الإسلام حفظ له حقوقه .. وكفالته ليست نشاطًا موسميًا

اليتيـــم .. يوم واحد لا يكفى

صورة توضيحية
صورة توضيحية

تستعد محافظات مصر بعد غدٍ فى الجمعة الأولى من شهر أبريل، للاحتفال بـ«يوم اليتيم»، فى مناسبة سنوية تتنوّع فىها أشكال الفعاليات والجهات المنظمة، كما تختلف أهدافها بين الترفىه عن الأطفال وإدخال السرور إلى نفوسهم، وبين السعي إلى جمع التبرعات لدعم احتياجاتهم الأساسية وتحسين أوضاعهم المعيشية.

وقد سبقت هذا اليوم حملات إعلامية وإعلانية مكثفة، دعت إلى المشاركة الواسعة فى دعم الأيتام، وحرص عدد كبير من نجوم الفن والشخصيات العامة على التواجد فى تلك الفعاليات، فى محاولة لمشاركة الأطفال لحظات الفرح والتعبير عن التضامن مع أوضاعهم الإنسانية. غير أن الصورة، رغم ما تحمله من نوايا نبيلة وقيم إنسانية رفىعة، ليست مكتملة على هذا النحو؛ إذ تكشف زوايا أخرى أقل حضورًا فى المشهد. 
فبالنسبة لبعض الأيتام، قد يُعيد هذا اليوم إلى الواجهة مشاعر الفقد، ويُعمّق الإحساس باليُتم بدلًا من التخفىف عنه، خاصة حين يُقدَّم لهم الاهتمام فى إطار موسمي أو بوصفهم موضع شفقة عابرة. كما يطرح هذا النمط من الاحتفاء تساؤلًا مهمًا حول اختزال مسئولية المجتمع تجاه الأيتام فى يوم واحد سنويًا، لا يعكس بالضرورة حجم احتياجاتهم ولا عمق التزامنا الحقيقي تجاههم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لهذا النهج؛ فالنوايا الحسنة، مهما بلغت، لا تكفى وحدها لضمان أثر إيجابي مستدام، ما لم تتحول إلى سلوك عملي دائم، قائم على الاستمرارية لا الموسمية.. فالقضية لا تتعلق بيوم احتفالي بقدر ما ترتبط بمنظومة متكاملة من الرعاية والاحتواء.
ففى هذا السياق، يؤكد المنظور الإسلامي أن كفالة اليتيم ليست مبادرة عابرة أو نشاطًا موسميًا، بل عبادة عظيمة ومسئولية ممتدة، لا يجوز اختزالها فى تقديم مساعدات مؤقتة أو زيارات محدودة.
 فاليتيم يحتاج إلى أكثر من دعم مادي؛ يحتاج إلى من يحتضنه إنسانيًا، ويتابع شئونه، ويُعنى بتربيته وتعليمه، ويمنحه الإحساس بالأمان والانتماء ورعاية متكاملة تُسهم فى بناء شخصية متوازنة، قادرة على مواجهة الحياة بثقة، والإسهام بفاعلية فى خدمة المجتمع عند بلوغ الرشد.

