حققت كلية الدراسات الإسلامية للبنين بجامعة الأزهر بالقاهرة خلال السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة، فمنذ بداية إنشائها عام ١٩٦٥ وهي تحرص كل الحرص علي مواكبة مستجدات الواقع من خلال الاعتناء بطلابها والمناهج التي تدرس، وإعداد خريج يمتلك أدوات تمكنه من الحصول علي فرصة عمل فى ظل التطور التقني الذي يشهده المجتمع.
اقرأ أيضا| في ذكرى تأسيس الجامع الأزهر..ملتقيات ودروس علمية و 1400 مقرأة طوال الشهر الكريم
تتميز الكلية عن نظيراتها بجامعة الأزهر بأن الدراسة فىها عامة وشاملة لتمثل الأزهر الشريف بتكامل مناهجه، حيث يدرس الطالب علوم الشريعة وأصول الدين واللغة العربية معا، وهو ما يحقق التكوين العلمي الموسوعي لخريج الأزهر.
كما تحرص علي السعي لمواكبة التطور العلمي والأخذ بسبل التميز والإبداع، فكانت فى طليعة الكليات التي حصلت على شهادة الاعتماد من الهيئة القومية لضمان الجودة والاعتماد.
د. رمضان محمد محمود حسان، عميد الكلية كانت له بصمة واضحة فى النهوض بها، وتطوير الأقسام والبرامج، وصولا إلي تنظيم المؤتمرات، وتوفىر أمهات الكتب والمراجع بأسعار تمكن الطلاب من الحصول عليها بالتعاون مع مؤسسات الدولة.
وإلى مزيد من التفاصيل فى الحوار التالي:
بداية حدثنا عن نشأة الكلية والمواد التي تدرس بها؟
•• أنشئت كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة في أول أمرها في رحاب الجامع الأزهر بالقرار رقم (٢٦) لسنة (١٩٦٥م) من السيد نائب رئيس الوزراء للأوقاف وشئون الأزهر، وكانت آنذاك قسمًا عاليًا للدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر على غرار ما كان يدرس في الجامع الأزهر بحيث يشمل كافة العلوم الإسلامية والعربية، ومقر الدراسة هو الجامع الأزهر، ثم بالقانون رقم (٧) لسنة (١٩٧٢م) تم تحويل القسم العالي إلى معهد مستقل للدراسات الإسلامية والعربية، وبقرار رئيس مجلس الوزراء رقم (٢ثص٩٩) لسنة (١٩٧٦م) بتفويض من رئيس الجمهورية تم تحويل المعهد إلى كلية الدراسات الإسلامية والعربية، وفي الثامن من يناير سنة (١٩٨٠م) وافق المجلس الأعلى للأزهر في جلسته السادسة والخمسين مادة (٢) على مشروع اللائحة الداخلية للكلية.
ما عدد الأقسام داخل الكلية وشعبها؟
•• هي قسم اللغة العربية، وصدر قرار إنشائه في الثاني والعشرين من فبراير سنة (١٩٨١م) بالقرار رقم (٤٦) من رئاسة مجلس الوزراء مادة (٢)، ونصه إنشاء وافتتاح دراسات عليا بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، وقسم أصول الدين، والشعب المدرجة بالقسم: العقيدة والفلسفة، والتفسير وعلوم القرآن، والحديث الشريف وعلومه، وقسم الشريعة الإسلامية، والشعب المدرجة به: أصول الفقه والفقه.
كلية مميزة
ما الذي يميز الكلية عن غيرها داخل جامعة الأزهر؟
•• امتازت كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة في مرحلة الإجازة العالية عن غيرها بأن الدراسة فيها عامة وشاملة لتمثل الأزهر الشريف بتكامل مناهجه؛ إذ تقوم الدراسة في الكلية في مرحلة الإجازة العالية على منهج الأزهر الشريف في بدء نشأته، حيث يدرس الطالب علوم الشريعة وأصول الدين واللغة العربية معًا، وهو ما يحقق التكوين العلمي الموسوعي لخريج الأزهر.
