الوعى حائط الصد فى الأزمات

صورة توضيحية
صورة توضيحية

تتعرض المجتمعات لتحديات وأزمات تواجه مسيرتها، أزمات محلية و إقليمية وعالمية ، وما يحدث هذه الأيام من أزمة عالمية في موارد الطاقة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسبقتها  الحرب الإسرائيلية على غزة ،  ووباء كورونا الذي عانت منه البشرية  .

 أمام هذه الأزمات والتعامل معها ثمة مجتمعات استطاعت اجتياز هذه التحديات  ومواجهة  تلك الأزمات  بسهولة ويسر، ومنها من لم تستطع .  والفارق بين هؤلاء  وأولئك يكمن في عوامل  وامكانات، ولكن قبل  كل هذا يكون الوعي المجتمعي حائط الصد الأول في التغلب على العقبات و مواجهة الأزمات .
وقد أثبت المصريون تجاوبهم وتعاونهم مع حكومتهم في مواحهة الأزمات ، والاستجابة لترشيد استخدام الكهرباء ومصادر الطاقة خلال الأيام القليلة الفائتة . ليبقى الوعي المجتمعي ضرورة لاجتياز العقبات ومواجهة الأزمات . 
التحقيق التالي يناقش القضية بأبعادها وآثارها .

في البداية تقول د . ملك أحمد مدرس علم الاجتماع بكلية بنات عين شمس: الوعي المجتمعي ركيزة أساسية في مسيرة الأوطان، وهو إدراك المواطنين المباشر لذواتهم ولما يحيط بهم من مشكلات يعيشونها، وتفاعلهم معها. وهذا الوعي يشمل القيم، والمعتقدات، والأخلاق التي توجه السلوك  ويركز الوعي كظاهرة جماعية ناتجة عن التفاعل والتنشئة الاجتماعية. 

اقرأ ايضا| مصر تقود تحركات دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد في المنطقة 