الشيخ علام شعبان :الاحتواء الكامل له منهج ربانى

 يقول الشيخ علام شعبان، مدير إدارة أوقاف قليوب، يجب أن نستفيد من رؤية د. شوقي علام، مفتي الديار المصرية الأسبق، التي تؤكد  أن رعاية الأيتام تتطلب احتواءً كاملًا، وأمنًا نفسيًا، وتعليمًا وتدريبًا مستمرًا، لضمان دمجهم فى المجتمع كأفراد فاعلين، وصون حقوقهم المادية والمعنوية، بما يحقق لهم حياة كريمة ومستقبلًا مشرقًا.
كما دعا الشيخ علام شعبان، جميع الجمعيات والمؤسسات إلى تحويل «يوم اليتيم» من مجرد مناسبة احتفالية عابرة إلى منصة حقيقية لرعاية الأيتام، وإلى الانتقال من ثقافة «الإحسان الموسمى» إلى منهج «الرعاية المتكاملة» الذي يحمي كرامة الأيتام ويضمن لهم مستقبلًا آمنًا ومستقرًا.
صورة مشرقة
ويوضح الشيخ علام شعبان، أن التكافل والتراحم من الصفات الكريمة والأصيلة التي يتصف بها أبناء الأمة الإسلامية، إذ يجسدان أسمى معاني التعاون الإنسانى فى مساندة الفئات الأكثر احتياجًا إلى الرعاية والعناية. 
مؤكدا أن كفالة الأيتام تُعد صورةً مشرقة من صور هذا التكافل، بما تحمله من معانى الرحمة والتعاون على البر والتقوى، لحماية هؤلاء الأطفال من المخاطر التي قد يتعرضون لها بعد رحيل آبائهم أو أمهاتهم، والأخذ بأيديهم لينشئوا نشأةً صالحة، ويكبروا رجالًا ونساءً مقبلين على الحياة بثقة وأمل، مشاركين بفاعلية فى تنمية أمتهم، نافعين لأنفسهم وأوطانهم.
 لذلك أمر الله عز وجل بالإحسان إلى الأيتام، وشرّفهم بأن جعل نبيَّنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم واحدًا منهم، وحثّنا على رعايتهم، ووعد من يكفلهم بالجنة ونعيم الآخرة ثوابًا عظيمًا على هذا العمل الجليل.
مرجع فقهى
ويشدد الشيخ علام شعبان على أن تصريحات وفتاوى د. شوقي علام تُعد مرجعًا فقهيًا وإنسانيًا شاملًا يُسهم فى تصحيح المسار فى التعامل مع ملف الأيتام، حيث أكد أن الاحتفالات الموسمية ينبغي أن تكون «جرس إنذار» يحفّز على العمل الجاد، لا مجرد مشهد ترفىهي عابر. 
كما أوضح أن كفالة اليتيم فى الإسلام عبادة جليلة وقُربة عظمى، تتطلب رعاية شاملة ومستمرة، ولا يجوز اختزالها فى تقديم المال أو الهدايا العابرة، أو فى مبادرات تنتهي بانقضاء يوم الاحتفال.
الدمج والاحتواء الكامل
ويرى الشيخ علام شعبان، استنادًا أيضا إلى رؤية المفتي السابق، أن حصر الاهتمام بالأيتام فى يوم واحد قد يُجدّد لديهم الإحساس بالفقد واليُتم، ويُرسّخ فى وجدانهم شعورًا بأنهم موضع شفقة مؤقتة، وهو ما يتنافى مع كرامتهم الإنسانية التي كفلها الشرع.
ويقول: لذلك أوضح د. شوقي علام أن المقصد الشرعي من الكفالة هو «الاحتواء الكامل»، ودمج اليتيم فى نسيج المجتمع كفرد فاعل ومنتج، مع التحذير من أي ممارسات قد تجرح كبرياء اليتيم، مؤكدًا أن «ستر اليتيم» وصون مشاعره جزء أصيل من جبر الخواطر الذي حثّ عليه الدين الإسلامي الحنيف.
تحقيق الأمن النفسي
كما ينقل الشيخ علام شعبان عن د. شوقي علام لفتته الفقهية المهمة، بأن الكفالة لا تسقط شرعًا ببلوغ اليتيم سن الرشد، بل تمتد لتشمل رعاية الفتيات حتى الزواج، والشباب حتى التمكين الاقتصادي والقدرة على الكسب الحلال، بما يضمن لهم حياة كريمة مستقرة. وأشار كذلك إلى فتواه بجواز منح الأيتام مجهولي النسب ألقابًا عائلية تحميهم من نظرات التنمر المجتمعي، وتحقق لهم «الأمن النفسي» دون اختلاط فى الأنساب، مؤكدًا أن الاستثمار فى تعليم اليتيم وتدريبه يُعد «الصدقة الجارية» الحقيقية التي تبني إنسانًا قادرًا على خدمة وطنه والمساهمة فى نهضته.
حرمة الاستغلال
ويؤكد الشيخ علام، على ما ذهب إليه المفتي السابق من حرمة المساس بأموال اليتامى أو استغلال حاجتهم فى الدعاية أو الترويج، داعيًا جميع الجمعيات والمؤسسات إلى تحويل «يوم اليتيم» من مجرد تظاهرة احتفالية إلى منصة حقيقية لتقديم كشف حساب سنوي عمّا قُدم من رعاية تربوية ونفسية واجتماعية. 
ويقول: فالنوايا الحسنة وحدها لا تكفى لضمان نتائج إيجابية، ما لم تُترجم إلى سلوك عملي مستدام يمتد طوال العام، للانتقال من ثقافة «الإحسان الموسمى» إلى منهج «الرعاية المتكاملة»، الذي يجعل من اليتيم لبنة صالحة فى بناء المجتمع، انطلاقًا من المفهوم النبوي الشريف الذي ربط بين مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم فى الجنة، والملازمة فى رعاية اليتيم وصون حقوقه المادية والمعنوية.

 

د. فتحية الحنفى :رعايته  واجب دينى وأخلاقى

تقول د. فتحية الحنفى، أستاذ الفقه بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر الإسلام رعاية اليتيم والإحسان إليه مقياس حقيقي لصدق الإيمان، ودليل على نقاء القلب ورحمة النفس، حتى قرن الله تعالى الإحسان إليه بعبادته وتوحيده، فى دلالةٍ واضحةٍ على علوّ شأنه وعظيم قدره. 
ولم يكتفِ الإسلام بالدعوة إلى كفالة اليتيم ماديًا فحسب، بل أحاطه بسياجٍ متكامل من الرعاية النفسية والاجتماعية والإنسانية، حفاظًا على كرامته، وجبرًا لخاطره، وتعويضًا له عمّا فقده من حنان الأب وسنده. كما جعل الإحسان إليه طريقًا للفوز بمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم فى الجنة، ليؤكد أن رعاية اليتيم ليست عملًا عابرًا، بل عبادةٌ عظيمة، ومسئوليةٌ مستمرة، تعكس جوهر الرحمة التي جاء بها الإسلام.

