بقلم: د. فايد محمد سعيد
الأمين العام للمجلس الأوروبي للهيئات والمراكز الإسلامية
الأمين العام لهيئة الفتوى والشؤون الشرعية بالمملكة المتحدة
لا يأتي شهر محرَّم في الوعي الإسلامي باعتباره مجرد بداية لعام هجري جديد، أو محطة زمنية تتكرر كل عام، بل يمثل لحظة تستعيد فيها الأمة ذاكرتها الأخلاقية، وتراجع من خلالها القيم التي صنعت وجودها الحضاري عبر التاريخ.
ففي التصور الإسلامي، لا يُنظر إلى الزمن باعتباره مرورًا للأيام والسنوات فقط، وإنما بوصفه وعاءً للمعاني الكبرى، ووسيلةً لحفظ الرسالة وتجديد الوعي.
ومن هنا اكتسب شهر محرَّم مكانةً خاصة؛ لأنه ارتبط بأحداث صنعت وجدان المسلمين، ورسخت مجموعةً من القيم التي لا تزال قادرة على إلهام الإنسان في كل عصر.
وتبدأ هذه المعاني من قصة نبي الله موسى عليه السلام، التي ارتبط بها يوم عاشوراء، باعتبارها واحدة من أعظم صور انتصار الحق على الطغيان. فالقرآن لم يقدّم قصة موسى باعتبارها روايةً تاريخية، بل باعتبارها قانونًا أخلاقيًا متكررًا يؤكد أن القوة المادية وحدها لا تصنع الغلبة، وأن الإيمان والثبات قادران على تغيير موازين الواقع.
ويمثل هذا المعنى رسالةً متجددةً لكل مجتمع يواجه الشعور بالعجز أمام التحديات؛ فالتاريخ الإسلامي لا يحفظ الوقائع لذاتها، وإنما يحفظ القيم التي تحملها.
وفي السياق نفسه، يحتل حدث الهجرة النبوية موقعًا مركزيًا في الذاكرة الإسلامية؛ لأنها لم تكن انتقالًا جغرافيًا من مكة إلى المدينة، بل كانت انتقالًا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة
ولهذا لم يختر المسلمون أن يبدأ تاريخهم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أو بوفاته، وإنما جعلوا الهجرة بداية التقويم الإسلامي. وكان هذا الاختيار يحمل دلالةً حضاريةً عميقة؛ فالأمم لا تُبنى حول الأشخاص مهما عظمت مكانتهم، وإنما تُبنى حول الرسالة والقدرة على التحول وصناعة المستقبل.
اقرأ أيضا | الهجرة النبوية غيرت مجرى التاريخ في العالم أجمع
وقد كشفت الهجرة عن منظومة متكاملة من القيم العملية والإنسانية
ففي صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ظهرت قيمة الوفاء والثقة والالتزام بالمبدأ، ولم تكن رحلة الغار مجرد مشهد نجاة، بل أصبحت رمزًا لليقين والعمل معًا؛ إذ اجتمع الأخذ بالأسباب مع التوكل الكامل على الله.
كما برز موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليلة الهجرة بوصفه نموذجًا استثنائيًا للفداء وتحمل المسؤولية، فقد قبل أن يبيت في فراش النبي، معرضًا نفسه للخطر، في مشهد يجسد أن الشجاعة الحقيقية ليست مجرد مواجهة ظاهرة، وإنما القدرة على حماية المبادئ والقيام بالواجب مهما كانت التكاليف.
ومن المعاني المهمة التي تؤكدها أحداث الهجرة أيضًا أن النجاح لا يصنعه الأبطال المنفردون، بل تصنعه منظومة متكاملة من الأدوار.
فقد كان لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دور حاسم في الدعم والتجهيز، كما ساهم عبد الله بن أبي بكر في نقل المعلومات، وأسهم عامر بن فهيرة في التمويه والإمداد، بينما أدى عبد الله بن أريقط دور الدليل الخبير في الطريق.
وتكشف هذه الأدوار أن التجربة الإسلامية منذ بدايتها قامت على التخطيط والعمل الجماعي والاستفادة من الكفاءة والخبرة، وأن بناء الحضارة لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بتكامل المسؤوليات.
ويمتد حضور محرَّم في الذاكرة الإسلامية إلى سيرة الإمام الحسين رضي الله عنه، الذي بقي رمزًا للشجاعة والكرامة والثبات على المبدأ.
ولا تُستدعى ذكراه بوصفها حدثًا تاريخيًا فقط، وإنما باعتبارها درسًا أخلاقيًا يؤكد أن بعض القيم تستحق التضحية، وأن مكانة الإنسان لا تُقاس بما يربحه من مصالح عاجلة، وإنما بما يتركه من أثر في الدفاع عن الحق والتمسك بالمبدأ.
وعندما نجمع هذه النماذج معًا، تتشكل أمامنا خريطة أخلاقية متكاملة: موسى رمز التحرر من الطغيان، والهجرة رمز البناء والتحول، وأبو بكر نموذج الوفاء، وعلي نموذج الفداء، وأسماء نموذج المشاركة وتحمل المسؤولية، والحسين نموذج الثبات والكرامة.
ومن هنا فإن محرَّم ليس شهرًا لاستحضار الماضي فقط، بل فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان وتجديد الضمير واستعادة المعاني التي قامت عليها الحضارة الإسلامية.
إنه تذكير دائم بأن التاريخ لا يُحفظ بالأحداث وحدها، وإنما بالقيم التي تبقى حية في وجدان الأمم.