و للوعي المجتمعي دورًا حاسمًا في استقرار المجتمع،  نظرًا لأهميته في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مثلًا في حالة انتشار الشائعات المغرضة التي تعمل على تقويض المجتمع من أساسه،  وأزمات مثل  انتشار وباء كورونا ، وما يحدث اليوم  من أزمة في الطاقة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وعليه فان الوعي المجتمعي يؤدي بالضرورة إلى القدرة على مواجهة  تلك التحديات وعبور هذه الأزمات .  وقد أثبت الشعب المصري في الأيام القليلة الفائتة  قدرا كبيرا من الوعي المجتمعي في الاستجابة لترشيد الكهرباء لأنه علم وعرف خطورة الأزمة وأهمية وضرورة مواجهتها .
ومن الأهمية بمكان لأي مجتمع يسعى إلى مواكبة قطار التنمية هذا الوعي المجتمعي لدى الأفراد، فالوعي المجتمعي يسهم بقوة في نشر المعرفة وتعزيز التعاون بينهم، ومن ثم فإن أي تنمية لا يوازيها ذلك الوعي المجتمعي هي تنمية لا جذور لها، وبالتالي لن تصمد أمام أي مشكلة تواجهها حتى لو كانت مشكلة بسيطة.
 ولعلم الاجتماع دور مهم  في بناء الوعي داخل المجتمع، لأنه يساعد الإنسان على فهم ما يدور حوله من ظواهر ومشكلات بطريقة علمية ومنظمة، بدلًا من تفسير  الأمور بشكل عشوائي أو شخصي. فهو يوضح العلاقة بين الفرد والمجتمع، ويبين كيفية تأثير المجتمع في سلوك الإنسان، وفي نفس الوقت يسهم في مساعدة الفرد على تغيير مجتمعه.
ونستطيع  من خلاله فهم أسباب المشكلات التي تواجه المجتمع وتؤثر في أفراده  مثل مشاكل الفقر والبطالة والجريمة، مما يساعد في إيجاد حلول حقيقية لها ومعالجتها من جذورها. 
التاريخ يذكرنا
 وتشير شهد أشرف ‹مدرس مساعد  بقسم التاريخ بأداب المنوفية إلى أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس في أوقات الرخاء والازدهار بقدر اختبارها وقت الشدة، فعند مرور دولة ما بمنعطف خطير أثناء مسيرتها، مثل تعرضها لكارثة طبيعية، أو هزيمة عسكرية،  فهذه الأزمات هي التي تكشف مدى تلاحم مواطنيها.. وهنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي الذي يميز شعبًا عن آخر، بوصفه اللحظة الفارقة بين الانهيار والصمود؛ فإما المزيد من الانحدار، وإما أن يقف الشعب معًا لعبور تلك الأزمة.
وبلادنا شهدت العديد من الأزمات والكوارث، والتي أثبت فيها المواطنون مدى تعاونهم وتكاتفهم في مواجهتها؛ ففي حرب أكتوبر المجيدة لم يكن الانتصار على العدو الصهيوني عسكريًا فقط، بل كان هناك انتصار من نوع آخر لا يقل أهمية عن الانتصار على أرض سيناء، حيث كانت الجبهة الداخلية صامدة بقوة خلف قيادتها السياسية،  فقد عمل المواطنون على ترشيد الاستهلاك نظرًا لشح السلع الغذائية، وتحولت جلسات السمر بين الأهالي إلى جلسات لبث روح الأمل ومواجهة الشائعات التي كان العدو يعمل على نشرها بين أفراد المجتمع، وبكل حب ظهرت الطوابير الطويلة أمام المستشفيات للتبرع بالدم لأبطال العبور، ووجدنا الكثير من الأسر التي قامت بالتبرع بما يملكون، سواء كان ذلك أموالًا نقدية أم بما يملكونه من معدن الذهب النفيس، بالإضافة إلى الخطابات التي كانت تُكتب للجنود وهم على خط النار لتشجيعهم على الصمود ومقاتلة العدو الغاشم..
وكذلك لا ننسى كارثة زلزال أكتوبر عام ١٩٩٢، فرغم فداحة الخسائر التي أودت بحياة المئات، وتسببت في تشريد الآلاف، فقد شهدنا ما يعجز اللسان عن وصفه، حيث فتح الأهالي بيوتهم للمشردين، وشكّل الشباب فرقًا لرفع أنقاض البيوت التي تهدمت، وقِسْ على ذلك الكثير.. وفي جائحة كورونا التي مرت بنا منذ سنوات قليلة، كان التزام الناس بالإرشادات الصحية، مثل ارتداء الكمامات والتباعد، والإسراع بالإبلاغ عن الحالات المصابة، كل ذلك منع من تفاقم الوضع الصحي. وفي مقابل ذلك نجد أن الدول التي غاب عنها ذلك الوعي قد دفعت أثمانًا باهظة من الأرواح. و الحمد لله قد صار حال المصريين في أوقات المحن والشدائد والأزمات  كما يذكرنا التاريخ وهو التعاون والتكاتف والتضحية .                         
الوعي وشخصية الفرد