وتوضح د. فتحية أن المولى عز وجل قرن عبادته بالإحسان إلى اليتيم، مما يدل على عظيم مكانته ورفعة شأنه، حيث قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين)، وهو تشريفٌ عظيمٌ يضع الإحسان إلى اليتيم فى مرتبة تلي مباشرة عبادة الله فى الإسلام.
رعايته وحفظ حقوقه
وتشدد د.فتحية، على الإسلام قد أولى اليتيم عنايةً بالغة، فجاء ذكره فى مواضع عديدة من القرآن الكريم، بلغت نحو ثلاثة وعشرين موضعًا، كلها تدعو إلى رعايته، وحفظ حقوقه، والإحسان إليه، وتحذر من قهره أو إذلاله، قال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) (الضحى: 9).
وفى هذه الآية توجيه إلهي للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين من بعده، بعدم قهر اليتيم أو إذلاله أو ظلمه، بل بالإحسان إليه، والتلطف به، وتطييب خاطره، تعويضًا عمّا فقده من حنان الأب ورعايته.
ومن مظاهر عناية الشريعة الإسلامية باليتيم، أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد كافل اليتيم بمكانة عظيمة، حيث قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة»، وأشار بالسبابة والوسطى، فى دلالةٍ واضحةٍ على علو المنزلة وقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واجب دينى وأخلاقى
وتؤكد د.فتحية الحنفى أن كفالة اليتيم تُعد واجبًا دينيًا وأخلاقيًا على كل من استطاع حمل هذه الأمانة، لما لها من أثرٍ نفسي وديني عميق على اليتيم. فالكفالة لا تقتصر على تقديم المال فقط، بل تشمل حسن الرعاية، والتربية السليمة، وتعليمه أمور دينه ودنياه، ودعمه نفسيًا، وتوفىر حياة كريمة له من مأكل ومشرب ومسكن ورعاية صحية، مع تجنب قهره أو إذلاله أو إهماله، خاصة فى جانب التعليم.
وتضيف: أن من تمام الكفالة حفظ مال اليتيم إن كان له مال، والعمل على تنميته واستثماره بما يعود عليه بالنفع، فإذا بلغ سن الرشد وثبت حسن تصرفه، وجب تسليم ماله إليه، امتثالًا لقول الله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ...) «النساء». وفى واقعنا المعاصر، يواصل القائمون على دور رعاية الأيتام جزاهم الله خيرًا بذل جهودٍ كبيرة لرعاية هؤلاء الأبناء، وتوفىر بيئة مناسبة لهم، حتى ينشأوا أفرادًا صالحين نافعين لوطنهم.
دمجهم فى المجتمع
وتشير د . فتحية، إلى أن الاحتفال بيوم اليتيم، رغم أهميته، يظل محدود الأثر إذا اقتصر على يومٍ واحد، إذ سرعان ما ينتهي الاهتمام، مما قد يزيد من الألم النفسي لدى اليتيم. 
فاليتيم لا يحتاج إلى اهتمامٍ مؤقت، بل إلى رعايةٍ مستمرة تُشعره بالتقدير والحب والانتماء.
وتؤكد أن من الواجب أن يمتد الاهتمام بالأيتام طوال العام، من خلال زيارات منتظمة، ودعم نفسي مستمر، وتقديم الهدايا، والعمل على دمجهم فى المجتمع، حتى يشعروا بأنهم جزء أصيل منه، ويكبر لديهم الإحساس بالانتماء لوطنهم.
كما تلفت إلى أن الأيتام كثيرًا ما يعيشون حالة من القلق والخوف من المستقبل، وهنا يأتي دور المجتمع فى طمأنتهم، ومنحهم ما يحتاجون إليه من دعمٍ معنوي ونفسي.
 وقد قدم الإسلام اليتيم فى أسمى صورة إنسانية، فلم ينظر إليه كضحية، بل كإنسانٍ له كرامته ومكانته، قال تعالى: "وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ"، وهي آية تحمل فى طياتها أرقى معاني الإنسانية، وتطيب خواطرهم، وتؤكد أنهم إخوة فى الدين.
وتقول: من هنا، فإن واجب المجتمع أن يُنشئ علاقات إنسانية صادقة مع الأيتام، قائمة على الرحمة والاحترام، وألا يتركهم فريسةً للشعور بالوحدة أو الضعف، بل يعمل على إزالة هذا الإحساس، وبث الطمأنينة فى نفوسهم. 
استمرار الدعم والرعاية
وتختتم د. فتحية، حديثها بالتأكيد على أن الاهتمام الذي يظهر فى يوم اليتيم يجب أن يتحول إلى سلوكٍ دائم فى المجتمع، بحيث يستمر الدعم والرعاية والحنان، فليس المال وحده ما يحتاج إليه اليتيم، بل يحتاج إلى من يحتويه نفسيًا واجتماعيًا، ويشعره بأنه جزء من هذا المجتمع. وتقول: فعندما نحسن معاملته، ونمنحه الحب والرعاية، ينشأ سويًّا مطمئنًا، بعيدًا عن مشاعر الحقد أو العدوان، ليصبح شخصا إيجابيًا فاعلًا فى بناء مجتمعه. 
لذلك يجب العمل الجاد على توفىر بيئة مناسبة لليتيم، بيئة تحتضنه وتمنحه الإحساس بالأمان والانتماء، فلابد أن ندرك جيدًا أن البيئة المحيطة به تُسهم إسهامًا مباشرًا فى بناء وتشكيل شخصيته.
 فإذا كانت بيئة صالحة، تقوم على التوجيه السليم، والاهتمام الحقيقي، وتهذيب السلوك، وغرس القيم النبيلة، نشأ اليتيم متوازنًا، قويّ النفس، قادرًا على مواجهة الحياة بثقة وأمل.
 أما إذا كانت بيئة غير صالحة، يعاني داخلها من الإهمال أو القسوة أو الظلم، فإنه ينشأ بشخصية مضطربة، مثقلة بالجراح النفسية، تعوق نموه السليم، وتفقده التوازن بين جوانب شخصيته المختلفة.

