بقلم: د. أسامة الأزهرى - وزير الأوقاف
فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع «الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب «الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة «اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.
اقرأ أيضًا: لماذا تخاصم جماعات التطرف مصر؟
حين يتأمل الإنسانُ حضورَ مصر فى القرآن الكريم، يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد الإشارة إلى بلدٍ من البلدان، أو أرضٍ من الأراضي، إلى حضورٍ لافتٍ ومتكررٍ يحمل دلالاتٍ عميقة تتعلق بالمكانة والخصوصية والبركة، فمصر ليست بقعةً عابرة فى سجلِّ التاريخ الديني، بل أرضٌ ارتبطت بحركة النبوة، وخطت عليها أقدام الأنبياء، واحتضنت أحداثًا كبرى خلدها القرآن الكريم فى آياتٍ تُتلى إلى يوم القيامة؛ ولذلك وقف كبار المفسرين والمؤرخين وعلماء الإسلام طويلًا أمام هذا الحضور القرآني الكثيف لمصر، محاولين استكشاف ما يحمله من إشارات ومعانٍ ودلالات تكشف جانبًا من خصوصية هذه الأرض ومكانتها فى الوعي الإسلامي عبر العصور.
يقول الإمام السيوطي: «وعن ابن عباس، وقد ذكر مصر، فقال: سُمِّيَت مصر بالأرض كلها فى عشرة مواضع من القرآن»، قلتُ: بل فى اثني عشر موضعًا أو أكثر.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾؛ قال الليث بن سعد: هي مصر؛ بارك الله فيها بالنيل. حكاه أبو حيان فى تفسيره، وقال القرطبي فى هذه الآية: الظاهر أنهم ورثوا أرض القبط، وقيل: هي أرض الشام ومصر؛ قاله ابن إسحاق وقتادة وغيرهما.
وقال تعالى فى سورتي الأعراف والشعراء: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.
قال الكندي: «لا يُعلَم بلدٌ فى أقطار الأرض أثنى الله عليه فى القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصفه بمثل هذا الوصف، ولا شهد له بالكرم غير مصر«.
وهذا نصُّ كلام هذا العالم الجليل؛ أنها مزيةٌ ميَّز الله بها مصر عن سائر بلاد الدنيا، وعن سائر بقاع العالم، وليست هذه دعوةً إلى التعصب، بل لو لم أكن مصريًّا، مع احترامي لانتمائي ووطني، ثم قرأت القرآن الكريم وفهمت دلالاته، لوجب عليَّ أن أحترم هذا المعنى وأُقِرَّ به، شئتُ أم أبيت، وإلا كنتُ متلاعِبًا بدلالات القرآن، أو منازعًا فيما اختصَّ الله به بعض عباده وبعض بقاعه من الفضل.
وما أحسن قول المعافى بن زكريا النهرواني:ألا قلْ لمنْ كانَ لي حاسدًا، أتدري على مَن أسأتَ الأدبْ؟، أسأتَ على الله فى فعلِه، لأنك لم ترضَ لي ما وهبْ، فجازاك عني بأن زادني، وسدَّ عنك وجوه الطلبْ.
ونمضي مع هذا السياق، فنجد أن هذه المكانة لم تترسخ لمصر فحسب، بل تتأكد أكثر حين نقفز إلى الصفحة رقم (52) من هذا الكتاب، فى باب: «ذِكر من دخل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام»، فلا يزال الإمام السيوطي، رحمه الله، يذكر إدريس، وإبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، والأسباط الاثني عشر من ولد يعقوب، ولوطًا، وموسى وهارون، ويوشع بن نون، ودانيال، وأرميا، وعيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام إلى أن يقول بعد هذا المبحث: «فتمَّت عدةُ من دخل مصر – باتفاقٍ واختلاف اثنين وثلاثين نبيًّا». ثم يقول: «وقد نظمت ذلك فى أبيات، فقلت: قد حلَّ مصرَ، على ما قد رووا، زُمَرٌ
من النبيين زادوا مصرَ تأنيسا«.
ونمضي مع هذا المعنى، فنجد فى كتاب (أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم» للبشاري وهو ليس مصريًّا، قوله عن مصر فى الصفحة رقم (193): «هذا هو الإقليم الذي افتخر به فرعون على الورى، وقام على يد يوسف بأهل الدنيا، فيه آثار الأنبياء، والتيه، وطور سيناء، ومشاهد يوسف، وعجائب موسى، وإليه هاجرت مريم بعيسى، وقد كرَّر الله فى القرآن ذكره، وأظهر للخلق فضله، أحد جناحي الدنيا، ومفاخره لا تُحصى، مصر قبلة الإسلام، ونهره أجلُّ الأنهار، وبخيراته تعمر الحجاز، وبأهله يبهج موسم الحاج، وبرُّه يعم الشرق والغرب، قد وضعه الله بين البحرين، وأعلى ذكره فى الخافقين).
