بقلم: نيفين ياقوت
كان أويس رجلًا فقيرًا من أهل اليمن، وتحديدًا من قبيلة قَرَن، عاش في زمن النبي سيدنا محمد ﷺ، لكنه لم يره أبدًا، ولذلك يُعد من التابعين وليس من الصحابة. وكان لديه أم كبيرة في السن ومريضة، وكانت تحبه حبًّا شديدًا ولا تتحمل فراقه عنها أبدًا، فاختار البقاء لخدمتها بدل السفر إلى المدينة لرؤية النبي ﷺ، رغم أنه كان شديد الشوق واللهفة للقاء رسول الله الذي آمن به وبرسالته، وصلح إسلامه ويقينه بالله عز وجل.
لكن الشيء العجيب أنه اكتسب مكانة عظيمة عند الله تعالى بسبب بره الكبير لوالدته والتخلي عن كل شيء في سبيل خدمتها ورعايتها، فلقد أخبر سيدنا جبريل عنه للنبي ﷺ برغم أنه لم يقابل أويس، الأمر الذي جعل النبي ﷺ يتحدث عنه ويُوصي به، فقال لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما:
"يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن… من لقيه منكم فليطلب منه أن يستغفر له."
وكان السبب في هذه المكانة هو بره العظيم بأمه، وإخلاصه الشديد لله ورسوله؛ فقد كان يخفي عبادته ولا يحب الشهرة، وعُرف عنه الزهد في الدنيا، وعاش بسيطًا لا يطلب مالًا ولا منصبًا. وقصة لقائه مع عمر بن الخطاب تؤكد ذلك، فبعد وفاة النبي ﷺ، كان عمر ينتظر قدوم أهل اليمن في موسم الحج، يسأل عن أويس، حتى وجده يومًا بين الناس، رجلًا بسيطًا غير معروف، فعرفه عمر من الصفات التي وصفها لهم النبي ﷺ، فقد كانت له علامة في إصبعه تميّزه عن غيره، فطلب منه أن يستغفر له!
تخيل: خليفة المسلمين يطلب الدعاء من رجل فقير مجهول! لكن أويس، من شدة تواضعه، كان يحاول الهروب من الشهرة.
إن أهم الدروس من هذه القصة تعلمنا أن بر الوالدين أعظم من كثير من الطاعات، فقد فضّل أويس خدمة أمه على لقاء النبي نفسه.
القيمة عند الله ليست بالمظهر ولا الشهرة.
وتعلّمنا أيضًا أن أعظم الناس قد يكون مجهولًا بين الناس، وأن الإخلاص يرفع قدر صاحبه.
وأخيرًا، لا أملك إلا أن أقول إن أويس بن القرني أعتبره النموذج المثالي لمن أراد البر بأمه، فلقد ضحى بأغلى أمنيّة يتمناها كل محب لرسول الله ﷺ.