 

أميمة رفعت وكيل وزارة التضامن الاجتماعى : رسالة تضامن لفئة غالية على نفوسنا

تشير أميمة رفعت، وكيلة وزارة التضامن الاجتماعي بالقليوبية، إلى أن الاحتفال بيوم اليتيم، الذي يوافق الجمعة الأولى من شهر أبريل، يعد «رسالة تضامن» ورمزًا للاهتمام المجتمعي بهذه الفئة الغالية.
وتشدد على أن الرعاية لا تقتصر على هذا اليوم فقط، بل هي عمل مستمر على مدار العام، بهدف دمج الأطفال الأيتام فى المجتمع ليكونوا أعضاء فاعلين ومؤثرين، وأن كافة الفعاليات التي تُنظم فى المحافظة بالتنسيق مع الجمعيات الأهلية تهدف إلى رسم البسمة على وجوه الأطفال وإشعارهم بأن المجتمع كله أسرة واحدة لهم.
وتدعو أميمة رفعت المواطنين والجمعيات الأهلية إلى استمرار الدعم والتواصل مع دور الأيتام طوال العام، وليس فى شهر أبريل فقط، مؤكدة أن الأطفال يحتاجون إلى الشعور بالأمان والحنان بشكل دائم، وأن نجاح أي منهم فى دراسته أو عمله يمثل النجاح الحقيقي لوزارة التضامن الاجتماعي.
 و​تؤكد أميمة، أن مديرية التضامن تولي اهتماماً بالغاً بتنفيذ توجيهات الدولة بضرورة رعاية الأيتام وتوفير سبل الدعم النفسي والاجتماعي لهم،  مشيرة إلى أن الاحتفال بيوم اليتيم الذي يوافق الجمعة الأولى من شهر أبريل من كل عام، وتقول: الاحتفال يعد «رسالة تضامن» ورمزا لاهتمام المجتمع بهذه الفئة الغالية.
 وتوضح، أن الرعاية لا تقتصر على هذا اليوم فحسب، بل هي عمل مستمر على مدار الـ 365 يوماً، حيث إن هدف المديرية الأساسي هو “دمج الأطفال الأيتام فى المجتمع” ليكونوا أعضاءً فاعلين ومؤثرين.
وفيما يخص الجانب الرقابي، تشدد وكيلة الوزارة، على أن هناك “لجان تفتيش ومتابعة” تجوب دور الرعاية بصفة دورية ومفاجئة، للوقوف على مستوى الخدمات المقدمة للأبناء. ولا تهاون مع أي تقصير يمس سلامة الأطفال أو جودة معيشتهم.
 وأوضحت أن هناك عملا دائما لتطوير البنية التحتية لعدد من دور الرعاية لضمان بيئة آمنة وصحية، لافتة إلى أن الوزارة تضع ضوابط صارمة لاختيار المشرفين والقائمين على رعاية هؤلاء الأطفال لضمان التعامل التربوي السليم
توفير «الرعاية اللاحقة»
​وعن رؤيتها للفعاليات، تقول أميمة رفعت: نحرص على تنوع الأنشطة ما بين «ترفيهية، وثقافية، ورياضية»، حيث يتم تنظيم رحلات للمتنزهات العامة وتوزيع الهدايا والملابس الجديدة، وعلى «التكريم»، حيث يتم الاحتفاء بالأطفال المتفوقين دراسياً ومن حفظة القرآن الكريم، لبث روح العزيمة والإصرار فى نفوسهم، وتقول: إن هؤلاء الأبناء هم أمانة فى أعناقنا جميعاً، وأن التضامن الاجتماعي بالقليوبية  تسعى جاهدة  لتوفير «الرعاية اللاحقة» للشباب والفتيات من أبناء دور الرعاية بعد بلوغهم السن القانونية، من خلال مساعدتهم فى إيجاد فرص عمل وتوفىر مستلزمات الزواج للفتيات، لضمان استمرار الاستقرار الاجتماعي لهم فى حياتهم المستقبلية.
استمرار الدعم والتواصل
​وتختتم وكيلة وزارة التضامن الاجتماعي، حديثها، بالتأكيد على الدور المحوري للمجتمع المدني، قائلة إن «الجمعيات الأهلية» هي الشريك الأصيل للمديرية فى إنجاح احتفالات يوم اليتيم وفى تقديم الدعم المستدام، داعية المواطنين والجمعيات إلى استمرار الدعم والتواصل مع دور الأيتام طوال العام وليس فى شهر أبريل فقط، لأن الطفل اليتيم يحتاج إلى الشعور بالأمان والحنان بشكل دائم، مؤكدة أن الدولة لن تدخر جهداً فى حماية حقوق الأيتام وتوفىر كافة الإمكانيات التي تضمن لهم غداً أفضل، معتبرة أن نجاح أي طفل من أبناء دور الرعاية فى دراسته أو عمله هو «النجاح الحقيقى» لوزارة التضامن الاجتماعي.

