زواج القاصرات

زواج القاصرات.. اغتيال براءة

صورة توضيحية
صورة توضيحية

يُعد الزواج المبكر واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه الدولة وتعرقل مسارات التنمية، فضلًا عن كونه انتهاكًا صارخًا للحقوق الإنسانية، ولا تقتصر تداعيات هذه المشكلة على المستوى الإنجابي ومعدلات النمو السكاني فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة، مما يكرّس حلقة مفرغة من ارتفاع الخصوبة والزيادة السكانية. وفى حين تضع أهداف التنمية المستدامة القضاء على الممارسات الضارة -وعلى رأسها الزواج المبكر والقسري- كأولوية قصوى، حذّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من تفاقم الظاهرة عالميًا لتصل إلى 15 مليون فتاة بحلول عام 2030، ومحليًا، تشير الإحصاءات إلى أن زواج القاصرات يمثل نحو 15% من إجمالي حالات الزواج في مصر، وهو ما دفع الحكومة لإقرار عقوبات رادعة تصل للحبس 7 سنوات، ومع ذلك لا يزال «التحايل» ثغرة ينفذ منها منتهكو براءة الطفولة.

بداية تؤصّل د. فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، للمسألة شرعًا، مؤكدة أن الصغير لا يملك ولاية على نفسه لقصور أهلية الأداء لديه، فـ «فاقد الشيء لا يعطيه»، موضحة أن المادة 126 لعام 2008 من قانون الطفل حددت سن الزواج بـ 18 عامًا لضمان اكتمال هذه الأهلية.
وتشير د. فتحية إلى وجود اختلاف فقهي في تحديد السن، إلا أن المصلحة المعتبرة تقتضي التقييد؛ فمن أجاز زواج الصغيرة من الفقهاء اشترط «وفور الشفقة» وأن يكون الولي (الأب أو الجد) حريصًا على مصلحة الصغيرة، أما إذا تم الزواج دون علم الولي أو دون مراعاة مصلحتها، فذلك يعد مخالفة لأمر الشرع تستوجب العقوبة، كما حذرت من ظاهرة الزواج العرفي بين طلاب المدارس والجامعات بعيدًا عن أعين الأهل، واصفة إياها بالانزلاق نحو «الزنا» نتيجة غياب الرقابة الأسرية والاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضا| "رواق الأزهر يناقش قيمة الإيثار ويعزز الوعي الديني بمركز شباب فرشوط

