الأضاحي المهاجرة .. لمصلحة من؟

صورة توضيحية
صورة توضيحية

الأضحية من شعائر الإسلام العظيمة، التي نتذكر من خلالها معاني الإيثار، وشكر الله تعالى على نعمائه، والتوسعة على الأهل والأولاد، وإدخال السرور على الأصدقاء والفقراء، وكذلك طاعة أبينا إبراهيم عليه السلام لربه سبحانه وتعالى، فالأضحية استجابة لأمر الله تعالى، فينبغي للمسلم أن يهتم بأمر الأضحية، ويعظم شأنها، ويجتهد فى المحافظة عليها، لقوله تعالى: «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوي القلوب»، وذبح الأضحية يوم النحر أو عيد الأضحى سنة مؤكدة فى حق القادر المستطيع.
ومع قرب حلول عيد الأضحي المبارك تتزايد الدعوات التي تطلقها المؤسسات والجمعيات الخيرية للتبرع إلي حسابها لتوكيلها فى ذبح الأضحية فى عدد من البلدان الإسلامية، لرخص الأضحية فى تلك البلاد عن مصر، ويتساءل الكثيرون عن مدي مشروعية ذلك، وهل من يقدم علي التبرع لتلك الجهات، يكون بذلك قد أصاب الأضحية، وحقق مقاصد الشريعة الإسلامية،  كل ذلك وأكثر نتعرف عليه فى السطور التالية:

فى البداية، يؤكد د. عبدالفتاح بهيج العواري، عميد كلية الشريعة والقانون بأسيوط، أن ذبح الأضاحي أو نحرها فى يوم عيد الأضحى، شعيرة إسلامية تضافرت الأدلة على شرعيتها بقول الحق سبحانه: (فصل لربك وانحر)، وفى الحديث عن أبي هريرة: “أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ضحى بكبشين سمينين، عظيمين أملحين، أقرنين، موجوأين (مخصيين) وأضجع أحدهما، وقال: باسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وآل محمد، ثم أضجع الآخر وقال: باسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وأمته ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ.

اقرأ أيضا| وكيل أوقاف سوهاج يناقش التوسع في "صك الأضاحى "

