لا تقتصر نهضة الأوطان، في فلسفة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على تشييد المباني وتدشين البنية التحتية والمشروعات العملاقة فحسب، لكنه آمن أن التنمية المستدامة تكمن في «صناعة المواطن»، بداية من إعادة صياغة الوعي وبناء جيل متسلح بالمعرفة، يمتلك مهارات التفكير النقدي، ليستطيع مجابهة العقبات وصناعة المستقبل.
وأكد د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس السيسي، تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان المصري، مشيرًا إلى أن تسليم رخص دولية يعكس توجهًا استراتيجيًا واضحًا لبناء جيل قادر على المنافسة في سوق العمل العالمي وصناعة مستقبله بنفسه.
وأوضح «مدبولي» أن الدولة تعمل وفق مفهوم «مثلث المهارات»، الذي يشمل المهارات الرقمية المتقدمة، واللغات الأجنبية، ومهارات العمل الحر وفق المعايير الدولية، باعتباره مفتاح التمكين الحقيقي للشباب المصري.
وأكدت د. رشا سعد شرف، الأمين العام لصندوق تطوير التعليم، أن الصندوق لا يقدم تدريبًا تقليديًا، بل يوفر رخصًا دولية معتمدة تؤهل الشباب للمنافسة في سوق العمل الدولي.
«اللواء الإسلامي» ناقشت فلسفة الرئيس مع علماء الدين، وخبراء التربية، والاقتصاد، للوقوف على مدى أهمية الاستثمار في الفرد ودوره المهم في إعمار الأوطان:
د. رمضان صالحين: الاستثمار في العقول الثروة الحقيقية لتقدم الشعوب
بداية، يقول د. رمضان صالحين، الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر، إن علماء الدين من المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي وعلوم التربية، قد أجمعوا على أن الاستثمار في الإنسان وتنمية قدراته يمثلان حجر الزاوية لنهضة المجتمعات وحفظ أمنها القومي، مشيرًا إلى أن العلماء ينظرون إلى هذا التوجه بوصفه «المشروع الذي لا يخسر»، كما أنه يعد أسمى أشكال الإنفاق، والمسار العملي لتحقيق مفهوم الخلافة وعمارة الأرض التي استُخلف فيها بنو البشر.
ويوضح د. صالحين أن الرؤية الفكرية والتربوية للعلماء تبلورت، في هذا الصدد، حول ثلاثة محاور رئيسية: أولها الاستثمار الفكري والعقلي، الذي يتمثل في «قيمة العقل والتفكر»، لذا حث علماء الدين على توجيه الطاقات العقلية نحو التعلم، واكتساب الحكمة، والتأمل، انطلاقًا من أن العقول هي الثروة الحقيقية ورأس المال الأساسي لتقدم الشعوب.
اقرأ أيضًا| الرئيس السيسي يشدد على سرعة إنهاء المشروعات الخدمية والتنموية بالدولة
كما شدد العلماء على أن الارتقاء بالمنظومة التعليمية والبحث العلمي يُعد واجبًا شرعيًا وضرورة اقتصادية في آن واحد، مطالبين المؤسسات الدينية، والأثرياء، ورجال الأعمال، بضرورة تخصيص جزء من أموالهم لدعم وتطوير المهارات العلمية والتقنية.
ويشير د. صالحين إلى أن المحور الثاني يتمثل في الاستثمار «القيمي والأخلاقي»، بمعنى تحقيق «التوازن بين المهارة والقيم»، وهو ما أكده المتخصصون في أهمية الربط بين المهارات الدنيوية والمنظومة الأخلاقية، حيث إن النجاح المهني لا ينفصل عن الانضباط، والصدق، والأمانة، وإتقان العمل، وهي قيم أصيلة حث عليها الدين الإسلامي.
ويشدد أيضًا على ضرورة «الاستثمار في النشء»، عملًا برؤية علماء التربية، من أن الأسرة هي اللبنة الأولى والحاضنة الأساسية للاستثمار في البشر، لذا أوصوا بأهمية غرس مهارات التفكير الناقد، والاعتماد على الذات، والمهارات الاجتماعية في نفوس الأطفال منذ الصغر، لضمان بناء جيل مؤهل لمواجهة تحديات المستقبل.
ويؤكد د. صالحين أن الاستثمار الروحي هو المحور الثالث، ويرتكز على «صلاح الفرد»، حيث أكد علماء الأخلاق أن بناء الإنسان يبدأ من التزكية الروحية والفكرية، من خلال إصلاح الفرد وتزكية علاقته بخالقه أولًا، ليكون ذلك منطلقًا لتطوير قدراته ومهاراته الدنيوية بما يحقق النفع والصلاح لمجتمعه.

د. أحمد زكي: تعليم الطلاب وتطوير مهاراتهم مشروع قومي
ومن جانبه، يشير د. أحمد زكي، أستاذ مجالات الخدمة الاجتماعية والتربوية بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة، إلى ما أكده علماء التربية، وعلم النفس، والاجتماع، والخبراء والمتخصصون في مجالات العلوم الإنسانية، من أن الاستثمار في الإنسان وبناء قدرات البشر يمثل الركيزة الأساسية لتقدم المجتمعات والنهوض بها، مبينًا أن التعلم وتطوير المعارف والمهارات يشكلان «مشروعًا قوميًا مستمرًا» لا يرتبط بمرحلة عمرية معينة، أو جنس معين، ولا ينتهي بمجرد الحصول على الشهادة الأكاديمية.
