوصفه قيمة جامعة. فالهجرة لم تكن لتنجح لولا الصحبة الصادقة، ولولا مجتمع احتضن وآزر، ولولا قلوب آمنت بأن نصرة الحق مسؤولية مشتركة، وهكذا هي حياتنا؛ لا تقوم إلا بأسرٍ تمنحنا الاستقرار، ومجتمعاتٍ تمنحنا الانتماء، ودولة تمنحنا الأمن والأمان ورفقاء دربٍ يخففون عنا مشقة الطريق.                              

إن استحضار هذه النعم ينبغي أن يدفعنا إلى أداء واجبها، بأن نكون نحن أيضًا مصدر عونٍ لغيرنا، وأن نسهم فى ترميم ما تآكل من روابطنا الاجتماعية، وأن نجعل من قيم الهجرة منطلقًا لإصلاح واقعنا، كلٌّ فى موقعه، وعلى قدر وسعه. 

ومع إشراقة عام هجري جديد، نسأل الله أن يجعله عام خير وبركة، وأن يفيض علينا فيه بالصحة والعافية، وسعة الرزق، وطمأنينة القلوب، وأن يحيي فينا معاني الهجرة: صدق التوكل، وشجاعة التغيير، وحسن الصحبة، وبناء الأمة على أساس من الحق والعدل

 

ترشيحاتنا