نكهات من زمن لا يعود

لجين برهان
لجين برهان

بقلم: لجين برهان
ليست كل الخسارات تُرى بالعين. بعضها يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى نكتشف متأخرين أننا فقدنا شيئًا كان يُشكّل جزءًا من روحنا. هكذا تختفي الأكلات، لا بضجيج، بل بصمت. لا تُودَّع، ولا يُلتفت إليها وهي تغادر موائدنا، كأنها لم تكن يومًا شاهدًا على تاريخ طويل من البساطة والابتكار والارتباط العميق بالأرض.

اقرأ أيضا| حين وُلد الجمال:  الحسن والحسين

المطبخ المصري لم يكن يومًا مجرد مساحة للطهي، بل كان امتدادًا للهوية. في كل طبق قديم حكاية، وفي كل وصفة أثر حضارة. لكن هذا الإرث، الذي صمد قرونًا، بدأ يتآكل أمام سرعة العصر، حتى أصبحت بعض الأكلات على وشك أن تتحول من واقع حي إلى ذكرى بعيدة.
في قلب هذا التراث تقف "الشلولو"، أكلة لا تُشبه غيرها. ليست ساخنة، ولا معقّدة، ولا حتى مألوفة لمن لم يعرفها. تُحضَّر من الملوخية الجافة، والماء، والثوم، والليمون، وتُؤكل باردة، كأنها تنتمي لزمن آخر لا يعرف الاستعجال. يُقال إن جذورها فرعونية، لكنها اليوم تكاد تختفي، لأنها ببساطة لا تُجاري منطق العصر: لا تُقدَّم سريعًا، ولا تُسوَّق بسهولة، ولا تُفهم من النظرة الأولى.
أما البصارة، فكانت يومًا طعام الناس البسطاء، لكنها في حقيقتها كانت غنية بما يكفي لتُطعم الجسد والذاكرة معًا. خليط من الفول والخضرة والبصل المقلي، يحمل نكهة الأرض وروح البيوت القديمة. لم تختفِ لأنها غير لذيذة، بل لأنها تحتاج إلى من يُقدّرها، إلى من يرى في البطء قيمة لا عيبًا.
وتأتي الويكا، بقوامها الثقيل وطريقتها الخاصة، كدليل على أن الطهي لم يكن مجرد خلط مكونات، بل مهارة تُورَّث. كانت تُحضَّر بدقة، وتُطهى على نار هادئة، وتُؤكل كجزء من طقس يومي. لكنها اليوم تُختزل، أو تُستبدل، أو تُترك تمامًا، لأن الوقت لم يعد يتسع لما يحتاج صبرًا.
أما الخبيزة، فهي أكثر من مجرد نبات. كانت علاقة مباشرة بين الإنسان والأرض، تُقطف وتُطهى وتُؤكل في نفس اليوم دون وسيط. اختفاؤها لا يعني فقط غياب طبق، بل انقطاع صلة كاملة بين الإنسان وبيئته.
وفي الكشك، تتجلى عبقرية الإنسان البسيط الذي عرف كيف يحفظ الطعام، ويعيد تشكيله، ويمنحه حياة أطول. لم يكن مجرد أكلة، بل نظامًا كاملًا للتدبير. واليوم لم يعد هذا النظام ضروريًا، فاختفى معه الكشك، أو كاد.
وكذلك الفول النابت، الذي يجمع بين البساطة والفائدة، لكنه لم يجد مكانًا في عالم يُفضّل السريع على المفيد، والجاهز على الطبيعي.
السبب ليس واحدًا، بل هو تراكم صامت. تغيّرت الحياة، فأصبح الوقت سلعة نادرة. تغيّرت الأولويات، فأصبح الطعم وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون سريعًا، سهلًا، وقابلًا للتكرار بلا جهد. كما أن انقطاع الأجيال عن بعضها، وعدم انتقال الخبرة كما كان يحدث قديمًا، جعل هذه الأكلات تفقد حامليها الحقيقيين.
هناك أيضًا فكرة أعمق: لم نعد نرى في هذه الأكلات قيمة تستحق البقاء. وهذا هو الخطر الحقيقي، لأن ما لا نراه مهمًا نتركه يختفي دون مقاومة.
نحن لا نخسر وصفات، بل نخسر طريقة تفكير، ونمط حياة، وذاكرة جماعية. نخسر لحظات كانت تُبنى حول إعداد الطعام، وأصواتًا، وروائح، وتفاصيل لا يمكن استعادتها بسهولة.