ثم يقول: «وصارت مصر أكبر مفاخر المسلمين». وهو كما ترى ليس بمصري، لكنه يصف هذا المعنى العريق المستقر فى وجدان علماء الإسلام.
وأنتقل بعد ذلك إلى معنى انقدح فى الذهن، أو لمع فى الخاطر، وانفتح لي بابه: إذا كان الإمام السيوطي، ومن ذكرنا من العلماء والأئمة، قد ذكروا أن مصر ورد ذكرها فى القرآن الكريم فى أكثر من ثلاثين موضعًا، إمَّا باسمها الصريح، أو بالإشارة والتلميح، فقد بدا لي أن سورة يوسف بأكملها تقريبًا تدور أحداثها على أرض مصر، باستثناء آيات معدودات فى مطلع السورة وخاتمتها، ثم تجد أن معظم مقاطع السورة تجري على أرض مصر.
فليست القضية مجرد أن مصر ذُكرت تصريحًا أو تلميحًا، بل إن الله سبحانه وتعالى أفسح فى كتابه الخالد، الباقي إلى يوم الدين، مساحةً واسعةً لأحداث جرت على أرض مصر؛ فهذا القرآن الذي هو كلام الله قبل أن يخلق الكون، وقبل أن يخلق الأرض، وقبل أن يخلق يوسف، وقبل أن يخلق مصر ذاتها، سجَّل سورة يوسف كاملةً لترصد أحداثًا تقع على أرض مصر.
وسورة طه بأكملها تسجل أحداثًا على أرض مصر، وسورة القصص من أولها إلى آخرها تسجل أحداثًا على أرض مصر، وغالب سورة الشعراء، وغالب سورة الأعراف، تدور أحداثها كذلك على أرض مصر، بما يعني أن كثيرًا من القصص التي نتعبد إلى الله بتلاوتها والتفكر فيها قد جرت وقائعها على هذه الأرض.
فى سورة يوسف، وسورة طه، وسورة الأعراف، وسورة القصص، وسورة الشعراء، وسورة النمل، أيُّ بلدٍ هذا؟! ولماذا هذه الأرض من بين بقاع الدنيا يسلط القرآن الكريم عليها هذا الضوء، ويرصد أحداثها، ويصف مشهد موسى فيها، ومشهد يوسف، عليه السلام، ومشاهد الأنبياء الكرام؟!
وهناك معنى آخر أدق من هذا بكثير؛ فعندما جاءت الآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وصف الله فضل المسجد الأقصى بأن البركة لم تقتصر عليه، بل فاضت على ما حوله، وانتشرت فى أكنافه وضفافه. وهذه الآية الكريمة نصٌّ واضح فى حصول البركة فى بيت المقدس وما حوله، وفى بقاع الشام، ويعتزُّ بها أهل الشام جميعًا، ولهم الحق فى ذلك.
وحينما تجد الآية الكريمة فى سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، وتقارن بين قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وبين قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، يظهر لك ملمح لطيف؛ فليست البركة هنا مقصورة على موسى – عليه السلام – وحده فى قوله: ﴿مَنْ فِى النَّارِ﴾، بل تمتد كذلك إلى ﴿مَنْ حَوْلَهَا﴾، أي إلى من تشملهم هذه البركة فى المكان والإنسان.
ومن هذه المقارنة يمكن أن يُستخرج معنى لطيف، وهو أن البركة التي أفيضت على أكناف بيت المقدس بركةُ مكان، بينما البركة التي أفيضت حول جبل طور سيناء بركةُ إنسان؛ وكأن الله يشير فى هذا المعنى الدقيق إلى أن أعظم ما ادَّخره الله لمصر، وخصَّها به، إنما هو فى ناسها، وفى رجالها، وفى شعبها، وفى البشر الذين يتربون على أرضها وينشؤون فيها.
فهؤلاء هم بركة البلد الحقيقية، لا مجرد الثروات، ولا الكنوز، ولا الشواطئ، ولا الزراعات؛ فهذه كلها نتائج قامت على أيدي هؤلاء الناس الذين جعلهم الله أساس هذا الاختصاص والتمييز. وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.



