حث الإسلام على استقرار الأسرة، وأمر أتباعه بأن يقيموها على الحب والمودة، ومن كمال الشريعة الإسلامية مشروعية أن أباحَت الطلاق بين الزوجين إذا استحالت كل العشرة بينهما، ويكون هذا بالمعروف، لقوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، مع كثرة حالات النزاع فى الطلاق، وهروب الكثير من الرجال من مسئوليته بعد الطلاق، هو: أين ذهب الإحسان؟ وأين ذهب المعروف؟ وهل العيب فى التنشئة، أم العيب فى الاختيار ومعاييره، أم ثمة استسهال لكلمة الطلاق دون وعي لما يترتب عليها؟ هذا ما نناقشه فى التحقيق التالي:


اقرأ أيضا| مدى اعتبار عادات الناس وأعرافهم دليل في الشريعة الإسلامية.. وشروط ذلك
يرى د. وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن هناك فرقًا جوهريًا بين النمو والتربية؛ فالنمو عملية بيولوجية تلقائية، أما التربية فهي عملية مقصودة، موجهة، ومستمرة تهدف لبناء »مشروع حي»، مشيرًا إلى أن ملامح التربية السوية للأبناء يجب أن يتم الإعداد لها عبر الأدوار الاجتماعية، وألا يقتصر طموح الوالدين على التفوق المهني (كأن يصبح الابن طبيبًا أو مهندسًا)، بل يجب تدريبه على أدواره المستقبلية كزوج وأب، وكزوجة وأم.
ويؤكد د. هندي أن تحمل المسئولية والصلابة النفسية ضرورة لتعليم الأبناء كيفية مواجهة أزمات الحياة وقسوتها، والابتعاد عن »التدليل المفرط» الذي ينتج شخصيات هشة غير قادرة على التكيف.
ويشدد على أهمية المساواة بين الولد والبنت فى المهام المنزلية (مثل ترتيب السرير أو غسل الأطباق)، لكسر الصورة النمطية التي تخدم الذكورة على حساب الرجولة الحقيقية.
ويضيف استشاري الصحة النفسية أنه من الحكمة منح الطفل خبرة الحرمان أحيانًا، ليتعود على العيش فى ظروف ناقصة، مما يحميه مستقبلًا من النزعات النرجسية أو حب التملك فى علاقاته، مؤكدًا أن الأب هو النموذج الأول للابن، فاحترام الأب لزوجته وعدم العنف معها يغرس فى الابن مفاهيم الرجولة السوية والاحتواء.
ويوضح د. هندي أن الزواج يقوم على المشاركة والتكامل، لا على الصراع والندية، مشيرًا إلى أن الدراسات تؤكد أن الندية هي السبب الأول للانفصال بنسبة تصل إلى 65% فى بعض الإحصائيات.
عدم النضج
ويؤكد استشاري الصحة النفسية أن أسباب نشوء الندية بين الزوجين ترجع إلى عدم النضج، والخلط بين مفهوم «الذكورة» (الصفة البيولوجية) و»الرجولة» (المكتسبات الإنسانية كالإيثار والعطاء)، والخلط لدى المرأة بين «إثبات الذات» والندية الهدامة، وفيها يحاول الطرف الذي يعاني من مركبات نقص تعويض ذلك من خلال الشجار وفرض السيطرة »رأس برأس»، مبينًا أن محاولة كل طرف إثبات سطوته منذ البداية، خلال السنة الأولى من الزواج، هو ما يولد فجوة تتسع مع الوقت، بالإضافة إلى التربية الخاطئة والمحاكاة.
ويقدم د. هندي مجموعة من القواعد الذهبية للحفاظ على استقرار البيت، بداية من فلسفة «نحن» لا «أنا وأنت»، بمعنى الانتقال من التفكير الأناني إلى التفكير فى مصلحة الكيان الأسري الموحد، فضلًا عن التسريح بإحسان، حتى فى حالة الفشل فى الاستمرار، يجب أن يكون الانفصال راقيًا ويراعي الأبناء والحقوق، بعيدًا عن المحاكم والقضايا الكيدية، وصولًا إلى التنازل الحميد، والمقصود به التنازل الذي يؤدي إلى التكامل لا إلى كسر النفس، ويمتص غضب الطرف الآخر ويمنع الانفجار.
من جانبها تؤكد د. إلهام شاهين، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشئون الواعظات، أن معايير اختيار شريك الحياة فى الإسلام واضحة وجلية، إلا أن المجتمع بات يُغلب المعايير المادية والجمالية على الجوهر، مما تسبب فى خلل واضح فى بنية الأسرة المصرية وزيادة حالات الطلاق، مبينة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع دستورًا للاختيار حين قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، مشيرة إلى أن النبي لم يفصل بين الدين وبين الخلق.
