نرجو منكم بيان مدى اعتبار عادات الناس وأعرافهم من ضمن الأدلة الشرعية. وما هي الشروط الواجب توافرها لذلك؟ فإن بعض الناس يزعمون أن الدليل إنما هو منحصر في الكتاب والسنة؛ فنرجو منكم البيان.
بيان مفهوم العادة لغة واصطلاحًا
العادة لغة: الدَّيْدَنُ يُعادُ إِليه، مَعْرُوفَةٌ وَجَمْعُهَا عادٌ وعاداتٌ وعِيدٌ.
وقد تطلق كلمة الدين ويراد بها العادة وكأن الجامع بينهما ملازمة الإنسان لكليهما ورجوعه إليهما في تصرفاته وأفعاله؛ قال العلامة ابن منظور : [والدِّينُ: الْعَادَةُ والشأْن، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا زالَ ذَلِكَ دِيني ودَيْدَني أَي عَادَتِي] اهـ.
والشيء المعتاد تألفه النفس؛ لأن صاحبه يعاوده أي يرجع إليه مرة بعد مرة، يقال: وتَعَوَّدَ الشَّيْء وعاودَهُ مُعاوَدَةً وعِوَادًا واعْتادَه واسْتَعادَه وأعادَه، أنْشد ابْن الْأَعرَابِي: تَعَوَّدْ صالحَ الأخْلاقِ إِنِّي * رأيتُ المرءَ يأْلَفُ مَا استعاد. ا
والعادة اصطلاحًا ترادف العرف، وهي: الأمر الذي يتقرر بالنفوس ويكون مقبولًا عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة، على أن لفظة العادة يفهم منها تكرر الشيء ومعاودته بخلاف الأمر الجاري صدفة مرة أو مرتين، ولم يعتده الناس، فلا يُعدُّ عادة ولا يُبنى عليه حكم، والعرف بمعنى العادة أيضًا. انظر: "درر الحكام حجية العُرف في إثبات الأحكام الشرعية
الله تعالى يقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]؛ قال ابن النجار الفتوحي [(و) من أدلة الفقه أيضًا (تحكيم العادة) وهو معنى قول الفقهاء: إن "العادة محكمة"، أي معمول بها شرعًا؛ لحديثٍ يُرْوَى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، موقوفًا عليه وهو: «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ»، ولقول ابن عطية في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: إن معنى العرف: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة، قال ابن ظفر في "الينبوع": العرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه. وكل ما تكرر من لفظ "المعروف" في القرآن نحو قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، فالمراد به ما يتعارفه الناس في ذلك الوقت من مثل ذلك الأمر.. فابتنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لهند رضي الله عنها «خُذِي وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ».
مدى اعتبار عادات الناس وأعرافهم من ضمن الأدلة الشرعية وشروط ذلك
يذكر الإمام السيوطي أهمية الرجوع إلى العرف والعادة في معرفة الأحكام الشرعية المناسبة للواقع: فيقول منبهًا على كثير من الفروع الفقهية التي تبنى على ذلك: [اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعد كثرة؛ فمن ذلك: سن الحيض، والبلوغ، والإنزال، وأقل الحيض، والنفاس، والطهر وغالبها وأكثرها، وضابط القلة والكثرة في الضبة، والأفعال المنافية للصلاة، والنجاسات المعفو عن قليلها، وطول الزمان وقصره في موالاة الوضوء في وجه والبناء على الصلاة في الجمع، والخطبة، والجمعة، وبين الإيجاب والقبول، والسلام ورده، والتأخير المانع من الردِّ بالعيب



