الفطنة واليقظة

د. محمد مختار جمعة الأستاذ بجامعة الأزهر
د. محمد مختار جمعة الأستاذ بجامعة الأزهر

الفطنة من أخص صفات المؤمن، حيث يقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: « المؤمن كيّسٌ فَطِنٌ”، وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لست بالخِبّ (الخدّاع) ولكن الخب لا يخدعني ، وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يقول: لولا الإسلام لمكرت مكرا لا تطيقه جزيرة العرب. 

 وعندما أرسل سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه لفتح فلسطين وكان بها قائد رومي معروف بالحنكة والدهاء والمكر، قال : لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، وفى ذلك إشادة بالغة بفطنة ودهاء سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه. 

اقرأ أيضًا: ناقوس خطر المتسللين

فاليقظة والانتباه مطلوبان فى أمور ديننا وأمور دنيانا وسائر جوانب حياتنا، وقديمًا قال شاعرنا العربي طرفة بن العبد يصف ذكاء نفسه وتوقد ذهنه: «خشاش كرأس الحية المتوقد». 

وقد نهانا القرآن الكريم عن الغفلة بكل أنواعها سواء عن أمور ديننا أم عن أمور دنيانا، فقال سبحانه: «وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ»، بل نهانا سبحانه وتعالى عن أن نكون فى جانب الغافلين أو نسير خلفهم أو أن نقع فى براثنهم، حيث يقول سبحانه لنبينا (صلى الله عليه وسلم): «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا»، والخطاب له (صلى الله عليه وسلم) و لأمته إلى يوم الدين

فكما حذرنا القرآن الكريم من الغفلة عن أمر ديننا، فقال سبحانه: «وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»، وقال سبحانه: «وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ»، فإنه قد حذرنا من الغفلة عن أمور دنيانا، فقال سبحانه: «وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»، ومع أن الآية نزلت فى شأن صلاة الخوف فإن المعاني هنا يجب أن تستقى من عموم اللفظ لا من خصوص سبب النزول، فالغفلة عن السلاح والعتاد والمتاع لا تتوقف عند حدود ساعة انطلاق الحرب، إنما تسبق ذلك إلى مراحل الإعداد، فنحن مأمورون بالأخذ بكل أسباب القوة العسكرية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية، والمجتمعية، والأخلاقية، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ»، فقد جاءت كلمة «قوة» نكرة لتفيد العموم والشمول لكل ما يؤدي إلى امتلاك أسباب القوة، ثم جاء قوله تعالى: «ومن رباط الخيل» من باب ذكر الخاص بعد العام تعظيمًا لشأنه ولمزيد الاهتمام به.  

فكما نحتاج إلى اليقظة فى ساحة القتال ومواجهة الأعداء نحتاج إلى اليقظة وإعداد العدة وعدم الغفلة فى سائر جوانب حياتنا العلمية، والثقافية، والاقتصادية، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفى كلٍ خيرٌ» (رواه مسلم)، وقوة المؤمن المرادة فى هذا الحديث عامة وشاملة لكل مواطن ومواضع القوة.  

ومن أهم جوانب اليقظة ضرورة التنبه لما يحاك لنا، وللتحديات التي تواجهنا، وللشائعات التي تدعو إلى اليأس والإحباط، حيث يقول الحق سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ».  

 

ترشيحاتنا