لم يعد العنف الأسري مجرد سلوك فردي عابر، بل تحول إلى ظاهرة هيكلية ووباء اجتماعي صامت ينهش جسد المجتمعات والأسر داخل البيوت، ويُعرَّف بأنه استخدام متعمد للقوة الجسدية (التهديد أو التنفيذ) ضد النفس والآخرين، مما يؤدي إلى أضرار نفسية وجسدية ووفيات تضرب استقرار الأفراد والأسر، محولًا ساحات الأمان إلى ساحات خوف وتوتر وذعر.


اقرأ أيضا| بعدما تزايدت حالاته "العنف الأسري جريمة تهدد أمن المجتمع"
ومع تصاعد وتيرة العنف وانتشاره بشكل كبير، بعد أن سجلت دفاتر الشرطة وصفحات التواصل الاجتماعي بلاغات وشكاوى يصعب حصرها، كان لازمًا الوقوف على الظاهرة ومعرفة أسبابها وطرق علاجها، وحكم العنف اللفظي والبدني داخل الأسرة فى الإسلام.
يقول د. عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه لا مجال للعنف بين الناس شرعًا، سواء كان بين أفراد الأسرة أو الأقارب بصفة عامة، أم كان بين من لا تربطهم صلة قرابة، مشيرًا إلى أن الخلاف الزوجي حددته الشريعة الغراء فى خطوات متدرجة، ليس فيها عنف بأي مرحلة من مراحله، وحتى المذكورة فى قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ...)، مبينًا أن البداية تكون بالوعظ، وهو الكلام الطيب اللين الذي تحب الآذان سماعه ويحدث أثره الطيب فى النفس ويردها عن جموحها، ثم الهجر، كما أن الهجر لا عنف فيه على الإطلاق، فهو مجرد ترك الزوجة والإعراض عنها فى الفراش دون خصام، موضحًا أن غاية الأمر أنهما إذا ناما أدار لها ظهره، ثم يأتي الأمر بالضرب، وهو على خلاف ما يعتقده الكثير من الناس، فلا علاقة لهذا النوع بالعنف على الإطلاق، فهو ضرب إشارِيّ لتنبيه الزوجة أن سفينة الزوج أوشكت على الغرق وأن الزوج يحاول إنقاذها ولا يريدها أن تتحطم، فهو أشبه بإشارة المرور الصفراء التي تسبق الحمراء، لذا وصف سيدنا عبد الله بن عباس هذا الضرب بأنه أشبه بضرب السواك لا يؤلم بدنيًا، ثم يأتي التحكيم بينهما المنهي للأمر على أي وجهة، إما باستمرار الزوجية وإما بالانفصال، لقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا...).
سلوك غير مبرر
من جانبها، تقول د. هالة سناري، مدير وحدة العنف ضد المرأة بجامعة قنا: إن الخلاف بين أفراد الأسرة أمر طبيعي، وغالبًا ما يحدث بصورة أو بأخرى داخل المجتمع، مبينة أن العنف الأسري منتشر منذ قديم الأزل، ولكن للأسف الشديد فى هذه الفترة تعددت صوره وأشكاله، وزادت نسب انتشاره عن ذي قبل، والأمر المحزن أن الأسرة أصبحت من أكثر مؤسسات التنشئة الاجتماعية تصديرًا للعنف فى المجتمع.
وتشدد د. سناري أن العنف الأسري، بجميع أشكاله وصوره، سلوك غير مبرر ومرفوض تمامًا، كما أنه لا يجب تجاهله، ومن أسبابه ضعف الوازع الديني والفهم الخطأ للدين، موضحة أن جميع الأديان حثت على الرحمة وقبول الآخر، كما أن الشك وعدم الثقة والغيرة الشديدة بين الزوجين وتأثير أصدقاء السوء تعد من أسباب العنف الأسري، ويأتي تأثير وسائل الإعلام من الأسباب الجوهرية الكامنة وراء العنف الأسري، مؤكدة أن مشاهدة العنف بكثرة خلال وسائل الإعلام أدت إلى التطبيع والاعتياد مع السلوكيات العنيفة.
وتوضح د. سناري أن علاج الظاهرة يحتاج إلى اتباع أسس اختيار الزوجين وفق معايير الدين والخلق، ومراعاة الثقافة، وتعزيز الوازع الديني، واللجوء للمتخصصين عند حدوث المشكلات، وتعزيز الحوار، ولا بد من تضمين المناهج الدراسية ببعض الأنشطة التي تناهض العنف، وتوضح أخطاره وآثاره السلبية فى المجتمع، مع توحيد الجهود بين المؤسسات والمنظمات الأهلية والمدنية فى المجتمع ودور العبادة ووسائل الإعلام والنوادي وغيرها لنشر الوعي بمناهضة كل أشكال العنف.