وبين أن  رسول الله صلي الله عليه وسلم قد رغب فى الأضحية فروت عنه عائشة أنه قال: «ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا.
وبين أنه يستحب للمضحي أن يتولي ذبح أضحيته بنفسه إن كان يحسن الذبح، لأن الذبح عبادة وقربة إلى الله تعالى، لذلك من المستحب أن يضحي المسلم فى بلده.
قال فى الإقناع: وإن ذبحها بيده كان أفضل بلا نزاع، وفى ذلك اقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم، الذي نحر بيده ثلاثا وستين بدنة من هديه، وذبح أضحيته بنفسه.
وقد أجمع العلماء على أن ذبح المضحي أو المهدي، أضحيته أو هديه أنه: مستحب، وليس بواجب.
بلد المضحى
يقول د. رمضان محمد حسان، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، إن الأصل فى ذبح الأضاحي أن تكون ببلد المضحي كما جرت به السنة العملية، لقول الإمام النووي الشافعي فى «المجموع»: (الأفضل أن يضحي فى داره بمشهد أهله هكذا قاله أصحابنا)، مبينا أنه إذا ذبحها فى غير بلده ففى الإجزاء وجهان عند الشافعية، الأول: لا تجزئ، والثاني: تجزئ مع كونه خلاف الأَولى. 
ويدلل علي أولوية ذبح الأضاحي فى بلد المضحي بأنه يستحب للمضحي أن يذبح أضحيته بنفسه متى قدر عليه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ضحى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» متفق عليه. كما أنه يستحب للمضحي أن يشهد ذبح أضحيته متى عجز عن ذبحها بنفسه، لما ورد عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بكل قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين»، فقال عمران: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة، فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: «بل للمسلمين عامة» أخرجه الطبراني فى «المعجم الأوسط»، والحاكم فى «المستدرك»، والبيهقي فى «سننه» و»شعب الإيمان».
ويشير عميد الدراسات الإسلامية، إلي ما قرره الفقهاء من أن مباشرة القربى أولى من التولية فيها، قال الإمام الكاساني فى «بدائع الصنائع»: (الأفضل أن يذبح بنفسه إن قدر عليه؛ لأنه قربة فمباشرتها بنفسه أفضل من توليتها غيره كسائر القربات). كما قرر الفقهاء أن أهل كل بلد أولى بصدقتهم، والأضحية تشبه الصدقة، قال الإمام القاسم بن سلام فى «الأموال» (والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها أن أهل كل بلد من البلدان أو ماء من المياه أحق بصدقتهم، ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها، حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها، بذلك جاءت الأحاديث مفسرة).
ويؤكد د. رمضان، علي استحباب ذبح الأضحية فى بلد المضحي، لما فى ذلك من رعاية حق الجوار بإعطائهم من لحمها، إذ النصوص الشرعية متواترة فى الدلالة على عظم حق الجار واستحباب تعاهده بالخير، من ذلك: قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربي واليتامي والمساكين والجار ذي القربي والجار الجُنب والصاحب بالجُنب).
ومنها: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنّه سيورثه» أخرجه الشيخان.
وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» أخرجه البخاري. موضحا أن ذبح المضحي أضحيته فى بلده مشتملا على معنى إكرام الجار وتعاهده بالخير، فكان الخير فيه أعم والفضل فيه أتم.
ويعدد د. حسان فوائد ذبح الأضحية فى بلد المضحي لما فيها من صلة ذوي القربى بإهدائهم من ثلثها، إذ هي حينئذ مشتملة على فضل الأضحية وصلة الأرحام، كما دل على ذلك حديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان: صدقة وصلة» أخرجه ابن ماجه فى «سننه».
وتابع أنه يجدر التنبيه على أنه قد يُوكل المضحي بالذبح فى غير بلده لمصلحةٍ راجحة يُقرها الشرع الحنيف، كجودة اللحم أو رخص ثمنه أو وفرته وتُوزع على أهله فى بلده، كما يحدث فى كثير من المؤسسات التي تُوكل بالتضحية، ويُقصد بالبلد هنا الوطن الواحد.
مآخذ كثيرة
من جانبه يقول د. أسامة رسلان، المتحدث الإعلامي لوزارة الأوقاف، إن اتجاه البعض إلي ذبح الأضحية فى دول تكون التكلفة فيها أقل لقصور إمكاناته المادية عن مواكبة سعر الأضحية فى مصر، استجابة لنداء الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي ترغب الكثيرين فى ذلك لجمع التبرعات، مؤكدا أن هذا المسلك فيه مآخذ كثيرة بخلاف المآخذ الشرعية، منها مثلا أنها مدعاة للخداع والاحتيال، إذ لا سبيل للتحقق من صدق التضحية فى تلك البلاد البعيدة، ومنها أيضا أنه تبين بالتجربة وقوع عدد من المصريين فريسة لنصابين تحت دعاوى حفر بئر وتعليم يتيم وسقيا ماء وزراعة نخل ونحر أضحية، ومنها كذلك أن البلاد التي يتيسر فيها التضحية فى العيد بأسعار مخفضة إنما هي دلالة على عدم احتياج أناس تلك الدول للأضحية أصلا، فلا تنافى بين يسر الحصول على اللحم وكون البلدان موضع الأضحية المقترحة بلدانا فقيرة، لأن المراعي الخصبة تتيح رعاية الماشية بتكاليف قليلة للغاية. 
ويضاف إلى المآخذ أن هذا المسلك يؤدي إلى خروج العملة الأجنبية من مصر بغير طائل ولا داع، فضلا عن احتمال وقوع تلك الأموال فى أيدي تنظيمات أو جماعات متطرفة أو إرهابية، فتكون الرغبة فى التقرب إلى الله سببا فى إراقة دم الأبرياء، لا دم الأضاحي.
