لا يزال ملف الجدل والشعوذة يثير الدهشة داخل المجتمع، لوجود من يؤمن بقدرتهما على التأثير في مصائر البشر، ومع تزايد القصص والحكايات التي تكشف عن عالم غامض يستغل فيه البعض خوف الناس وجهلهم لتحقيق مكاسب غير مشروعة، أقدم النائب أحمد تركي، عضو مجلس الشيوخ المصري، أمين سر لجنة الشئون الدينية والأوقاف، على فتح هذا الملف الشائك، تحت قبة المجلس، بعدما تقدم بطلب إحاطة حذر فيه من تزايد هذه الظاهرة، وطالب باتخاذ إجراءات تشريعية وتنفيذية حاسمة لمواجهتها، من بينها سن قانون يجرّم أعمال الدجل وادعاء معرفة الغيب، إلى جانب وقف الترويج لقراءة الطالع والتاروت عبر المنصات الإلكترونية.
في التحقيق التالي نسلط الضوء على خبايا هذه الظاهرة، ونطرح تساؤلات حاسمة حول أسباب انتشارها، وحدود تصديقها، ودور القانون في مواجهتها:
يقول د. حذيفة عبد الناصر، رئيس لجنة الشئون القانونية بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، إن قضية الجدل تمس نسيج المجتمع بشكل مباشر، خاصة مع تطور أساليبها، وانتقالها من «الغرف المغلقة» إلى «المنصات الرقمية»، بعد عدم قصورها على تلك الصورة النمطية القديمة داخل الحارات الضيقة، مشيرا إلي أن هذه الظاهرة تطورت بشكل كبير لتصبح «تجارة رقمية» عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويشير إلي أن هذه الممارسات تحولت إلى فخاخ تستهدف في شباكلها عقول وقلوب الضعفاء والبسطاء، بإدعاء أصحابها قدرتهم علي جلب الحظ، وفك السحر والأعمال، وهو ما يستوجب التدخل لوضع تشريعات حاسمة تجرم هذه الفوضى التي تهدد السلم والوعي المجتمعي. لافتا إلي أن لجوء الأفراد لهذه الممارسات يجعلهم صيداً سهلاً لمن يبيعون «الوهم» مغلفاً بعبارات روحانية أو توقعات غيبية زائفة، وهو ما يتيح فرصة لتجار الوهم للنصب عليهم وتحقيق مكاسب مالية طائلة من وراء تلك الممارسات.
ويؤكد د. حذيفة، أن خطورة انتشار الدجل والشعوذة لا تتوقف عند حدود استنزاف جيوب المواطنين، بل تمتد لتضرب أعماق المجتمع من عدة جوانب، مثل تدمير الروابط الأسرية، وتغييب الوعي العلمي، من خلال عزوف الناس عن العلاج النفسي والطب العضوي الموثوق، مما يفاقم الحالات المرضية ويؤدي في بعض الأحيان إلى مضاعفات بل وإلي الوفاة نتيجة بعض الممارسات العنيفة لمدعي العلاج بالروحانيات. ويشير إلي أن الشعوذة تؤدي أيضا إلي نشر التواكل، والمقصود بذلك تنمية روح «التواكل» وانتظار المعجزات بدلاً من العمل الجاد واستخدام العقل، مما يعطل مسيرة التنمية في مجتمع يطمح للتقدم. وينوه د. حذيفة، أن أخطر ما يواجهنا الآن هو «شرعنة الدجل عبر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي، فلم تعد تلك الممارسات قاصرة علي فئة معينة، بعد ظهور برامج «التاروت» وقراءة الطالع كأنها نوع من الترفيه، بينما في حقيقتها بوابة لاستدراج وإستغلال البسطاء وتغييب وعيهم، مؤكدا أن مواجهة هذه الممارسات الخطيرة ومواجهتها لابد أن يكون من خلال مسارين، أولهما المسار التشريعي، بوضع تشريع قانوني حازم وصريح يجرم صراحة أعمال الدجل والشعوذة بكل صورها « التقليدية والرقمية « والمعاقبة عليها.
أما المسار الثاني فهو تنويري بتفعيل دور المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في نشر الوعي وهو محوري لا يقل أهمية عن الدور التشريعي ويعتبر مكملاً له.
ويشدد علي ضرورة تحويل ملف الدجل والشعوذة إلى أروقة التشريع، وذلك لأنها معركة «وعي» لابد من خوضها للدفاع عن هوية وسلامة المجتمع .
فكر خرافي
من جانبه يؤكد د. إبراهيم رضا من علماء الأوقاف ضرورة تبني المنهج العلمي كسبيل وحيد لمواجهة هذه الظاهرة، مستعرضاً مواقف نبوية وتاريخية أسست لمحاربة الفكر الخرافي وتعزيز قيمة المعرفة، مؤكدا أن النبي الكريم كان الرائد الأول في إرساء دعائم التفكير المنطقي؛ ففي أصعب لحظاته الإنسانية عند وفاة ابنه «إبراهيم»، وتزامن ذلك مع كسوف الشمس، لم يقبل صلي الله عليه وسلم أن تُربط الظواهر الطبيعية بالأوهام، بل صعد المنبر ليصحح المفاهيم قائلاً:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ».
ويشير إلي أن سر تفوق المسلمين في الأندلس لثمانية قرون لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان تفوقاً معرفياً جعل من اللغة العربية لغة العلم العالمية، مستشهدا بمكانة الفيلسوف «ابن رشد» الذي يُكرم اليوم في كبرى الجامعات العالمية مثل «جورج تاون» بواشنطن، باعتباره الأب الشرعي للحضارة الغربية الحديثة.