كيف تطورت العملية التعليمية داخل الكلية، وحصولها علي ضمان الجودة والاعتماد؟
•• منَّ الله تعالى على كلية الدراسات الإسلامية بنين بالقاهرة منذ نشأتها سنة (١٩٦٥م)، فاستطاعت بفضل الله تعالى أن تكون قبلة للدارسين والباحثين الجادين المتميزين، ودائمًا ما تسعى إلى مواكبة التطور العلمي والأخذ بسبل التميز والإبداع، وقد أنعم الله على كليتنا بأن كانت في طليعة الكليات العربية والشرعية التي حصلت على شهادة الاعتماد من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم عام ٢٠١٧، وتم تجديد الاعتماد مرة أخرى عام ٢٠٢٢، ونحن نستعد الآن للتجديد الثالث.. والجودة تساعدنا على تطوير العملية التعليمية، وتحسين البيئة الدراسية، وتأهيل أعضاء هيئة التدريس، وتوفير وسائل تعليم حديثة تليق بالطالب الأزهري.
ذوي الهمم
ما الدعم الذي يلاقيه الطلاب ذوي الهمم وأنواعه؟
•• الكلية تولي ذوي الاحتياجات الخاصة عنايتها، وتخصهم بمزيد من الرعاية، وتقدم لهم دعمًا ماليًا وعلميًا وصحيًا ونفسيًا سعيًا منها إلى دمجهم في المجتمع الطلابي والاستفادة من طاقاتهم ومواهبهم. ويتمثل الدعم المالي في المنح والمعونات والإعفاءات من بعض المصروفات، أما الدعم الأكاديمي والعلمي فيتمثل في توفير بعض الوسائل التعليمية الخاصة بهم كالمكتبة السمعية، كما أنهم يؤدون امتحاناتهم بطريقة الكمبيوتر السمعي في مركز إبصار بالكلية عن طريق أجهزة الحاسب الآلي المخصصة لهم، وهو مشروع ناجح أعدته جامعة الأزهر لخدمة أبنائها.
وفي حالة عدم وجود مرافق للطلاب وفق ضوابط المرافقة تقوم الكلية بتوفيره، مع إعفاء الطالب الكفيف من أداء امتحان مادة اللغة الإنجليزية تحريريًا والاكتفاء بامتحانه فيها شفهيًا، وحرصًا من الكلية على تسهيل حركة التنقل بها قامت بإنشاء مصعد كهربائي ومداخل ومخارج خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، أما الدعم الصحي فمن خلال الإدارة الطبية بالجامعة، والدعم النفسي من خلال إشراكهم في الأنشطة والمسابقات وتكريم الفائزين منهم.
كيف يتم الاعتناء بالمشاركة في المؤتمرات العلمية وتنظيمها؟
•• إيمانًا من الكلية بالدور الفعال للمؤتمرات العلمية في إثراء العملية البحثية وتبادل العلوم والأفكار، قامت بتنظيم ثلاثة مؤتمرات علمية دولية، الأول بعنوان: “تجديد الخطاب الديني بين دقة الفهم وتصحيح المفاهيم”، والذي انعقد عام ٢٠١٧م، والثاني بعنوان “العلوم الإسلامية ودورها في ترسيخ …”.
تبادل علمي
وماذا عن التعاون والتبادل العلمي بين الكلية والجامعات الأخرى؟
•• الكلية تدعم الأبحاث المشتركة بين أكثر من تخصص علميًا وماديًا ومعنويًا، مع توفير وسائل التشجيع لأعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة والطلاب على المشاركة في الأنشطة والمؤتمرات العلمية والبحثية بالداخل والخارج، كما شاركت الكلية في تنظيم مؤتمر دولي بعنوان «الشريعة والتحديثات المعاصرة» مع مركز الحكمة للبحوث والنشر بماليزيا عبر منصة «زووم».
هل هناك خطط مستقبلية لتطوير البرامج الدراسية؟
•• نعم، هناك توجه لتطبيق برنامجين جديدين بداية من العام المقبل؛ أحدهما للتعليم المنتظم والآخر للتعليم المفتوح، في إطار حرص الكلية على مواكبة التطورات الحديثة. ومن المقرر أن تتضمن هذه البرامج مواد مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، حتى يكون الدارس ملمًّا بكل ما هو جديد وقادرًا على التعامل مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على المنهج الأزهري الوسطي الأصيل.
