أمير المؤمنين.. علي بن أبي طالب

عادل القليعي 
عادل القليعي 

بقلم: أ.د. عادل القليعي

أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، الشريف القرشي، أول من أسلم من الصبيان بعد أن دعاه النبي صلى الله عليه وسلم.

مناقبه ومآثره (رضي الله عنه وأرضاه)
نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة إلى المدينة "نوم الشجعان"، وهو يعلم أن كفار مكة يتربصون بباب النبي، ولكنه لم يبالِ بكل ذلك، بل هو الذي عرض على "المعصوم" أن ينام بدلاً منه كنوع من التمويه والخداع الاستراتيجي؛ ذكاءً فطرياً منحه الله تعالى إياه. كان يعلم أنهم في أي لحظة سيهجمون على الباب، وقد حدث بالفعل، فوجدوه نائماً في فراش النبي، وسألوه: أين محمد؟ فقال لهم قول الشجعان: "اذهبوا وابحثوا عنه يا أعداء الله".

وقف في وجوههم وقوف الأسود أمام الضباع والغربان، لم يهتز ولم يخف منهم. وهذه دعوة للشباب الذين لا بد لهم أن يقتدوا بهؤلاء العمالقة الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، ولتعلم الإقدام وعدم التردد في كل مجالات الحياة، واتخاذ الجدية طريقاً لهم بدلاً من التسكع في الطرقات ومضايقة المارة؛ فالبطولة لا تقاس بالعمر بل بالمواقف الراسخة.

ومن مآثره أيضاً في غزوة بدر الكبرى، أنه كان أول من أشهر سيفه في وجه الكفار، وبارز صنديداً من صناديد الكفر فأوقعه من على فرسه وأرداه قتيلاً، وكان ذلك بشرى من بشريات النصر.

ومن ألقابه "الزاهد"، فكان لا يملك شيئاً حتى لا يملكه شيء. تأخر ذات يوم عن الصلاة فسأله النبي: لمَ تأخرت يا علي؟! قال: يا رسول الله، لي ثوب واحد نغسله ونصلي فيه أنا وفاطمة، وكانت تصلي به، فلما فرغت من صلاتها ارتديته وهرولت لألحق بكم.

أتاه رجل ذات يوم يطلب منه أن يكتب له عقد شراء بيت، فكتب له: "اشترى ميت من ميت، دار غرور وحسرة وندامة"، فقال له الرجل: يا علي، لا أريد شراء مقبرة! قال له: هذه حال من تمسك بالدنيا. ينظر ذات يوم من غرفة داره للدنيا مخاطباً إياها: "يا دنيا غُرّي غيري، طلقتك ثلاثاً"، وأنشد قائلاً:
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلا التي كان قبل الموت بانيها

فقهه وورعه
قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها". وكيف لا وهو ربيب محمد صلى الله عليه وسلم، تعلم العلم الشرعي على يديه، وكان الملازم الدؤوب له.
كان جالساً مع عمر ذات يوم، ودخلت امرأة تتهم رجلاً بالزنا وادعت أن مَنيّ الرجل على ثوبها، وكاد عمر أن يقيم الحد على الرجل لولا فراسة وفقه علي، حيث قال: يا عمر، أريد بعض الماء الساخن، وألقاه على ثوب المرأة، فجمد كأنه "زلال البيض"، فكشف زيف ادعائها.

ومن ورعه أنه رأى امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحمل إناءً به تمر، قالت: هذه هدية أقدمها لكم، فأعطى النبي عمراً تمرة، وعلياً تمرة، وأبا بكر تمرة. وفي المنام، رأى علي كأن امرأة أتت أبا بكر بتمر فوزعه، وطلب علي تمرة أخرى، فقال له الصديق: "والله لو زادك رسول الله لزدناك"؛ الله أكبر على صحابة رسول الله الذين جاءهم النبي في منامهم يوزع عليهم التمور بيده.

زواجه من البتول
كبر الفتى وأراد الزواج، والخطّاب يتهافتون على بنت رسول الله، وعلي يريد وقلبه يهفو لها، لكنه يتحرج من فقره. ذهب إليه النبي: يا علي، هل لك حاجة عندي؟ ويتحرج علي، ويكررها النبي ثلاثاً، وفي الثالثة قال: نعم يا ابن العم، ولكني رجل فقير، بل أفقر من في المدينة، وأريد الزواج من فاطمة.

ذهب النبي لفاطمة وعرض عليها الأمر، قالت: يا أبتِ، علي ابن عمك أفقر رجال المدينة! فقال لها النبي: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ). وعلى الفور قالت: قبلت يا رسول الله.

هذه دعوة للآباء والأبناء والبنات: "من جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". دعكم من التكلف والمغالاة في المهور، فأقلهن مهوراً أكثرهن بركة. هل نحن أفضل من رسول الله وابنته والإمام علي؟ أليس لنا قدوة في هؤلاء؟ لِماذا كل هذه التحكمات وآلاف الجنيهات التي تُدفع في الأفراح؟ ما بُني على باطل فهو باطل، فاجعلوا هؤلاء الأكارم نبراساً لكم.

طرفته وخفة دمه

ذات ليلة خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر، ومن عادته أن يمر على الصحابة ويطرق الباب على الإمام علي، فداعبه علي: يا رسول الله لم يحن الوقت للصلاة، وتبسم هو وفاطمة. فطرق عليهما النبي الباب مرة ثانية تالياً قوله تعالى: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)، فتبسم الإمام وهرول مسرعاً إلى المسجد.

أنجب الإمام علي (كرم الله وجهه) الحسن والحسين والسيدة زينب، وكان النبي يحبهم حباً كبيراً، ويصطحب الحسن والحسين معه إلى الصلاة، وكانا يمتطيان ظهره الشريف وهو ساجد، وكان يقصر من الصلاة خشية عليهما.

خلافته

تولى الخلافة بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ودارت خلافات وحروب بدأت بموقعة الجمل ثم صفين والنهروان، وانتهت بتربص الخارجي عبد الرحمن بن ملجم له وهو ذاهب لصلاة الفجر، فغدر به في الظلام وأرداه شهيداً.

لعنة الله على الخوارج في كل عصر، الذين اتخذوا من الدين طريقاً للوصول إلى السلطة والحكم، قاتلهم الله ومن شايعهم وسار على نهج إمامهم "ذو الخويصرة". فلكل عصر خوارجه وإنا لهم بالمرصاد؛ هؤلاء الذين أقعدوا الدولة الإسلامية عن الفتوحات مدة خمسين عاماً انشغل فيها الخلفاء بوأد فتنهم.

رضي الله عن الإمام علي وعلى آل بيته الأطهار، وصلى وسلم وبارك على المختار.

 

ترشيحاتنا