الشيخ محمد بدوى : إكرامه لا يحتاج إلى منّ ولا أذى

يقول الشيخ محمد محمدي بدوي، إمام وخطيب مسجد الحسين بمحافظة السويس، إن بعض الجمعيات والأشخاص قد يستغلون صور الأيتام خلال هذه الاحتفالات لإظهار حزنهم وجذب التعاطف على حساب كرامتهم، وهو الأمر الذي لا يقره الشرع ، كما أوضح أن الكفالة الحقيقية تعني شعور اليتيم بأنه قريب منا، وأن إكرامه يتم بلا منّ ولا أذى، وأن تقديم الخير للأطفال يجب أن يتم بصدق النية وإخلاص العمل. يشدد الشيخ محمد محمدي بدوي، إمام وخطيب مسجد الحسين بمحافظة السويس، على أن الاحتفال بيوم اليتيم يجب أن يكون مناسبة لرسم البسمة وإدخال السعادة على نفوس الأطفال، وليس فرصة لاستغلالهم.
ويوضح أن بعض الجمعيات والأشخاص يستغلون قد صور الأيتام خلال هذه الاحتفالات لإظهار حزنهم وجذب التعاطف على حساب كرامتهم، وهو ما لا يقره الشرع ولا ينسجم مع القيم الإنسانية. ويشير، إلى أن الإسلام يحث على حفظ الكرامة الإنسانية، وأن أي تصرف يسبب للطفل شعورًا بالمهانة أو الإذلال يعد إيذاءً معنويًا محرمًا، حتى لو كان الهدف جمع التبرعات، مؤكدًا أن الغاية لا تبرر الوسيلة.
الكفالة المستمرة أفضل
ويوضح الشيخ محمدي، أن الكفالة الحقيقية تعني شعور اليتيم بأنه قريب منا، وأن إكرامه يتم بلا منّ ولا أذى، مستشهدًا بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).
ويقول: أن الإحسان الموسمى مأجور، لكن الكفالة المستمرة أعظم أثرًا لأنها تمنح الأطفال استقرارًا نفسيًا ومعنويًا، موضحًا: «دوام الإحسان، وإن قل، أفضل من العطاء الكبير المنقطع، فقليل دائم يبني حياة الطفل ويمنحه الثقة والاستقرار».
بناء إنسان
ويشير الشيخ محمدي، إلى أن الاقتصار على الدعم المادي وحده لا يكفي، فالشريعة لم تكتفِ بإطعام اليتيم، بل أمرت بالإحسان إليه قولًا وفعلاً، مستشهدًا بالآية: «فأما اليتيم فلا تقهر».
وينوه أن اليتيم يحتاج إلى التربية والتوجيه والاحتواء النفسي والاجتماعي، لضمان تنشئته فى بيئة متوازنة، بعيدًا عن أي شعور بالنقص أو الشفقة. وأضاف بقوله: إن الإحسان يشمل تطوير شخصيته، ومتابعته دراسيًا وتربويًا، لأن الهدف من الكفالة هو بناء إنسان قادر على مواجهة الحياة بثقة واستقرار، وليس مجرد عطاء مؤقت.
  استغلال مرفوض
واختتم الشيخ محمدي، حديثه بتحذير لمن يتاجرون بهموم الأيتام وأحزانهم، قائلاً: «اتقوا الله فيمن أوصى بهم نبيكم، فاليتيم ليس وسيلة للدعاية ولا مادة لجذب التعاطف، بل إنسان له حق فى الستر والاحترام». 
وشدد على أن تقديم الخير للأطفال يجب أن يتم بصدق النية وإخلاص العمل، بعيدًا عن أي استثمار لمعاناتهم فى مشاهد تستغل يوم الاحتفال، مؤكدًا أن الحفاظ على الإنسانية والكرامة هو السبيل لتحقيق أثر حقيقي ومستدام من أي رعاية أو كفالة.

