لم يكن الجدل حول المقابر الفارهة في مصر وليد اللحظة، فقبل سنوات أثارت مقبرة الشيخ شمس الدين الفاسي في «مدينة نصر» حالة واسعة من الجدل، بعدما وُصفت إعلاميًا بأنها «مقبرة خمس نجوم» بسبب تصميمها الفخم وتجهيزاتها غير التقليدية مقارنة بالمقابر المعتادة.
وتحوّلت المقبرة إلى نموذج يُستشهد به عند الحديث عن المبالغة في تشييد المدافن وتزيينها، خاصة بعد تنفيذ وصية الفاسي بوضع سيارته الفاخرة بالقرب من قبره، في مشهد أثار فضول الكثيرين وفتح باب التساؤلات حول حدود الترف في عالم الموتى.
ومع مرور الوقت، عاد الجدل من جديد مع ظهور ما يُعرف بـ«المقابر المكيّفة» أو المزودة بوسائل تبريد وتجهيزات حديثة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات دينية واجتماعية حول فلسفة القبر في الإسلام، وما إذا كانت هذه المظاهر تتوافق مع بساطة الدفن التي دعا إليها الشرع، أم أنها تمثل نوعًا من المبالغة التي لا تعود بالنفع على الميت.
ويأتي انتشار هذا النوع من المقابر بالتزامن مع الارتفاع الكبير في أسعار المدافن، حيث تشير تقارير إلى أن أسعار المقابر في القاهرة الكبرى قد تبدأ من نحو 550 ألف جنيه للمساحات الصغيرة، بينما قد تصل أسعار المدافن الفاخرة إلى عدة ملايين جنيه، خاصة في المناطق المميزة والمدن الجديدة.
وبينما يراها البعض نوعًا من المبالغة في مظاهر الترف حتى بعد الموت، يعتبرها آخرون تعبيرًا عن المكانة الاجتماعية للأسرة، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول تحوّل «المثوى الأخير» إلى سوق تنافسية تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية.
الشيخ سيد عمارة: غير مستحبة.. والعمل الصالح الراحة الحقيقية
يقول الشيخ سيد عمارة، مدير مديرية أوقاف الجيزة، إن انتشار ما يُعرف بـ«القبور المكيّفة» أو المزودة بوسائل تبريد وتجهيزات حديثة، قد أثار حالة من الجدل، بين من يراها نوعًا من التكريم للمتوفى، ومن يعتبرها خروجًا عن بساطة الدفن التي حثّ عليها الإسلام، وهو ما أتفق عليه العلماء من أن القبر في التصور الإسلامي ليس مكانًا للترف أو التزيين، بل هو مرحلة من مراحل الآخرة التي تحكمها قوانين مختلفة تمامًا عن قوانين الدنيا.
وتابع عمارة أن القبر يُعد أول منازل الآخرة، حيث ينتقل الإنسان من الحياة الدنيا إلى عالم البرزخ. وفي هذا العالم يبلى الجسد تدريجيًا، بينما تنعم الروح أو تُعذب وفقًا لعمل الإنسان في حياته، مشيرا إلي أن الرؤية الإسلامية تؤكد أن نعيم القبر أو عذابه أمر غيبي لا تدركه الحواس البشرية، إذ يقع على الروح والجسد بآلية لا يعلمها إلا الله. ومن هنا يطرح بعض الفقهاء تساؤلًا مهمًا: هل يحتاج المتوفى إلى وسائل تبريد مادية داخل القبر، بينما يؤكد الحديث الشريف أن القبر «روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»؟
ويرى العلماء أن العمل الصالح هو «المكيف الحقيقي» للعبد في قبره، وليس الوسائل المادية.
ويؤكد الشيخ عمارة أن المبالغة في تزيين القبور، وتزويدها بأجهزة كهربائية،أو تحويلها إلى أماكن فاخرة يدخل في نطاق أمور غير مستحبة شرعًا، كما يُعد من صور إضاعة المال، خاصة أن الجسد بعد الوفاة يتحلل ولا يشعر بحرارة أو برودة. فضلا عن أن المبالغة في بناء القبور وتشييدها قد تدخل في دائرة المباهاة والتفاخر المنهي عنها، وهو ما يتعارض مع روح البساطة التي دعا إليها الإسلام في شأن الدفن.
ويشير الشيخ عمارة إلي تأكيد المتخصصين في الفقه أن الأصل في القبور هو البساطة، وأنها ليست مكانًا للزخرفة أو التزيين، بل موضع للعظة والتذكير بالآخرة، لذلك شدد العلماء على أن القبور ليس من الضروري تزيينها أو تحويلها إلى منشآت فخمة، بل يكفي أن تكون على الهيئة التي تحفظ حرمة الميت دون مبالغة.