وترى د. فتحية أن المواجهة تكمن في استعادة دور البيت في الرقابة والتوجيه الدائم، وكذا استنهاض المؤسسات الدينية والإعلامية، مطالبةً بمنظمات مجتمع مدني فاعلة بعيدًا عن «الوجاهة الاجتماعية»، مشددة على أن أسباب الظاهرة تعود للإهمال الأسري وانشغال الوالدين بالصراعات الشخصية أو البحث عن الأمان الاقتصادي على حساب الرعاية النفسية، ناهيك عن تراجع الدور الإرشادي للمدرسة وانتشار نمط المدارس الأجنبية التي قد تفتقر للإشراف التربوي الكافي على الاختلاط.
اغتيال الطفولة
من جانبه، يؤكد د. محمد أحمد، بجامعة الأزهر، أن النكاح سنة لعمارة الأرض وبناء لبنة مجتمعية متماسكة، وهو ما لا يتحقق في زواج القاصرات الذي يعرض الأسر للانهيار نتيجة عجز الزوجين عن إدارة شؤون حياتهما، ويشير د.محمد أحمد إلى أن الظاهرة تتركز في الريف أكثر من الحضر، نتيجة «الأمية» وفقر الآباء الذين يرون في زواج البنت «سترًا» أو تخفيفًا لأعباء الإنفاق.
ويحذر من آثار كارثية، أهمها: «هشاشة البناء الأسري» لغياب التمييز لدى الزوجين الأطفال، و«اغتيال الطفولة» بتحميلهم مسئوليات تفوق طاقة الكبار، بالإضافة إلى المساهمة غير المباشرة في تأخر سن الزواج لدى الفتيات اللاتي يكملن دراستهن الجامعية.
آفة اجتماعية
وفي سياق متصل، تصف د. نبيلة سامي، أستاذ علم الاجتماع التربوي، الظاهرة بأنها «آفة اجتماعية» تتغذى على غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الزواج الرسمي، مما يدفع الشباب نحو الزواج السري المبكر كبديل «متاح». والحل يكمن في رجوع دور الأسرة والاهتمام بزيادة الوعي الديني، وإنشاء أندية اجتماعية، ومساعدة الشباب لتنمية مهاراتهم، وقيام مشروعات صغيرة، وإتاحة فرص عمل مختلفة، والاهتمام بعقد ندوات تثقيفية في المدارس والجامعات والمؤسسات الاجتماعية والإعلامية وتوجيه طاقات الشباب إيجابيًا، مطالبةً بعودة دور المدرسة الإرشادي والأخلاقي ومواجهة غزو المدارس الأجنبية التي قد تفتقر للإشراف التربوي الجيد.
مخاطر صحية
قانونيًا، يوضح د. أيمن رمضان الزيني، أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة طنطا، أن زواج من هم دون الـ18 يمثل «تصرفًا دائرًا بين النفع والضرر»، بمعنى أنه إذا ما كان هذا التصرف نافعًا نفعًا محضًا جاء صحيحًا قانونًا، ويصير باطلًا إذا ما كان ضارًا بالزوج. وعند مطالبة الزوجة بحقوقها سيعد الزواج تصرفًا باطلًا للزوج الذي يقل عمره عن 18 عامًا، وهو نتاج عادات سلبية وانتشار «ثقافة القطيع»، مؤكدًا أنه رغم صرامة المادة 31 مكرر من قانون الطفل رقم 126 لعام 2008 التي تمنع توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ 18 عامًا، إلا أن القرى والنجوع لا تزال تشهد تحايلاً عبر «التسنين» أو إخفاء شهادات الميلاد للجوء إلى الزواج العرفي حتى بلوغ السن القانونية.
ويستعرض د. الزيني المخاطر البيولوجية الجسيمة، كتهتك الأجزاء التناسلية والأمراض النفسية، مشيرًا إلى أن المواثيق الدولية (مثل اتفاقية بيجين واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) شددت على ضرورة رفع السن الأدنى للزواج للقضاء على الأعراف القديمة التي تعيق تحسين وضع المرأة التعليمي والاقتصادي.
ردع جنائي
فيما أكد د. سيد محمد حجاج، أستاذ القانون العام، أن دستور 2014 (المادة 80) يُعرّف الطفل بأنه كل من لم يتجاوز 18 عامًا، ويوجب حمايته من العنف والاستغلال الجنسي، وقانون الطفل (مادة 31 مكرر) يحظر توثيق الزواج قبل السن القانونية ويعاقب الموثق (المأذون) تأديبيًا.
وقانون الأحوال الشخصية (مادة 17 من قانون 1 لسنة 2000) ينص على عدم قبول الدعاوى الناشئة عن عقد زواج إذا كان سن أحد الزوجين أقل من 18 عامًا وقت رفع الدعوى، حتى لو تم توثيقه بالمخالفة للقانون.
ويشير د. حجاج إلى أن قانون العقوبات (المادة 227) أقر الحبس لمدة سنتين لكل من أدلى بأقوال غير صحيحة أمام السلطة المختصة لإثبات بلوغ السن القانونية، كما عاقب المأذون أو المسئول الذي يوثق العقد وهو يعلم بمخالفته للسن.
ويحذر أستاذ القانون العام من أن الخطر الأكبر يكمن في «ضياع الحقوق»؛ ففي حال وفاة الزوج قبل التوثيق القانوني تضيع حقوق الزوجة (الطفلة) وأطفالها تمامًا، مما يحول القضية من مشكلة اجتماعية إلى كارثة إنسانية وقانونية.

 

ترشيحاتنا