بقلم: محمد محمود سيد
شهدت مصر والعالم العربي والإسلامي مشهدًا مهيبًا خلال حفل تخرج الأئمة الجدد من الأكاديمية العسكرية المصرية، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي حرص على تكريم دفعة "الإمام حسن العطار"، في لفتة تحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد إطلاق اسم على دفعة جديدة من الأئمة.
فحين يُستدعى اسم الإمام حسن العطار إلى الواجهة، فإننا لا نتحدث عن عالم أزهري عابر في تاريخ الأمة، بل عن واحد من أبرز رواد الإصلاح والتجديد في العالم الإسلامي، وأحد الرجال الذين أسهموا في وضع اللبنات الأولى لنهضة مصر الحديثة.
وُلد الإمام حسن العطار بالقاهرة عام 1766م لأسرة من أصول مغاربية، وعمل في صغره مع والده في مهنة العطارة، إلا أن ظروف الحياة لم تمنعه من التمسك بشغفه الحقيقي، وهو طلب العلم. فانتظم في حلقات الدرس بالأزهر الشريف حتى أصبح من كبار علمائه، ثم تحول إلى صاحب مشروع فكري إصلاحي سبق عصره.
اقرأ أيضًا: عاشوراء.. ذكرى النصر والنجاة
آمن العطار بأن النهضة لا تتحقق بالعلوم الشرعية وحدها، بل تحتاج إلى الانفتاح على مختلف المعارف والعلوم الحديثة. لذلك دعا إلى تدريس الجغرافيا والتاريخ والرياضيات وغيرها من العلوم داخل الأزهر الشريف، في خطوة جريئة هدفت إلى مواجهة الجمود الفكري وإعداد علماء قادرين على التعامل مع متغيرات عصرهم.
ولم يتوقف أثره عند حدود أفكاره ومؤلفاته، بل امتد إلى تلاميذه الذين أصبحوا من أعلام النهضة المصرية، وفي مقدمتهم رفاعة الطهطاوي، الذي شجعه الإمام العطار على استكمال تعليمه والانفتاح على التجارب العلمية الحديثة، فكان أحد أبرز رموز التنوير في مصر.
تولى الإمام حسن العطار مشيخة الأزهر عام 1830م، وظل يؤدي رسالته العلمية والدعوية حتى وفاته عام 1835م، تاركًا إرثًا فكريًا وعلميًا ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.
ومن هنا تكتسب تسمية دفعة الأئمة الجدد باسمه أهمية خاصة؛ فهي ليست مجرد تكريم لشخصية تاريخية عظيمة، وإنما رسالة إلى الخريجين الجدد بأن يحملوا روح التجديد المستنير، وأن يجمعوا بين أصالة الدين ومتطلبات العصر، كما فعل الإمام الذي تحمل الدفعة اسمه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يخرج من بين هؤلاء الأئمة الجدد حسن العطار آخر؟ هل نشهد عالمًا يجمع بين العلم الشرعي العميق والرؤية الإصلاحية الواعية، فيسهم في بناء العقول وتحصين المجتمع ومواكبة تحديات العصر؟
إن الأمل يظل قائمًا، بل ومطلوبًا، ما دام بيننا شباب يحملون رسالة العلم والدعوة، وما دامت الدولة تولي اهتمامًا بإعداد الأئمة وتأهيلهم على أسس علمية ووطنية راسخة.
حفظ الله مصر بقيادتها وشعبها وعلماءها وأئمتها، وجعل من أبنائها دائمًا من يجددون الفكر، وينشرون العلم، ويحملون مشاعل التنوير للأجيال القادمة.