 

د. إسماعيل زين خضر: الاهتمام العابر يوقظ فى نفسه مشاعر الفقد

يقول د. إسماعيل زين خضر، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف إن اليتيم لا يحتاج إلى من يُذكِّره بأنه يتيم، ولا إلى يومٍ يُخصَّص ليجتمع فىه الناس حوله؛ سواء كانوا بالفعل مخلصين يسعون لنيل الثواب الكبير والتقرّب إلى الله بالعمل الصالح، أو كانوا ممن يسعون إلى المظهرة الاجتماعية. لافتا إلى أن الفريقان، على اختلاف نواياهم، يجدِّدون فى هذا اليوم لليتيم أحزانه، ويوقظون داخله مشاعر الفقد، مشدِّدًا على أن اليتيم لا يحتاج إلى اهتمامٍ عابر أو عاطفةٍ مؤقتة، بل يحتاج إلى من يتابعه بحرصٍ وعناية، ويشاركه تفاصيل حياته يومًا بيوم؛ فهو فى أمسِّ الحاجة إلى دعمٍ حقيقيٍّ ومستمرٍّ يرسِّخ فى نفسه الطمأنينة، ويمنحه الأمان، ويفتح أمامه أبواب الأمل فى مستقبلٍ أفضل.
يقول د. إسماعيل زين خضر: وُلد رسولنا الحبيب "صلى الله عليه وسلم" يتيمًا، فتولَّاه ربُّه وآواه منذ أول لحظةٍ له فى الوجود، فنشأه تنشئةً كريمةً، تحمل كل صفات الجلال والجمال والكمال، وتربَّى فى أسمى المراتب وأعلى الدرجات.
سبب دخول الجنة
ويوضح د. إسماعيل زين خضر أن الإسلام حثَّ على رعاية اليتيم والاهتمام بشئونه، وأن النبي "صلى الله عليه وسلم" لم يكتفِ بالدعوة النظرية إلى ذلك، بل رسَّخ هذا المعنى عمليًا حين قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة»، وأشار بالسبابة والوسطى (متفق عليه). وقد قال ابن بطّال: حقٌّ لمن سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفىق النبي صلى الله عليه وسلم فى الجنة، ولا منزلة فى الآخرة أفضل من ذلك.
وفى حديثٍ آخر، ذُكرت الأرملة التي أرادت أن تسبقه إلى دخول الجنة بسبب رعايتها لأطفالها اليتامى، فى دلالةٍ واضحة على عِظَم هذا الأجر ورفعة شأنه. مشيرًا إلى عِظَم هذا الأجر، حتى قال العلماء: يكفى هذا الحديث دافعًا قويًا لكل من يرجو مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم فى أعلى درجات النعيم.  كما جسَّد الصحابة هذا المعنى واقعًا حيًّا وسلوكًا يوميًا، ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، الذي كان لا يأكل حتى يُجلس معه يتيمًا أو مسكينًا، فى صورةٍ صادقةٍ ومؤثرة من صور الرحمة الحقيقية والتكافل الإنساني.
تجدد مشاعر الفقد
ويشير د. إسماعيل خضر إلى أن ما نشهده من مظاهر احتفالية بيوم اليتيم، رغم ما تحمله من نوايا طيبة، قد تتحول دون قصد إلى عبءٍ نفسي على اليتيم؛ إذ يذكِّره بواقعه، ويجعله محور شفقةٍ مؤقتةٍ تتلاشى بانتهاء اليوم.
 ويقول: فبعض هذه الممارسات، وإن بدت إنسانيةً فى ظاهرها، قد تُجدِّد فى نفسه مشاعر الفقد، حين يرى هذا الاهتمام المكثَّف ليومٍ واحد، ثم يختفى تمامًا بقية العام، وكأن الاهتمام به كان لحظةً عابرة لا تمتد فى حياته.  كما أن رعاية اليتيم لا ينبغي أن تُختزل فى مناسبةٍ أو هديةٍ عابرة، بل هي التزامٌ أخلاقيٌّ وإنسانيٌّ مستمر، يتطلب حضورًا دائمًا، ورعايةً شاملةً تحفظ كرامته، وتبني شخصيته، وتمنحه الأمل فى مستقبلٍ أفضل.
متسائلًا: كيف نرجو رضا الله ونطلب دوام الطاعة، ونحن لا نداوم على الإحسان إلى الأيتام، بل نقصره على يومٍ واحدٍ فى العام؟! 
فاليتيم لا يحتاج إلى من يُذكِّره بأنه يتيم، ولا إلى يومٍ يُخصَّص ليجتمع فىه الناس حوله؛ لأن هذا التذكير المتكرر لا يزيده إلا ألمًا، ولا يضاعف إلا إحساسه بالفقد، خاصة حين يشعر أن ظروفه هي التي جذبت إليه أصحاب القلوب الرحيمة بهداياهم وعطاياهم الرمزية، ثم ينصرفون عنه وقد رضيت نفوسهم واطمأنت، بينما يتركونه باقي أيام العام لا يجد من يتابع شئونه بحرصٍ وعناية، ولا من يمدّه بالدعم الحقيقي والمستمر الذي يحتاجه.
واجبه ومسئولية
ويضيف د. إسماعيل، قائلًا: إن ما يحدث كل عام فى يوم اليتيم من صخبٍ، وحملاتٍ إعلاميةٍ وإعلانيةٍ ضخمةٍ ومكثفة، قد يجعل اليتيم يصاب بالدهشة من هذا الكم الهائل من الاهتمام الذي يحظى به فى يومٍ واحد فقط من أيام السنة؛ حيث يأتي إليه الناس من مختلف الفئات والمستويات، يقدمون له الهدايا والملابس والتبرعات المادية والعينية، ويلتقطون الصور معه، ثم يغيبون عنه مرةً أخرى طوال العام. 
وحقيقةً، لا أعلم كيف اختزلنا حق اليتيم فى يومٍ واحد فقط، وما إن تغيب شمس هذا اليوم حتى يغيب معه ذكره، وكأن المسئولية قد أُدِّيَت، والواجب قد انتهى.
رؤية إسلامية متكاملة
ويشدد د. إسماعيل، أن العناية والاهتمام باليتيم فى الإسلام ليس خيارًا يُؤخذ به أو يُترك، ويقول: بل هو واجبٌ راسخٌ ومسئوليةٌ أصيلة، تعكس جوهر هذا الدين القائم على الرحمة والتكافل والإحسان، خاصةً تجاه الضعفاء والمحتاجين.  ويكشف هذا الاهتمام عن رؤيةٍ إسلاميةٍ متكاملة لبناء مجتمعٍ متماسك، لا يُهمَّش فىه اليتيم ولا يُترك لمواجهة قسوة الحياة وحده، بل يجد من يحتضنه ويكفله ويرعاه؛ فىنشأ سويًّا متوازنًا، ممتلئًا بالأمل، وقادرًا على أن يكون عنصرًا فاعلًا ومؤثرًا فى مجتمعه.

