التسوق الإلكترونى.. فرص مشروعة أم بوابة للنصب؟

التسوق الإلكترونى
التسوق الإلكترونى

لم تعد «الأسواق» شوارع مكتظة وباعة ينادون على بضائعهم، بل تحولت إلى نبضات إلكترونية تسكن جيوبنا؛ فقد أصبح الهاتف المحمول الذي تحمله فى يدك بوابة لمراكز تسوق عابرة للقارات، لكنها بلا جدران تحميك أو أبواب يمكنك طرقها عند التعرض للغش. لقد اختفت رحلات التجوال الشاقة بين المحال، وحلَّ محلها عالم افتراضي يطاردنا بإعلاناته كمطاردة الصياد للفريسة.
 وبينما يغرق البعض فى رفاهية «التسوق من المنزل»، يجد آخرون أنفسهم فى مواجهة «ثقوب سوداء» تبتلع أموالهم وبياناتهم السرية. فكيف تحول «زر الشراء» من وسيلة للراحة إلى «فخ» للنصب المنظم؟ وكيف نتحول من «فراسة الاستهلاك» إلى «أمان الاستثمار الرقمي»؟ وما الحدود الفاصلة بين التجارة المشروعة وشبكات النصب المنظم؟ وكيف رسم المشرع ورجال الدين خارطة الطريق للنجاة من فوضى الأسواق الافتراضية؟.
يرى د. أشرف الحسيني، الأستاذ المساعد بهندسة الإلكترونيات بجامعة عين شمس، أن معركة التسوق الآمن تبدأ من «المعرفة الكاملة» لدى المستهلك، مؤكدًا أن الثقة لا تأتي من فراغ بل من «تشريعات» تحمي الشبكة من الاختراق.

ويشير الحسيني إلى أن حجر الزاوية في نجاح هذا النظام هو «المحتوى» وتأسيس مراكز البيانات العملاقة، وهو ما يجذب الاستثمارات الكبرى، لكنه يضع عبئًا موازيًا على وزارة الاتصالات لتوفير «بنية تحتية» صلبة تمنع تعطل «السيستم» في اللحظات الحرجة، ويحذر الحسيني من أن «سحر الصور» قد يكون خادعًا، حيث تظهر المنتجات بأبهى حلة، بينما الواقع قد يكون صادمًا، ناهيك عن ضياع الوقت في الملاحقة الافتراضية، ناصحاً بضرورة التأكد من موثوقية المواقع واعتماد مبدأ «الدفع عند الاستلام» كدرع حماية أولي.