قضية وعي
ويشير د. مصطفي شلبي، من علماء الأزهر الشريف، أن ما طرحه الشيخ أحمد تركي، تحت قبة مجلس الشيوخ ليس مجرد قضية قانونية عابرة بل ملف يمس صميم الأمن الفكري والعقدي للمجتمع المصري، منوها أنه إذا كانت الدولة تتحرك اليوم تشريعياً فإن الواجب يقتضي أن يتحرك الجميع من علماء ودعاة، وإعلاميون، ومؤسسات لترسيخ وعي راسخ يقطع الطريق على الدجل ويعيد الإنسان إلى يقينه بأن الغيب لله وأن الضر والنفع بيده وحده وأن النجاة في صدق التوكل على الله عز وجل .
ويؤكد د. شلبي، أن معركتنا الحقيقية هي ضد الجهل وتعلق القلوب بسراب العرافين و بائعي الوهم، مشيرا إلي أن أخطر ما يرتبط بظاهرة الدجل هو ادعاء معرفة الغيب، وهو ما يصطدم مباشرة بأصل من أصول العقيدة الإسلامية إذ يقول الله تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)، وقوله صلي الله عليه وسلم: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء فصدقه، لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً»، وفي رواية: «فقد كفر بما أُنزل على محمد»، وهو وعيد شديد يكشف خطورة الانسياق وراء هذه الأوهام.
كما يؤكد أن الدعوة إلى سن قانون يجرم الدجل والشعوذة ضرورة، لكن ذلك لا يكفي لمحاربة هذه الظاهرة والقضاء عليها، إذ نحتاج إلى دعم مجتمعي وثقافي وديني متكامل، لأن المعركة في حقيقتها هي معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون، وهنا يبرز دور المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية في تصحيح المفاهيم وترسيخ عقيدة التوحيد وتعليم الناس أن ما يصيبهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن اللجوء إلى الله هو السبيل الوحيد لدفع الضر وجلب النفع، وقد حسم الإسلام هذه القضية بشكل قاطع في قوله تعالى:(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ).
تهدد المجتمع
بدوره يوضح د. هيثم مجدى أحمد، عضو مجلس نقابة محامين شمال القاهرة، أن ظاهرة السحر والشعوذة، تعتبر من الظواهر الخطيرة التي تهدد استقرار المجتمع، ليس فقط من الناحية الأخلاقية، بل من الناحية القانونية أيضًا، لما تنطوي عليه من استغلال لحاجه الأفراد وخداعهم بوسائل احتيالية تمس أموالهم وأمنهم النفسي. مبينا أن عدم وجود نص صريح في قانون العقوبات المصري يجرّم «السحر» بذاته كمسمى مستقل، إلا أن الأفعال المرتبطة به تخضع في حقيقتها لعدة أوصاف جنائية قائمة، على رأسها جريمة النصب والاحتيال، المنصوص عليها في قانون العقوبات، والتي تقوم على استخدام طرق احتيالية من شأنها إيهام المجني عليه بوجود أمر غير حقيقي، بقصد الاستيلاء على ماله.
ويضيف أن المسئولية الجنائية، تمتد في بعض الحالات لتشمل جرائم أخرى، مثل الابتزاز، إذا اقترنت الأفعال بتهديد المجني عليه، والدجل واستغلال الدين، حال استخدام شعارات أو رموز دينية لخداع الضحايا، وممارسة نشاط دون ترخيص، إذا تم اتخاذ ذلك كمهنة أو وسيلة للكسب.
ويوضح أن المطالبة بتشريع خاص لتجريم السحر والشعوذة بشكل صريح تأتي في إطار سد الفراغ التشريعي، وتشديد العقوبات على هذه الممارسات التي تمثل خطرًا متزايدًا، خاصة مع انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن السحر والشعوذة ليست مجرد ممارسات هامشية، بل هي في حقيقتها جرائم احتيالية مكتملة الأركان، تستوجب المواجهة القانونية الحاسمة، حمايةً للمجتمع من صور الاستغلال والخداع.
طريقة احتيالية
من جانبها تقول د. أسماء عبد السلام، إنه في ظل تزايد ظاهرة الدجل والشعوذة واستغلال بعض الأشخاص لحالة الضعف أو الأزمات النفسية والاجتماعية لدى المواطنين، أصبح من الضروري تسليط الضوء على التكييف القانوني لهذه الأفعال، وبيان موقف قانون العقوبات المصري منها، مبينة أن المشرّع المصري لم يضع نصًا صريحًا يُجرّم السحر أو الشعوذة كجريمة مستقلة، إلا أن هذه الأفعال تندرج تحت نصوص التجريم العامة، وعلى رأسها جريمة النصب والاحتيال.
وتوضح أن أركان الجريمة في حالة الشعوذة، تتحقق في أفعال السحر والشعوذة بتوافر الركن المادي وهو
استخدام وسائل احتيالية (ادعاء القدرة على العلاج الروحاني أو فك الأعمال)، فضلا عن توافر الركن المعنوي، بتوافر القصد الجنائي المتمثل في نية الاستيلاء على مال المجني عليه، بالإضافة إلي علاقة السببية، بتسليم المال نتيجة انخداع المجني عليه بهذه الادعاءات.
وتشير إلي أن أعمال الدجل والشعوذة لا تُعد مجرد أفعال أخلاقية مذمومة، بل جرائم مكتملة تستوجب العقاب، كما أن خطورتها لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتشمل استغلال البسطاء والمرضى، نشر الجهل والخرافة، والتأثير على الاستقرار الأسري والاجتماعي.