ويؤكد د. زكي أن التخرج والحصول على المؤهل الأكاديمي ليس نهاية المطاف، بل هو نقطة الانطلاق الحقيقية لاكتساب معارف وخبرات جديدة، تزامنًا مع التغيرات المستمرة ذات الطبيعة السريعة المطردة التي نشهدها جميعًا، مشددًا على ضرورة السعي المستمر لتحقيق متطلبات العصر بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، بما يحتم على الإنسان مواكبة الحداثة لتنمية قدراته الاجتماعية والثقافية والفنية والروحية، معللًا ذلك بأن الإنسان كائن اجتماعي متغير، يؤثر ويتأثر، ومن سماته التجديد والتغيير.
ويشدد أستاذ مجالات الخدمة على ضرورة امتلاك الإنسان للقدرات والمهارات التي تساعده على التوافق والتكيف الاجتماعي، ليكون أكثر قدرة على مواكبة مثل هذه التغيرات والتحديات التي يواجهها، والسعي المستمر نحو التطوير والتدريب والاستفادة من أصحاب الخبرات في العديد من المجالات، مؤكدًا أن السعي لاكتساب العديد من المهارات يتطلب إدراكًا ويقظة ووعيًا مستمرًا وتدريبًا عمليًا، فضلًا عن تجاوز الأساليب التقليدية القائمة على التلقين.
ويؤكد د. زكي أن التطوير الشامل لا يقتصر على تنمية المهارات المهنية فحسب، بل يجب أن يشمل أيضًا تنمية المهارات الشخصية والاجتماعية والذكاء العاطفي، مما ينعكس إيجابًا على تحسين جودة الحياة والتفكير النقدي، وهو ما يتطلب تكاملًا مستمرًا بين المؤسسات التعليمية، وجهات العمل مع سعي الفرد الدائم لتطوير ذاته.
وينوه أستاذ مجالات الخدمة إلى أن هذا التوجه يُعد جزءًا أساسيًا من الاستراتيجيات الحديثة لبناء «رأس المال البشري»، التي تدعمها مؤسسات الفكر التربوي العالمية، والتي تروج لمفاهيم التعليم المستمر مدى الحياة، لضمان تحقيق أهداف التنمية الشاملة والمستدامة.

د. عبد الرحمن طه: النهضة الشاملة تحتاج إلى كوادر علمية وتكنولوجية
وفي نفس السياق، يؤكد د. عبد الرحمن طه، الخبير الاقتصادي، أن التعليم يمثل الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي حقيقي، مشيرًا إلى أن تطوير منظومة التعليم والبحث العلمي لم يعد قضية خدمية فقط، بل أصبح ملفًا يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول.
مبينًا أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي استثمرت بصورة استراتيجية في بناء الإنسان استطاعت، خلال عقود قليلة، الانتقال من الاقتصادات النامية إلى مصاف القوى الصناعية والتكنولوجية الكبرى.
اقرأ أيضًا| الذكاء الاصطناعى وأثره على المجتمع..ندوة في مكتبة مصر
ويضيف الخبير الاقتصادي أن التحولات العالمية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية الرابعة، تفرض شراكة متكاملة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لدعم التعليم وتطوير البحث العلمي، مشددًا على أن وسائل الإعلام مطالبة أيضًا بترسيخ ثقافة الابتكار والمعرفة وتحويل التعليم إلى أولوية مجتمعية واقتصادية.
ويشير إلى أن الدول الصناعية الكبرى تخصص نسبًا مرتفعة من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث والتطوير، إذ تنفق كوريا الجنوبية نحو 4.9% من ناتجها المحلي على البحث العلمي، بينما تتجاوز النسبة في اليابان 3.2%، في حين لا تزال المعدلات في العديد من الدول النامية تدور حول 1% أو أقل.
ويؤكد د. طه أن النهضة الشاملة لا يمكن تحقيقها دون نظام تعليمي قادر على تخريج كوادر تمتلك المهارات العلمية والتكنولوجية اللازمة لقيادة النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، موضحًا أن الاستثمار الحقيقي والآمن لا يقتصر على المشروعات التقليدية أو الأصول المادية، بل يتمثل في «صناعة العقول» وتنمية رأس المال البشري.
ويوضح أن تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أشارت إلى أن كل سنة تعليم إضافية قد ترفع متوسط دخل الفرد بنسبة تتراوح بين 8% و10%، كما ترتبط بزيادة الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية للاقتصادات الناشئة.
كما ينوه الخبير الاقتصادي إلى أن الدراسات الكلاسيكية لـ Frederick Harbison وCharles Myers حول تنمية الموارد البشرية أكدت وجود علاقة طردية واضحة بين جودة الاستثمار في التعليم وبين قدرة الدول على تحقيق التنمية الصناعية والاقتصادية.
كما دعمت التجارب الحديثة هذا الاتجاه، خاصة في دول شرق آسيا، مثل Japan وSingapore وChina وSouth Korea، التي اعتمدت على التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي كأدوات رئيسية للتحول الاقتصادي، حيث تحولت سنغافورة، مثلًا، من دولة محدودة الموارد في ستينيات القرن الماضي إلى أحد أهم المراكز المالية والتكنولوجية عالميًا، بينما أصبحت كوريا الجنوبية ضمن أكبر الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية في العالم بعد عقود من الاستثمار المكثف في التعليم والابتكار.
واختتم خبير الاقتصاد بالتأكيد على أن بناء الإنسان علميًا وفكريًا يمثل الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية وحماية مكتسبات الدولة، مبينًا أن المجتمعات التي تمتلك قاعدة تعليمية قوية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية والتكنولوجية العالمية.