 

أ. د. رضا الدقيقى :صياغة خطاب تربوى لصنع إنسان متوازن

برغم ما يحمله «يوم اليتيم» من دلالات إنسانية وآثار إيجابية، فإنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الواجب المستمر، بل إلى نقطة انطلاق نحو التزام دائم، يعيد توجيه الجهود من الاحتفال المؤقت إلى بناء إنسان حقيقي قادر على الاندماج والإسهام فى مجتمعه. هذا ما أكده د. رضا الدقيقي أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر بطنطا، موضحا أنه تُقاس رعاية الأيتام بوهج يوم واحد مهما اتسع صداه، فـ «يوم اليتيم» يلفت الانتباه، لكنه لا يصنع إنسانا متوازنًا ولا يبني شخصية قادرة على مواجهة تحديات الحياة. 
كما شدد على ضرورة إعادة صياغة الخطاب التربوي تجاه الأيتام، بحيث يُرسّخ قناعة أن اليتيم ليس مشروع إعانة، بل مشروع بناء إنساني متكامل، يحتاج إلى رعاية تُنمّي قدراته وتُعزز ثقته بنفسه. يؤكد د. رضا الدقيقي، أن ليوم اليتيم آثارا إيجابية إذا أحسن تنظيمه وإدارته، ويقول: فهو يشعر الطفل أنه حاضر فى وعي المجتمع، ويتيح له لحظات فرح وانتماء، ويكسبه خبرات اجتماعية خارج محيط المؤسسة لكن علينا ألا نحوله إلى بديل عن الواجب المستمر من قبل المجتمع.  وهذا اليوم إذا أدير بطريقة خاطئة فقد يرسخ شعور الشفقة المؤقتة؛ التي تؤذي الطفل نفسيًا أكثر مما تنفعه.  وتحصل الإدارة الخاطئة حين يُقدَّم الطفل بوصفه «موضوعًا للشفقة» أمام الكاميرات، أو تُوزَّع الهدايا فى مشهد استعراضي؛ وبعدها يعود الطفل إلى الفراغ العاطفى الذي عاناه قبل الاحتفال، أو يُختزل الأمر فى مبلغ شهري أو هدية موسمية.
نافذة لسياسات مستمرة
ويوضح، د. رضا الدقيقي، أنه يجب أن يكون  يوم الاحتفال بــ «يوم اليتيم» نافذة لسياسات مستمرة لا تعويضًا عنها. فىجب أن ينبثق عنه رعاية تربوية ونفسية مستمرة ليتوسع مفهوم الكفالة من «إعطاء مؤقت» إلى «مرافقة».. ويقول: إن الكفالة الحقيقية تشمل تعليما منتظما، ومتابعة دراسية، ودعما نفسيا عبر مختصين أو مرشدين، وتوفىرَ نموذج قدوة ثابت، وبرنامج نمو سنوي، وتقييم نفسي دوري، وبناء مهارات الحياة لتشمل: (القرار، والحوار، وإدارة الانفعال). 
معاناة التهميش الخفى
 ويشير، د .رضا الدقيقي، أنه ما زال الترابط الأسري فى القرية المصرية موجودا نسبيا؛ يحمي اليتيم من العزلة لكنه لم يعد بقوته القديمة.. ويقول: لقد كانت القرية المصرية توفر احتضانًا اجتماعيًا ورقابة جماعية وتعويضًا جزئيًا عن غياب الوالدين أو أحدهما. لكن حدثت تحولات منها الضغوط اقتصادية، وتقلص العائلة الكبيرة، وتغير أنماط السكن والهجرة، وزيادة النزعات الفردية. ونتج عن هذا بقاء اليتيم داخل الأسرة؛ لكنه يعاني من التهميش الخفى، والتفاوت فى المعاملة، والشعور بأنه عبء. لذا فالوعي التربوي مهم جدا إلى جانب الانتماء الأسري.
تغيير نظرة المجتمع
ويطالب د. رضا الدقيقي، بضرورة تغيير نظرة المجتمع لليتيم من (محتاج للعطف) إلى طاقة بشرية منتجة؛ وذلك بتجاوز الخطأ المجتمعي الذي يربط اليتيم دائمًا بالحرمان.. ويقول:والواجب النظر إليه بوصفه: إنسانًا يمتلك قدرة وموهبة ومشروع حياة. 
ويجب كذلك إبراز نماذج ناجحة خرجت من ظروف يتم.