د. مصطفى شلبى: البديل.. صدقة جارية تنفع الميت
ويوضح د. مصطفى شلبي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن الأصل في القبر أنه مكان لتكريم الإنسان بعد وفاته ومواراة جسده وحفظ حرمته، مؤكدا أن هذا المبدأ ثابت في الإسلام منذ بداية البشرية. وينوه أن قصة دفن الموتى بدأت منذ حادثة «ابني آدم» عندما قتل أحدهما أخاه، ولم يكن البشر يعلمون كيفية دفن الموتى، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليواري سوءة غراب آخر، ليتعلم الإنسان منه كيفية الدفن، مبينا أن المقابر في الإسلام ليست مكانا لدفن الموتى فقط، بل موضع للعظة والتذكير، ولذلك فإن المغالاة في بنائها أو زخرفتها ورفعها بشكل لافت أمر منهي عنه شرعا.
وتابع د. شلبي أن المقصد الشرعي من القبر أن يكون لحدا أو شقا في الأرض، كما كان الحال في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة والسلف، بحيث لا يرتفع البناء عن الأرض بما يلفت الأنظار، مشيرا إلى أن بعض العلماء ذهبوا إلى تحريم البناء على القبور، بينما اتفق آخرون على كراهة المبالغة في تشييدها أو تزيينها، لأن الإسراف محرم والخروج عن الاعتدال منهي عنه. ويشير د. شلبي، إلى أن التفاخر في بناء المقابر قد يؤدي إلى كسر قلوب الفقراء، بينما الغرض من زيارة القبور هو الاتعاظ والتذكير بالآخرة، مستشهدا علي ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، أي لتذكر المصير وأن الدنيا زائلة وأن هذا المكان هو مستقر الجميع، لافتا إلى أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رأى أن المبالغة في تزيين المقابر تدخل في باب الإسراف المحظور، لأن المقابر دار عظة وتذكرة وليست ميدانا للمباهاة والتفاخر.
اعتماد عبد الحميد:ارتفاع الأسعار حولها إلى مجال للتفاخر
من جانبها تقول د. اعتماد عبد الحميد استاذ علم اجتماع واعلام، إن أزمة ارتفاع الأسعار لم تعد قاصرة على مساكن الأحياء فقط، بل امتدت إلى «مثوى العمر»، مشيرة إلى أن أسعار المقابر في بعض المناطق تجاوزت حاجز المليون جنيه لمساحات محدودة قد لا تتجاوز 40 مترا. وبينت أن ظاهرة المبالغة في تجهيز المقابر أثارت جدلا مجتمعيا واسعا، بعد انتشار نماذج لمقابر تم تجهيزها بأجهزة تكييف وغرف استقبال وصالونات داخلية، في مشهد وصفه البعض بأنه تحويل للمقابر إلى ما يشبه القصور المصغرة. وتابعت أن هذا النمط يعيد إلى الأذهان مقابر الأسر الملكية في العصور القديمة، لكن بصورة لا تتناسب مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي الحالي، في الوقت الذي تشهد فيه بعض المقابر الجديدة في مناطق مثل طريق الواحات بمدينة السادس من أكتوبر غياب المرافق الأساسية من كهرباء ومياه، موضحة أن منع توصيل هذه الخدمات يتم في كثير من الأحيان بشكل متعمد كإجراء تنظيمي، حتى لا يتم استغلال المقابر كوحدات سكنية للأحياء في ظل أزمة الإسكان.
وأرجعت «عبد الحميد» الارتفاع الكبير في أسعار المقابر إلى عدة أسباب، أبرزها التضخم العقاري وارتفاع أسعار الأراضي بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تراجع طرح المقابر المدعومة من قبل المحافظات، والتي كانت تخصص سابقا للمواطنين بمبالغ رمزية مقارنة بالأسعار الحالية. وتؤكد «عبدالحميد» أنه ظل هذا الواقع تبقى المقابر شاهدا على مفارقة لافتة في المجتمع، فبينما كان القبر عبر التاريخ رمزا للمساواة بين الناس، ونهاية تتلاشى عندها الفوارق الطبقية، بدأت بعض المظاهر الحديثة تعيد إنتاج تلك الفوارق حتى بعد الموت، وبين دعوات الالتزام ببساطة القبور كما جاءت في تعاليم الشريعة الإسلامية، وبين واقع سوق يزداد فيه الطلب وترتفع فيه الأسعار بصورة غير مسبوقة، يظل السؤال مطروحا: هل تحولت المقابر من دار للعظة والاتعاظ إلى مجال جديد للمباهاة الاجتماعية والاستثمار العقاري؟ أم أن المجتمع سيعود إلى جوهر الفكرة التي تجعل من القبر محطة للتذكر والتواضع، لا ساحة للتفاخر بعد الرحيل.