ويضيف المتحدث الإعلامي لوزارة الأوقاف، أن الخلاصة، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وليس لنا أن نخلف مفهوم أولوية القريب نسبا وصهرا ومكانا بالمعروف، مؤكدا أن السعي فى مرضاة الله لا تكون بتحميل النفس فوق الطاقة، ولا بإرهاق خزانة الدولة بإخراج العملة الأجنبية، ولا بتمكين الضالين من خداعنا بسبب عاطفة دينية محمودة والحرج عنا بسببها مرفوع.
ويشير إلي أنه من المؤكد أن صكوك وزارة الأوقاف للأضاحي قد أتاحت السبيل الميسر لمن أراد التضحية عبر التقسيط على ٦ أشهر، مع تحمل الوزارة تكاليف التقسيط عن المضحي نفسه، فليكن حسن التعقل سبيلنا نحو مرضاة الله، وتحقيق السنة، وتلبية احتياجات المستحقين فى الداخل.
باب للمخاطر
بدوره يؤكد د. هشام ربيع، أمين الافتاء بدار الافتاء المصرية، إن الاستجابة للدعوات التي تظهر كل عام مع قرب عيد الأضحي،  لتوكيل جهات تذبح عنه فى بلاد أخرى بأسعار زهيدة، يُفرغ هذه العبادة العظيمة من مقاصدها الشرعية والاجتماعية، ويفتح أبوابا للمخاطر رغم صدق نية المتبرع.
ويشير إلي أن الأصل فى الأضحية أنها سُنّة مُؤكدة مرتبطة بالقدرة فى مكان إقامة المضحي، فإذا عجز المسلم عن ثمنها فى بلده يسقط عنه التكليف، ولا يلزمه البحث عن حلول بديلة فى الخارج، فالله لا يُكلف نفسا إلا وسعها، مؤكدا أن تحويل الأضحية من شعيرة تُمارس فى بيتك وبين أهلك وجيرانك، إلى مجرد «ذبيحة رخيصة» فى بلد بعيد يفقدها معناها كقُربة تدخل الفرحة على أسرتك، وتوسع على جيرانك، وتطعم فقراء محيطك الذين يعرفونك وتعرفهم.
ويردف أن الأخطر من ذلك أن هذه الأموال التي تُرسل دون رقابة واضحة قد تقع فى أيدي جهات غير موثوقة، أو جماعات ذات توجهات غير وسطية تستغل هذه الأموال لخدمة أجندات بعيدة عن مقاصد الشريعة، فبدلا من أن تكون قُربة إلى الله قد تصبح دون علمك دعما لما يضر بالدين والوطن.
ويشدد علي أن أضحيتك مكانها بلدك، فإن قدرت عليها فهذا فضل عظيم، وإن عجزت فقد عذرك الله، أما إرسال الأموال للخارج بهذا الشكل فهو تصرف لا يُحقق مقصود الشعيرة وأيضا فهو محفوف بالمخاطر.
سنة مؤكدة
ويضيف د. مختار مرزوق، عميد أصول الدين الأسبق بجامعة الأزهر، أن الأضحية سنة مؤكدة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وهي مشروعة بالكتاب والسنة القولية والفعلية والإجماع، ويستدل علي مشروعيتها فى القرآن الكريم لقوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر)، مبينا أنه فى السنة المحمدية ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بل ويتولى ذبح أضحيته بنفسه لقول أنس بن مالك، رضي الله عنه: «ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما»، متفق عليه.
مباشرة الأضحية
ويوضح د. مرزوق، أن المقصود من الأضحية التقرب إلى الله بذبح، وهو عبادة لا يمكن أبدا أن تتم إذا أرسل المسلم الأموال إلى بلد آخر وذبحت الأضحية هناك، مؤكدا أنه من الأفضل أن يباشر المضحي ذبح الأضحية بنفسه، ليشهد أضحيته، وليتمكن من الأكل منها، ولكنه لا يقتضي بطلان التوكيل فيها.
وتابع أن الشيخ محمد بن صالح العثيمين قال: «إذا أخرجت الأضحية دراهم ليضحى عنك فى بلاد أخرى فقد خالفت أمر الله، لأن الله تعالى قال: فكلوا منها وأَطعموا البائس الفقير».
وينوه إلي أن كثير من العلماء قد اتفقوا علي أن الأكل من الأضحية واجب يأثم الإنسان بتركه، وبهذا نعرف أن الدعوة إلى التبرع ليضحي فى خارج البلاد دعوة غير سليمة، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يسهم فى ذلك»، مشددا على ضرورة «أن يضحي الإنسان فى بيته وعند أهله، وتظهر شعائر الإسلام فى البلاد. ومن أراد أن ينفع إخوانه فى أماكن محتاجة فلينفعهم بالصدقات والثياب وغير ذلك».
ويؤكد عميد أصول الدين الأسبق، أن ما أحدثه بعض الناس من دفع ثمن الأضحية للجمعيات الخيرية لتذبح خارج البلد بعيدا عن بيت المضحي، فهذا خلاف السنة، وهو تغيير للعبادة، فالواجب ترك هذا التصرف، وأن تذبح الأضاحي فى البيوت، وفى بلد المضحي كما دلت عليه السنة، وكما عليه عمل المسلمين من عهد الرسول حتى حصل هذا الإحداث، فإني أخشى أن يكون بدعة، وقد قال النبي: من أَحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
وتابع: «ومن أراد أن يتصدق على المحتاجين فباب الصدقة مفتوح، ولا تغير العبادة عن وجهها الشرعي باسم الصدقة».
ويوضح أن ما سبق ذكره يختلف كثيرا عن حكم من يعيش خارج بلده ويرسل أموالا وينوب آخرين عنه لشراء وذبح الأضحية وتوزيعها على أقاربه وجيرانه، مؤكدا إذا كان الإنسان فى بلد وأهله فى بلد آخر فلا حرج عليه أن يوكل من يضحي عنه عند أهله حتى يسر أهله بالأضحية ويتمتعوا بها؛ لأنه لو ضحى فى بلد الغربة فمن الذي يأكل الأضحية؟ وربما لا يجد أحدا يتصدق عليه، فلذلك نرى أن من له أهل فليبعث بقيمة الأضحية إلى أهله ويضحوا هناك».
وعن إخراج قيمة الأضحية صدقة، يؤكد د. مرزوق أنه لا يجوز إخراج قيمة الأضحية أو جزء منها نقدا للفقراء، إذ الأصل فى مشروعية كل من الأضحية والهدي والعقيقة، إراقة الدم، لقوله تعالي: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوي منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله علي ما هداكم وبشر المحسنين. مشيرا أن ذلك يؤكد أن من أخرج قيمة الأضحية أو جزءا من ثمنها نقدا إلى الفقراء، كانت صدقة من الصدقات، وعليه فلا تعتبر أضحية ولا يعتبر من فعل ذلك مضحيا».

 

 

ترشيحاتنا