د. نهلة أمين : نحتاج لتحول فى طريقة تفكيرنا من الشفقة إلى التمكين

تقول د.نهلة أمين، معالج نفسى معتمد بوزارة الصحة فى كل عام، تتجه الأنظار إلى «يوم اليتيم» بوصفه مناسبة إنسانية تهدف إلى إدخال السرور على قلوب الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما. تتزين القاعات، تُوزع الهدايا، وتُلتقط الصور المليئة بالابتسامات. لكن خلف هذه المشاهد، يطرح سؤال نفسي عميق نفسه: هل يكفى يوم واحد لصناعة الأمان النفسي لطفل فقد سندًا أساسيًا فى حياته؟
حالة تستحق الحزن
وتؤكد د. نهلة نظرات الشفقة التي قد يلمحها الطفل فى عيون الآخرين، حتى وإن كانت غير مقصودة، تترك أثرًا عميقًا. فالطفل لا يرى نفسه "ناقصًا" بطبيعته، لكنه يتعلم ذلك من نظرة المجتمع إليه.حين يُعامل باعتباره حالة تستحق الحزن، لا الاحترام، يبدأ فى بناء صورة ذاتية هشة قائمة على الضعف لا القوة. والنتيجة؟ طفل قد يكبر وهو يشعر أنه أقل من الآخرين، حتى دون سبب حقيقي.
شخصية متزنة لليتيم
وتشير د. نهلة إلى أن زحام الاحتفالات، والأسئلة المتكررة، والمقارنات غير المباشرة قد تُعيد تذكير الطفل بفقده. بدلاً من أن يكون اليوم مساحة للفرح، قد يتحول إلى لحظة استدعاء للحزن القديم، خاصة إذا لم يُراعَ الجانب النفسي فى طريقة التعامل معه.
 وتشدد د. نهلة، إلى أنه لا يمكن تعويض فقد الأب أو الأم بشكل كامل، لكن يمكن بناء بدائل نفسية صحية تساعد الطفل على النمو بشكل متوازن، مثل: وجود شخص ثابت فى حياته يمثل مصدر أمان (مربي، قريب، معلم). وتوفىر بيئة مستقرة يشعر فىها بالانتماء وليس بالاختلاف.
وحول كيفىة بناء شخصية متزنة لطفل اليتيم، تقول د. نهلة: نحتاج إلى تحول فى طريقة تفكيرنا نحن قبل أي شيء: من الشفقة إلى التمكين: نركز على قدراته لا فقده. ومن العطاء الموسمي إلى الدعم المستمر: العلاقة أهم من الهدية. ومن التمييز إلى الدمج: لا نعامله كحالة خاصة، بل كفرد طبيعي له احتياجاته. ومن الحماية الزائدة إلى الاستقلال: نمنحه فرصة التجربة والخطأ.
الطفل اليتيم لا يحتاج أن نشعره بأنه مختلف، بل أن نؤكد له أنه قادر.
وفى الختام تؤكد د. نهلة أن يوم اليتيم ليس خطأ لكنه غير كافٍ، والاهتمام الحقيقي لا يُقاس بعدد الهدايا، بل بعمق العلاقة واستمراريتها. فالطفل الذي فقد سندًا، لا يحتاج يومًا يعوضه، بل يحتاج حياة يشعر فىها أنه ليس وحده. لأن الاحتفال الحقيقي باليتيم هو ألا نتركه بعد انتهاء الاحتفال.

 

 

 


 

 

ترشيحاتنا