يهدم الأسرة
ويضيف د. محمد حسين حمدان، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة جنوب الوادي، أن العنف الزوجي يعد من أخطر العوامل التي تهدد كيان الأسرة الزوجية وانهيارها بالكامل، لأن جوهر العلاقة الزوجية يقوم على المودة والرحمة والثقة، وعندما يدخل العنف داخل الأسرة، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو لفظيًا، فإنه يهدم هذه الركائز تدريجيًا، لأن الزوجة تفقد الشعور بالأمان، وهو أساس الاستقرار الأسري، كما أن تأثيره يصل إلى الأبناء، ويكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وقد يكتسبون هذا السلوك ويعيدون إنتاجه فى علاقاتهم المستقبلية، مما يخلق دائرة ممتدة من العنف داخل المجتمع.
التربية الدينية
ويشير حمدان إلى أن ضعف تدريس التربية الدينية ساهم، بشكل أو بآخر، فى زيادة المشكلة، فعندما أصبحت مادة الدين مادة هامشية أو شكلية (للحفظ فقط)، يفقد الطالب البعد القيمي للدين، ويفقد كذلك الربط بين التوجيه الديني والسلوك اليومي، مع غياب التركيز على أخلاق المعاملات، مما يجعل الشاب يعرف النص لكنه لا يشعر بوزنه الأخلاقي.
ويؤكد أن الفجوة بين التعليم النظري والتربية السلوكية، حيث يتم تدريس النصوص الدينية، سواء آيات أو أحاديث نبوية، ولكن لا يتم تحويلها إلى مهارات حياتية وسلوك يومي يمارسه الطالب، فيتعلم الطالب النص الديني، وهنا تأتي الإشكالية والفجوة بين حفظ النص وتطبيقه، فالطالب يتأثر بما يراه أكثر مما يسمعه.
ظاهرة طارئة
وتقول د. عبير دنقل، أستاذ الصحة النفسية بجامعة قنا، إن العنف الزوجي ظاهرة طارئة، لكنه أصبح أكثر وضوحًا وخطورة فى السنوات الأخيرة نتيجة تداخل عدة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، وأبرزها الضغط الاقتصادي المتزايد، وارتفاع تكاليف المعيشة والديون والبطالة، الأمر الذي يجعل بعض الأزواج يعيشون حالة توتر مزمن، ومع غياب مهارات التعامل مع الضغط يتحول التوتر إلى عدوان داخل المنزل.
وتحذر د. دنقل من ضعف الوعي بالحدود النفسية والحقوق الإنسانية، فكثير من الأزواج لا يدركون أن الإهانة والتهديد والتجريح ليست (خلافات زوجية)، بل عنف مكتمل الأركان، مبينة أن زيادة العنف ليس سببها عامل واحد، بل نتيجة تراكم عدة ضغوط مع هشاشة نفسية واجتماعية وغياب أدوات الحوار الصحي.
وتشير د. دنقل إلى أن المسئولية القانونية والأخلاقية عن العنف تقع دائمًا على المعتدي، لأن الضرب أو الإهانة أو الإكراه ليست رد فعل طبيعياً، بل اختياراً سلوكياً.
وتابعت أنه يجب التفرقة بين الخلاف الطبيعي حول المصاريف والقدرة المالية، وبين العنف الذي هو عنف مرضي أو سلوكي، كتقصير الزوج أو زيادة طلبات الزوجة التي تكون سببًا فى تصاعد التوتر، لكنهما لا يبرران العنف إطلاقًا.
دور الإعلام
وفى السياق نفسه، يقول طارق سعده، نقيب الإعلاميين، إن الإعلام مرآة عاكسة لكل المشكلات التي تدور فى المجتمع، وبناءً عليه لا بد أن يستند الإعلام إلى تأصيل المشكلة وتحديد طرق علاجها الاجتماعية والنفسية والدينية.
ويؤكد أن البرامج الاجتماعية والتوعوية فى هذا المجال مهمة جدًا، ومع ذلك لم تأخذ حقها، مطالبًا بضرورة تبنيها من قبل المسئولين، مع مراعاة طرح الموضوعات واستضافة النماذج التي تؤثر فى المجتمع وتقديمها مثلًا وقدوة.
ويشير سعده إلى ضرورة عدم الاكتفاء بتقديم البرامج وعرض المشكلة فقط، ولكن لا بد من البحث عن أسبابها وتقديم المقترحات والقوانين والتشريعات الخاصة بالأسرة، لمجابهة هذه الظاهرة والقضاء عليها.