اقرأ ايضا| مجلس الوزراء: ​تفويض حكومي لإبرام اتفاقيات تكنولوجية مع شركات عالمية

حق الاسترجاع
على الجانب الآخر، ينتقل بنا عبد الحي محمد عبد المجيد، الخبير القانوني والمحامي بالنقض، إلى المظلة التشريعية التي تحمي المواطن، موضحاً أن القانون رقم 151 لسنة 2020 وضع النقاط على الحروف بإلزام المورد بالإفصاح عن هويته وبياناته كاملة قبل التعاقد.
ويؤكد عبد المجيد أن القانون المصري منح المستهلك «حق الرد» خلال 14 يومًا، وتصل إلى 30 يومًا في حال وجود عيوب، وقانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004 يساوي بين التوقيعات الإلكترونية والتقليدية لضمان أمن المعاملات.
 ويحذر الخبير القانوني من «فخ المعلومات الزائدة»، مشدداً على ضرورة عدم الإفصاح عن أي بيانات غير ضرورية لعملية الشراء، مع ضرورة تسجيل الخروج فور الانتهاء، خاصة عند استخدام شبكات Wi-Fi» «عامة، مشيراً إلى أن العقوبات في القانون المصري للممارسات المضللة قد تصل إلى غرامة 2 مليون جنيه، ويجب على المتاجر الإلكترونية تسجيل بياناتها لدى مصلحة الضرائب والالتزام بالضوابط الضريبية، وكذلك يجب على المستهلك الشراء من أماكن معلومة، والاحتفاظ بفاتورة إلكترونية، وفحص المنتج جيدًا.
وشدد على ضرورة بناء منظومة حماية قانونية متكاملة، عبر تأهيل كوادر من المحامين المتخصصين في قضايا الاحتيال الرقمي، ليكونوا حائط صد للمستهلكين والشركات على حد سواء في مواجهة ثغرات الفضاء الإلكتروني، مؤكدا أن تفعيل قانون «التوقيع الإلكتروني» وتعميمه على كافة القطاعات الاقتصادية والخدمية، يعد الركيزة الأساسية لتهيئة بيئة آمنة تضمن التوسع في حجم التجارة الرقمية، بما تشمله من تدفقات للسلع والخدمات والمعلومات، وتحويلها من نشاط عشوائي إلى قطاع استثماري منضبط.
ضوابط شرعية
وفيما يخص الجانب الروحاني والضوابط الشرعية، يحسم د. علي أحمد رأفت، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، الجدل الدائر حول صور التسويق الحديثة، ويوضح أن الشرع أباح التجارة القائمة على التراضي فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، والخالية من «الغرر» (الجهالة والتدليس) وألا يشتمل محل العقد على محرَّم، تحقيقًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
 ويفرق «رأفت» بين صورتين: الأولى هي «الوكالة بأجر» وهي جائزة شرعاً كونها بيعاً مشروعاً بمكافآت معلومة، عملًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (رواه الترمذي).
 أما الثانية فهي «التسويق الشبكي أو الهرمي»، وهنا تكمن الخطورة؛ حيث يرى الأزهر عدم جوازها لما فيها من غرر بيّن وافتقار للضمانات القانونية، حيث يصبح «المنتج» مجرد ستار لعملية مخاطرة مالية واسعة النطاق، تعتمد في جوهرها على جذب الضحايا في قاعدة الهرم لصالح القمة، وهو ما يخالف مقاصد الشريعة في حفظ الحقوق.  
وفي السياق الشرعي ذاته، يشدد الشيخ محمد جابر كامل، من علماء الأزهر، على أن استخدام الصور المضللة أو الوصف الكاذب للمنتج يدخل في باب «الكبائر» وأكل أموال الناس بالباطل، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا».
ويؤكد الشيخ محمد جابر أن مسئولية التاجر الأخلاقية تسبق التزامه القانوني، بدءاً من الشفافية في العرض وصولاً إلى حماية خصوصية بيانات العميل، معتبراً أن أي تلاعب في التقييمات أو تزييف الجودة هو خيانة للأمانة تمحق بركة الرزق.
وألمح  إلي أن نجاح التاجر الإلكتروني يقوم على الثقة والوضوح، ويجب توثيق هذه الالتزامات ضمن الشروط والأحكام؛ لضمان حقوق جميع الأطراف وتعزيز مصداقية التعامل.
وفيما يخص حق المشتري في إرجاع المنتج، أوضح الشيخ محمد جابر أنه يحق للمشتري شرعًا وقانونًا إرجاع المنتج إذا تبيّن أنه مخالف للوصف أو به عيب، ويُعرف ذلك بخيار العيب أو خيار تخلّف الصفة.
وبيّن أن شروط الإرجاع تشمل أن يكون العيب أو المخالفة ثابتة، والمبادرة بطلب الإرجاع دون تأخير، وعدم استخدام المنتج بعد اكتشاف العيب، مؤكدا أن للمشتري حقًا كاملًا في رد السلعة واسترجاع ثمنها إذا خالفت المواصفات، حفاظًا على العدل ومنعًا للغش، إلا إذا كان المنتج مطابقًا لما تم عرضه بدقة.
تجارة الوهم
وفي تحليل أعمق لظاهرة «التسويق الشبكي» التي باتت تجذب آلاف الشباب، يرى الباحث أيمن الأزهري أننا أمام نظام يغلف نفسه ببريق الأرباح السريعة، بينما يخفي في طياته مخاطر اقتصادية واجتماعية لا تنتهي. ويوضح الأزهري أن جوهر هذا النظام يقوم على فكرة «توسيع القاعدة»؛ حيث يشتري المشترك منتجاً قد لا يحتاجه، فقط ليضمن حق الدخول في الشبكة وطمعاً في عمولات وهمية، مما يحول العملية من «تجارة سلع» إلى «متاجرة بأحلام البشر».
ويحذر الأزهري من «الفخ الهرمي»، حيث تتراكم الأرباح الهائلة في قمة الهرم لصالح قلة محدودة، بينما تتساقط الغالبية العظمى في القاعدة دون عائد حقيقي.
 ويؤكد أن هذا النظام محكوم عليه بالانهيار الحتمي بمجرد توقف دخول مشاركين جدد، ليجد آلاف الشباب أنفسهم قد فقدوا مدخراتهم في مقابل «سراب» من الوعود الدعائية.
ويختتم الأزهري رؤيته بالتفرقة بين «السمسرة المشروعة» وبين هذا النظام المعاصر؛ موضحاً أن التحذيرات الصادرة من المؤسسات الدينية والاقتصادية حول العالم تنبع من كون العمولات في التسويق الشبكي أصبحت هي «السلعة الحقيقية»، وهو ما يفتح الباب أمام الربا والقمار وأكل أموال الناس بالباطل، مما يستوجب الحذر من الوقوع في فخ الوعود بالثراء الفاحش دون جهد حقيقي.
أدلة رقمية
من جانبه، أكد المستشار القانوني أحمد زيدان أن كفاية التشريعات لا تتوقف عند حدود النصوص، بل ترتبط بآليات «التفعيل» ومدى وعي المستهلك بحقوقه، ويرى زيدان أن التحدي الأكبر يكمن في ملاحقة «المنصات غير الرسمية» والصفحات الوهمية التي تعمل بلا سجلات تجارية، مما يجعل تتبعها وتفتيشها أمنيًا وقانونيًا معركة تحتاج إلى يقظة مستمرة من الأجهزة الرقابية.
ويفصل المستشار زيدان الحقوق التي كفلها القانون للمستهلك، مشددًا على أن المشتري يمتلك قوة قانونية تتيح له استرداد كامل القيمة المالية أو استبدال المنتج في حال عدم مطابقته للمواصفات المعلنة ويضيف أن الحماية القانونية تمتد للمطالبة بـ «التعويض الجابر للضرر» في حال تسبب الغش في خسائر مادية أو معنوية للمواطن، وهي حقوق لا تفرق فيها الدولة بين تجارة تقليدية وأخرى إلكترونية.
وحول «المقصلة القانونية» التي تنتظر المخالفين، يوضح زيدان أن العقوبات تتدرج لتصل إلى الحبس والغرامات المالية المشددة، خاصة في حالات النصب المنظم أو العودة لارتكاب المخالفة، مع إمكانية اتخاذ إجراءات احترازية فورية تشمل حجب المواقع وإغلاق الصفحات المخالفة بالتنسيق مع مباحث الإنترنت.
مؤكدا أن «قوة القانون» تكتمل بـ «وعي المواطن»، فالحفاظ على أدلة الشراء، من رسائل «واتساب» أو إيصالات تحويل وفواتير إلكترونية، هو السند القانوني الوحيد لاسترداد الحقوق.

 

 

ترشيحاتنا