وتؤكد شاهين أن التدين الحقيقي ليس مجرد مظهر أو عبادات شكلية، بل هو الضابط الذي يجعل الرجل يكرم زوجته إن أحبها، ولا يهينها أو يؤذيها إن كرهها، منتقدة فى ذات الوقت تحول معايير الاختيار لدى الشباب والأهل إلى البحث عن »المظهر، السيارة، والشقة» فقط، مؤكدة أن هذه الماديات لا تقيم حياة زوجية مستقرة إذا غابت المسئولية والأخلاق.
سوء الأختيار
وعن تحليلها لمفهوم الزواج كـ «قسمة ونصيب»، تشير د. إلهام إلى أن الزواج قدر، لكن للإنسان فيه «كسب واختيار»، مؤكدة أن ادعاء «القدر» بعد فشل الزواج نتيجة سوء الاختيار هو نوع من التواكل، لأن الإسلام أمرنا بالبحث والسؤال والاستخارة.
وشددت على أن دور الأهل يجب أن يقتصر على «النصيحة والمشورة» الصادقة دون فرض الرأي، مستشهدة بنماذج من عهد الصحابة، حيث كانت الفتيات يذهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاستشارته فيمن يتقدم لخطبتهن.
وتوجه د. إلهام رسالة مهمة للمجتمع بضرورة توخي الأمانة عند السؤال عن الخاطب، معتبرة أن كتمان العيوب الجوهرية أو التزييف فى أخلاق الشخص هو خيانة للأمانة، قائلة: »من لا يريد قول السوء فى شخص، فليعتذر عن الشهادة بقول (اسأل غيري)، لكن لا يجوز غش الناس فى مصائرهم».
وتعرب د. إلهام عن أسفها لتسرب مفاهيم مادية مغلوطة حتى للأطفال، حيث يتربى الطفل على أن الزواج »عبء مادي» أو »استغلال»، داعية إلى ضرورة زرع قيم المودة والرحمة وتحمل المسؤولية فى نفوس الأبناء منذ الصغر، وضرورة استقلال الرجل ماديًا وتجهيز نفسه ليكون مؤهلًا لبناء بيت وأسرة تحترم حقوق المرأة كما أمر الشرع.
صلاح المعوج
ويقول الشيخ محمد زغلول، أمين الفتوى بدار الإفتاء، إن الإسلام، من منطلق الحفاظ على الأسرة، لم يجعل انتهاء الحياة الزوجية قائمًا على طلقة واحدة أو طلقتين؛ لئلا تنتهي الحياة الزوجية بسهولة، ولاحتمال صلاح حال المعوج منهما معًا أو من أحدهما بعد الطلقة الأولى أو الثانية؛ لذلك كان انتهاء الحياة الزوجية بثلاث طلقات، فمن طلّق زوجته طلقتين يجوز له أن يراجعها بالشروط المعتبرة فى الرجعة، على أن تبقى له طلقة ثالثة، وتكون هي الأخيرة، وهذا هو المراد من قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا...﴾، مبينًا أن سبب نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية لم يكن لطلاقهم حدٌّ، فكان الرجل يطلق زوجته ثم يراجعها قبل انتهاء عدتها، ثم يفعل ذلك المرة بعد المرة بقصد مضارّة المرأة.
الألفاظ الصريحة
ويضيف د. إبراهيم عبد الرحيم، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون جامعة القاهرة، أن جمهور الفقهاء قد اتفقوا على أن طلاق الهازل يقع، واستندوا فى ذلك إلى الحديث النبوي الشريف: »ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وهزلُهنَّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرجعة»، ومعنى ذلك أن الشخص إذا نطق بلفظ الطلاق الصريح، وهو عاقل ومختار (غير مكره)، فإن طلاقه يُعتبر شرعًا، حتى لو ادعى أنه لم يقصد حقيقة الفراق، وإنما كان يمزح، لأن هذه العقود لها قدسية خاصة، ولا يجوز التلاعب بها.
ويوضح د. إبراهيم أنه لكي يُعتبر هذا الكلام طلاقًا، يجب توافر شروط معينة، مثل استخدام الألفاظ الصريحة، كقول »أنتِ طالق» أو »طلقتك»، فهذه الألفاظ لا تحتاج إلى نية عند جمهور الفقهاء، فضلًا عن توافر العقل والإدراك، بأن يكون المتحدث واعيًا لما يقول، وليس فى حالة غضب شديد يفقده السيطرة على الإدراك، أو تحت تأثير تخدير أو زوال عقل، إلى جانب توافر القصد، أي أنه قصد نطق الكلمة بلسانه، حتى وإن لم يقصد النتيجة (الفراق).
ويوضح د. إبراهيم أن الطلاق تترتب عليه حقوق شرعية وأسرية كبيرة، لذا فلا ينبغي الاعتماد على الفتاوى العامة فى القضايا الشخصية، وإنما يجب التوجه إلى دار الإفتاء الرسمية أو القضاء الشرعي لسماع تفاصيل اللفظ والسياق من الزوج مباشرة، والحصول على حكم شرعي دقيق وموثق.