ويوضح د. محمود علام استشاري الصحة النفسية بآداب عين شمس أن الوعي النفسي المجتمعي يعتبر أحد فروع علم النفس التي تهتم بدراسة سلوك ووعي  الفرد داخل المجتمع، أي أنه يركّز على كيفية تفكير الإنسان وشعوره وتصرفه في وجود الآخرين، فهو لا يدرس الفرد بمعزل عن المحيطين به، بل يدرسه ككائن اجتماعي يتأثر بالجماعة التي يعيش بينها ويؤثر فيها في نفس الوقت. وتفسير الظواهر الاجتماعية مثل التأثر برأي الجماعة، والتقليد، والانتماء، والصراع بين الفرد والمجتمع، وكيف تتكوّن القيم والعادات داخل الإنسان حتى تصبح جزءًا من شخصيته.
ويركز علم النفس المجتمعي على الوعي الفردي والذكاء العاطفي والتعاطف، وتظهر أهميته على فهم السلوك الإنساني داخل المجتمع بشكل أعمق، حيث يفسّر الدوافع النفسية التي تقف وراء تصرفات الأفراد؛ فهو يوضح لماذا يميل الإنسان إلى تقليد الآخرين، ولماذا يسعى إلى القبول الاجتماعي، كما يبيّن كيف تؤثر البيئة الاجتماعية في تكوين شخصية الفرد.
ويساعد المواطن على تحقيق التوازن بين رغباته الشخصية ومتطلبات المجتمع، أما على مستوى المجتمع  فيؤدي الوعي المجتمعي إلى تحسين العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، حيث يزيد من التفاهم والتسامح بينهم. كما يسهم في تقليل النزاعات والمشكلات الاجتماعية، ويعزز من روح التعاون والانتماء، ويتضح هذا جليا وقت الشدائد والأزمات فعلى سبيل المثال تجد المواطن يقدم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، فتراه يتجاوب مع نداءات وطنه في كيفية التعامل وقت الأزمات فيقل استهلاكه ويزيد تر شيده للموارد حوله ، ولا يكتفي بذلك بل يدعو غيره فيكون قدوة ومثلا لمن حوله ، فهو يعلم أن مصلحة الوطن مقدمة ، مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق الاستقرار والتماسك داخل المجتمع.
الاستقرار الاقتصادي
ويقول د. خالد الشافعي «الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والابحاث الاقتصادية»  للوعي المجتمعي أهمية كبرى في مواجهة الأزمات التى تواجهنا، ومنها على سبيل المثال الأزمة التي تواجهنا حاليًا، والتي نعاني منها بشدة، وذلك نتيجة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، مما تسبب في خلق بعض المشاكل التي أثرت علينا بشكل كبير، كارتفاع أسعار النفط والمحروقات، مما اضطر حكومتنا إلى اتخاذ بعض القرارات خلال الفترة الماضية، مثل ترشيد الإضاءة، وهنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي بين المواطنين حتى يكونوا على قلب رجل واحد خلف حكومتهم لتجاوز هذه الأزمة.
و الوعي المجتمعي هو المحرك الأساسي للاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة؛ فمن خلال إدراك المواطنين للقضايا الاقتصادية يتحول الأفراد من مستهلكين إلى شركاء فاعلين في بناء الوطن، كذلك يعزز هذا الوعي التماسك الاجتماعي ويقويه، مما يقلل من حدة التضخم عبر الاستهلاك الرشيد، ويدعم التحول نحو اقتصاد مستقر.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن العلاقة بين الوعي المجتمعي والاقتصاد علاقة طردية وتكاملية، حيث لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية دون قاعدة اجتماعية واعية، أي أن الوعي المجتمعي هو «الرأسمال الاجتماعي» الذي يساعد الدول على تجاوز الأزمات الاقتصادية (مثل التضخم أو نقص الطاقة) من خلال فهم الإجراءات التصحيحية والتعاون مع الدولة. وتبرز أهمية الوعي المجتمعي بأهمية ترشيد الموارد كالكهربا _مثلًا _ إلى تقليل فاتورة الاستيراد، مما يخفف الضغط على العملة الصعبة ويدعم ميزان المدفوعات.
ومن هنا نؤكد أن الاستقرار المجتمعي القائم على وعي كامل بطبيعة المرحلة، هو الأساس الذي يساعد الدولة بأن تتحرك بهدوء من أجل تجاوز تلك الأزمات، التى احتاجت لعملية إصلاح جديدة، من أجل أن يسترد الاقتصاد المصري عافيته، ويمكن لنا رصد التحسن الكبير فى المؤشرات الاقتصادية حيث بدأ التضخم يسير فى مسار تنازلي، وارتفع الاحتياطي النقدي لمستويات غير مسبوقة، وحققت مصر معدلات نمو بنسب أكبر مما توقعته المؤسسات الدولية، وكانت الدولة حريصة على دعم حالة الاستقرار المجتمعي ببرامج حماية اجتماعية متنوعة، وبرامج توعية مُختلفة من أجل بناء وعي قائم على الشفافية، والمشاركة فى الإجراءات، .
وإذا كانت الدول دائما ما تبحث عن محاور لتعزيز تنافسية اقتصاداتها، فإن حالة «استقرار الوعى المجتمعي» للدولة المصرية تعتبر من أهم المُحفزات التى تُساعد فى جذب الاستثمار الأجنبي المُباشر، فالمستثمر يهمه أن تكون استثماراته فى بيئة آمنة، ومجتمع واعٍ، ومُدرك لواقع النشاط الاقتصادي، فحالة «استقرار الوعي المجتمعي الإيجابي » في مصر هي حالة تاريخية رسختها الدولة المصرية حديثًا، ونحجت فى مواجهة الكثير من الأزمات التى لم تكن دول أخرى  تتحملها، وأن تلك الحالة تمثل أفضل بيئة للاستثمار.
