بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشْنِيُّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَجَعَلَهُ مَلَاذًا لِلْقُلُوبِ وَمُنْتَهَى التَّوْقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، دَعَا عِبَادَهُ لِطَاعَتِهِ وَبَيْتِهِ لِيَطْهُرُوا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَيِّدِنَا الصِّدِّيقِ وَسَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ).
اقرأ أيضا: الوكيل الدائم للتضامن: الأحد المقبل عودة أولي رحلات حج الجمعيات الأهلية للقاهرة
وَبَعْدُ، فَمِنْ رِحَابِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ تَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ مَعَ كُلِّ طَوَافٍ وَسَعْيٍ، أَبْعَثُ إِلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْوَصَايَا الْعَشْرِ، نَقْشًا فِي الْقَلْبِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ حِبْرًا عَلَى وَرَقٍ:
الْوَصِيَّةُ الْأُولَى: تَجَرَّدْ مِنَ الْأَنَا.
أَنْتَ هُنَا لَسْتَ بِمَنْصِبِكَ وَلَا بِمَالِكَ، بَلْ أَنْتَ عَبْدٌ فَقِيرٌ بَيْنَ يَدَيِ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ". كَانَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُنَادِي النَّاسَ لِلْحَجِّ وَهُوَ مُتَجَرِّدٌ، وَمَوْقِفُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِحْرَامِ يَقُولُ لَنَا: كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ.
الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: أَخْلِصْ نِيَّتَكَ تَعْلُ بِمَنْزِلَتِكَ
الْعَمَلُ بِلَا إِخْلَاصٍ كَشَجَرٍ بِلَا ثَمَرٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". تَأَمَّلُوا قِصَّةَ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ خَرَجَ لِطَلَبِ النَّارِ فَعَادَ بِالنُّورِ، لِأَنَّ نِيَّتَهُ كَانَتْ لِأَهْلِهِ وَصِدْقِهِ. وَمَوْقِفُ الصَّحَابَةِ فِي الْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْإِخْلَاصَ هُوَ رُوحُ الْبَيْعَةِ وَالطَّاعَةِ.
الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: الْتَزِمْ بِأَدَبِ الضَّيْفِ
أَنْتَ فِي بَيْتِ مَلِكِ الْمُلُوكِ، فَكُنْ أَدِيبًا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ". قِصَّةُ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) حِينَ كَانَ يَمْشِي فِي مَكَّةَ وَيُعَظِّمُ الْبَيْتَ هَيْبَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَوْقِفُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّهَا دُرُوسٌ فِي الْأَدَبِ مَعَ مَوَاطِنِ النُّورِ.
الْوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: ارْحَمْ وَتَرَحَّمْ.
الزِّحَامُ مَحَكُّ النُّفُوسِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ". تَذَكَّرُوا قِصَّةَ سَيِّدَتِنَا هَاجَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي سَعْيِهَا، كَانَتْ تَرْحَمُ وَلِيدَهَا فَأَكْرَمَهَا اللَّهُ بِزَمْزَمَ. وَمَوْقِفُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ يُؤَكِّدُ أَنَّ الرَّحْمَةَ أَصْلُ الدِّينِ.
الْوَصِيَّةُ الْخَامِسَةُ: اجْعَلْ لَكَ خَبِيئَةً صَالِحَةً.
أَخْفِ صَدَقَتَكَ كَمَا تُخْفِي وَجَعَكَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا". قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) مَعَ فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَبِيئَةً لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
الْوَصِيَّةُ السَّادِسَةُ: سِرُّ الْوُصُولِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ.
هِيَ مِفْتَاحُ الْبَابِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً". قِصَّةُ سَيِّدِنَا أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) حِينَ جَعَلَ كُلَّ دُعَائِهِ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَمَوْقِفُ الصَّحَابَةِ حِينَ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ فِي الْوُقُوفِ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
الْوَصِيَّةُ السَّابِعَةُ: لَا تَنْسَ مَنْ هُمْ خَلْفَكَ.
الدُّعَاءُ لِلْغَائِبِ حُبٌّ وَوَفَاءٌ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "دَعْوَةُ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ". تَذَكَّرُوا سَيِّدَنَا إِبْرَاهِيمَ حِينَ دَعَا لِذُرِّيَّتِهِ، وَمَوْقِفَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَانَ يَدْعُو لِأُمَّتِهِ فِي عَرَفَاتٍ.
الْوَصِيَّةُ الثَّامِنَةُ: الِاسْتِغْفَارُ مِعْرَاجُ الْقَلْبِ
بِهِ تُغْسَلُ الْخَطَايَا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا". قِصَّةُ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ قَوْمِهِ بِالدَّعْوَةِ لِلِاسْتِغْفَارِ، وَمَوْقِفُ سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، كَانَتِ السَّبَبَ فِي النَّجَاةِ.
الْوَصِيَّةُ التَّاسِعَةُ: حِفْظُ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ، هِيَ مَعْنَى الْإِحْرَامِ الْأَعْمَقِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. وَفِي الْحَدِيثِ: "أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟". قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فِي حِفْظِ لِسَانِهِ، وَمَوْقِفُ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ {مَعَاذَ اللَّهِ}، هُوَ الْأَسَاسُ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ.
الْوَصِيَّةُ الْعَاشِرَةُ: ارْجِعْ وَقَدْ تَغَيَّرْتَ
الْحَجُّ هِجْرَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. وَفِي الْحَدِيثِ: "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ". تَذَكَّرُوا تَغَيُّرَ حَالِ سَيِّدِنَا عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَمَوْقِفَ التَّائِبِينَ بَعْدَ الْحَجِّ؛ كَيْفَ صَارُوا لِلنَّاسِ نُورًا يُهْتَدَى بِهِ.