ما الذي يميز البرنامجين الجديدين عن البرامج التقليدية؟
•• البرنامجان يقدمان رؤية تعليمية حديثة تجمع بين الدراسة الأكاديمية المتخصصة والتدريب على التقنيات الحديثة، إلى جانب إدخال مواد مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
الذكاء الاصطناعى
لماذا حرصتم على تدريس مواد الذكاء الاصطناعي بالكلية؟
•• لأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًّا من مختلف المجالات، ومن المهم أن يكون الطالب الأزهري على دراية بالتطورات الحديثة وقادرًا على توظيف التكنولوجيا بصورة واعية تخدم المجتمع.
هل يقتصر التطوير على الجانب التكنولوجي فقط؟
•• بالطبع لا، فالتطوير يشمل تحديث المناهج، وتحسين البيئة التعليمية، وتأهيل الطلاب علميًّا وفكريًّا، إلى جانب تنمية مهاراتهم في استخدام التكنولوجيا الحديثة.
كيف تسهم هذه البرامج في إعداد الطالب لسوق العمل؟
•• من خلال تزويد الطالب بمهارات جديدة تجمع بين المعرفة الشرعية والتعامل مع الأدوات الرقمية الحديثة، بما يمنحه فرصًا أوسع وقدرة أكبر على المنافسة.
هل تمثل هذه البرامج نقلة جديدة في التعليم الأزهري؟
•• بالتأكيد، فهي تعكس حرص الأزهر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتقديم تعليم يواكب التطورات العالمية مع الحفاظ على الهوية والثوابت الأزهرية.
ما الرسالة التي تسعى الكلية إلى تحقيقها من خلال هذه البرامج؟
•• الرسالة هي إعداد جيل واعٍ يمتلك العلم الشرعي الرصين، وفي الوقت نفسه قادر على فهم لغة العصر والتعامل مع أدواته الحديثة بصورة إيجابية وفعالة.
من وجهة نظركم ما الحاجه إلي تطبيق فقه الواقع؟
•• الأمة في حاجة ماسة إلى فهم نصوص الشرع الحنيف ومقاصده، فهو طريق مهم من طرق النهوض بالأمة، وكان هذا دأب سلفنا الصالح؛ لأن الفهم الصحيح للنصوص بما يوافق الواقع المعاصر مع الحفاظ على ثوابت الدين ضرورة لأجل التقدم والتنمية وتحقيق رسالة الإسلام.
بعد انتشار ظاهرة فوضي الفتاوي بشكل لافت داخل المجتمع، كيف يمكن السيطرة عليها؟
• • للأسف الشديد أصبحنا نرى غير المتخصصين يتصدرون للفتوى، فتجد الصيدلي والطبيب وخريج كلية التجارة وغيرهم يتحدثون في أمور الدين والفتوى دون امتلاك أدوات العلم الشرعي أو التأهيل العلمي الصحيح، وهذا أمر خطير للغاية؛ لأن الفتوى تحتاج إلى علم وضوابط وفهم دقيق للنصوص الشرعية والواقع معًا.
ونحن نؤكد دائمًا أن من أراد الفتوى أو الاستفتاء فعليه الرجوع إلى الجهات المعتمدة والمتخصصة، مثل الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، ومجمع البحوث الإسلامية، ولجان الفتوى بالأوقاف والأزهر، فهذه المؤسسات تضم علماء مؤهلين يمتلكون أدوات الاجتهاد والقدرة على بيان الحكم الشرعي الصحيح.
هل يوجد قانون يواجه هذه الفوضى ويجرم مرتكبها؟
•• نعم، القانون يجرّم ممارسة الفتوى من غير المتخصصين أو غير المعتمدين، كما يجرّم انتحال الصفة الدينية وارتداء الزي الأزهري دون وجه حق، لكن رغم ذلك نجد بعض من يدّعون العلم يضلّون الناس بفتاوى متشددة أو غير منضبطة، وهؤلاء يسيئون إلى الدين وإلى صورة الإسلام السمحة.
فوضى الفتاوى
ما نصيحتكم لمن يحصلون على الفتوى من مواقع التواصل والذكاء الاصطناعي؟
•• هذه من أخطر القضايا في العصر الحالي، فهناك من يدخل على مواقع أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي ويأخذ منها فتوى دون الرجوع إلى عالم متخصص، وهناك من يسأل شخصًا قرأ كتابين في الفقه أو أطلق لحيته فيظنه عالمًا، لذلك نحذر الناس من أخذ الفتوى من غير أهلها؛ لأن الله تعالى قال: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».