‏‏‏قيم الإسلام وتعاليمه 
‏  يؤكد د. عبد الفتاح العواري عضو مجمع البحوث الإسلامية، وعميد كلية أصول الدين بالقاهرة الأسبق، أن الوعي المجتمعي يمثل الحصن الحقيقي في مواجهة الأزمات، والدين يشكل أساس  البناء لترسيخ هذا الوعي. فبين التوجيه الذي تقدمه النصوص الشرعية، والسلوك الذي يطبقه الافراد في حياتهم اليومية، تتشكل ملامح مجتمع قادر على الصمود، ويدرك قيمة النعم، ويحسن إدارتها. ويبقى الوعي هو الطريق الأكثر أمانا لعبور الأزمات، وبناء مستقبل أكثر استقرارا
‏ و يقول : ديننا الإسلام وضع قواعد وقيما واضحة للاعتدال في استخدام الموارد، و هذه القيم تصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات. والله سبحانه وتعالى يقول: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)،  هذه الآية تمثل قاعدة عامة تشمل كل صور الاستهلاك، وليس الطعام والشراب فقط.
و القرآن الكريم حذر أيضا من التبذير بشكل صريح، حيث قال تعالى: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)، وهو تعبير يكشف خطورة هذا السلوك وأثره على الفرد والمجتمع. الالتزام بهذه التوجيهات يسهم في بناء وعي حقيقي، يجعل الإنسان أكثر حرصا في الحفاظ على الموارد.
و جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى بشكل عملي، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار»، وهو توجيه يعكس قيمة عميقة، تؤكد ان الترشيد ليس مرتبطا بندرة الموارد، بل هو سلوك دائم يعبر عن وعي الإنسان وتقواه.
ونقول على الجملة الدين أهم مصادر تشكيل هذا الوعي، بما يحمله من قيم تضبط السلوك وتوجهه نحو الاعتدال والمسئولية. ويمثل الوعي المجتمعي حائط صد في مواجهة الأزمات، حيث يسهم في تقليل الهدر وتعزيز روح التعاون بين الافراد. فالمجتمع الواعي لا يتعامل مع التحديات بعشوائية، بل يبني سلوكياته على فهم وإدراك، وهو ما تؤكد عليه تعاليم الدين التي تربط بين الايمان والعمل.
القدوة 
‏وتقول د. سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر،  الوعي المجتمعي ضرورة لمواجهة التحديات وعبور الأزمات ، والوعي أساسه الدين  من خلال تعاليمه وقيمه وتشريعاته  التي تحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التعاون على البر والخير،  وليس على الاثم والعدوان.
‏ ووسائل الإعلام تمثل شريكا أساسيا في نشر الوعي الديني وثقافة الوعي المجتمعي، حيث يمكنها الوصول إلى قطاع واسع من الجمهور. فالرسائل البسيطة، مثل الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك، يمكن أن تحقق أثرا كبيرا اذا تم تقديمها بشكل مستمر ومدروس. فتصبح سلوكياتنا اليومية المحافظة على الموارد والبعد عن الإسراف .
كما تقدم القدوة دورا مهما في ترسيخ هذا الوعي، حيث يكون لالتزام علماء الدين بالسلوكيات التي يدعون إليها أثر كبير في تعزيز مصداقية الرسالة. فالسلوك العملي يظل دائما أكثر تأثيرا من الكلمات، ويشكل دافعا حقيقيا لتغيير العادات.
الخطاب الديني 
 ويوضح  الشيخ مصطفى حجازي إمام وخطيب بإدارة أوقاف ملوى بمحافظة المنيا، أن المساجد تقوم بدور  محوري في نشر هذا الوعي، خاصة من خلال خطبة الجمعة التي تصل إلى ملايين المواطنين بشكل أسبوعي. و ربط القضايا اليومية بتعاليم الدين يجعل الرسالة أكثر تأثيرا، لأنها تتحول من نصيحة عامة إلى التزام ديني.
والخطاب الديني في أوقات الأزمات يجب أن يكون عمليا، بحيث يقدم نماذج واضحة للسلوك الصحيح، مثل ترشيد استهلاك المياه والكهرباء، وتجنب الإسراف في مختلف جوانب الحياة. وهذه السلوكيات، رغم بساطتها، يمكن أن تحدث فارقا كبيرا إذا التزم بها المجتمع ككل.
 ويضيف في إطار الجهود المبذولة، ظهرت مبادرات مشتركة بين المؤسسات الدينية والجهات التنفيذية، تهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى المواطنين. وقد شارك الأئمة في هذه المبادرات من خلال توجيه الناس وتصحيح بعض العادات الخاطئة، وهو ما أسهم في تحقيق نتائج ايجابية على أرض الواقع. 

 

ترشيحاتنا