بماذا تردون علي من يتشددون في فتوي الحج؟
•• للأسف نجد بعض المتشددين يفتون الناس بالعسر لا باليسر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ييسر على الناس، ففي الحج ما سُئل عن شيء قُدّم أو أُخّر إلا قال: «افعل ولا حرج».
فمثلًا بعضهم يشدد في المبيت بمنى أو في توقيت رمي الجمرات، رغم أن هناك آراء فقهية معتبرة تيسر على الناس خاصة مع الزحام الشديد في هذا العصر، ونحن نريد أن نفتي الناس بالميسور؛ فالدين الإسلامي دين رحمة وسهولة، ولا يجوز أن نحمل الناس فوق طاقتهم.
ما الضوابط الأساسية للفتوى الصحيحة؟
•• أولًا: العلم الشرعي المتخصص.
ثانيًا: مراعاة التيسير وعدم تحميل الناس المشقة.
ثالثًا: احترام الخلاف الفقهي وعدم تبديع أو تفسيق المخالف طالما أن رأيه يستند إلى دليل معتبر.
فالإمام الشافعي رحمه الله قال: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، لذلك لا ينبغي التعصب لرأي واحد أو اعتبار الفتوى مقدسة، فالفتوى اجتهاد بشري يرتبط بالزمان والمكان والواقع.
من وجهة نظركم ما المطلوب للوصول لخطاب ديني سليم؟
•• تجديد الخطاب الديني لا يعني تغيير الثوابت أو المساس بالعقيدة والعبادات والأخلاق، فهذه أمور ثابتة لا تقبل التغيير، والتجديد المقصود هو تجديد الفهم، وتصحيح المفاهيم، وقراءة النصوص قراءة مقاصدية تراعي الواقع ومتغيرات العصر.
فنحن بحاجة إلى فهم صحيح للدين يحقق مقاصد الشريعة في الرحمة والتيسير وحفظ النفس والكرامة الإنسانية بعيدًا عن الجمود أو الفهم الخاطئ للنصوص.
فهم المقاصد
وضح لنا معنى الفهم المقاصدي؟
•• النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك من أجل النظافة، فإذا تحقق المقصود بفرشاة الأسنان والمعجون فهذا يحقق السنة والمقصود الشرعي.
وكذلك في بعض النصوص التي يفهمها البعض بشكل حرفي بعيدًا عن مقصدها، مثل فهم الجهاد على أنه قتال فقط، بينما الإسلام دين سلام ورحمة، والقتال فيه للدفاع ورد العدوان وليس لإكراه الناس على الدين.
الإسلام كرّم الإنسان مطلقًا، قال تعالى: (ولقد كرّمنا بني آدم)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وقف لجنازة يهودي وقال: «أليست نفسًا؟»، وهذه هي حقيقة الإسلام.
ما دور الأزهر في مواجهة الفكر المتطرف وفوضى الفتاوى؟
•• الأزهر الشريف يقوم بدور كبير في إعداد الدعاة والخطباء وتأهيلهم علميًا وفكريًا، مع الاهتمام بالتدريب على مهارات الحوار والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وأساليب الإقناع المعاصرة.
وفي كلية الدراسات الإسلامية والعربية نحرص على إعداد الطالب إعدادًا موسوعيًا؛ فهو يدرس علوم الشريعة وأصول الدين واللغة العربية معًا، ولذلك يكون قادرًا على التعامل مع مختلف القضايا الفكرية والدعوية.
ما الرسالة التي توجهونها للجمهور؟
•• رسالتي للناس جميعًا: لا تأخذوا الفتوى إلا من أهل التخصص، كما نرجع للطبيب في الطب وللمهندس في الهندسة يجب أن نرجع للعالم المتخصص في الدين، ففوضى الفتاوى تسبب بلبلة وتشويهًا لصورة الإسلام، والدين لا يؤخذ من غير أهله.
كما أدعو إلى فهم الدين فهمًا صحيحًا قائمًا على الوسطية والرحمة والتيسير، فالإسلام دين بناء وتسامح وإنسانية، والأزهر الشريف سيظل دائمًا حصن الوسطية والاعتدال في مصر والعالم.



