مشروبات الطاقة ..فخ الألوان ينهش أجساد أبنائنا

مشروبات الطاقة
مشروبات الطاقة

بين رفوف المتاجر، تبرز علب معدنية بألوان صاخبة وتصاميم تخطف الأبصار، تروج لوعود براقة بـ «طاقة لا تنفد» و قوة خارقة لا تُهزم أصبحت هذه المشروبات أيقونة جيل يبحث عن اليقظة السريعة والنشاط الزائد، لكن خلف هذا الستار الجذاب تكمن «قنبلة موقوتة» تحتوي على نسب عالية من الكافيين والسكريات، التي لا تكتفي بتهديد عضلة القلب، بل تمتد لتنخر في صمت داخل الهيكل العظمى، وتستنزف سلامة العيون والاتزان النفسى.
هذه الظاهرة أصبحت خطرًا داهماً يطرق أبواب كل بيت،
ومع تزايد التساؤلات حول حقيقة هذه المشروبات، فتحت «اللواء الإسلامي» هذا الملف الشائك فى هذا التحقيق:

بدايةً، وضع د. حبيب كرم، استشاري الباطنة، يده على مكمن الخطر، موضحًا أن مشروبات الطاقة تؤدي إلى أضرار جسيمة لاحتوائها على نسب كافيين وسكريات تتجاوز بمراحل حاجة الجسم اليومية.
وأضاف د. كرم: إن أبرز هذه المخاطر يتمثل في مشاكل القلب، من تسارع الضربات وارتفاع ضغط الدم، وصولًا إلى الأرق والجفاف ومشاكل الجهاز الهضمي وآلام المعدة، محذرًا من أن الإفراط في هذه المشروبات يرفع خطر الإصابة بالسمنة ومقاومة الأنسولين (السكري من النوع الثاني). 
ويكشف الاستشاري عن وجه آخر للخطر، وهو احتواء هذه المشروبات على منشطات مثل «الجوارانا» و«التورين»، مشيرًا إلى أن هذا المزيج يتسبب في رفع ضغط الدم حتى لدى الأطفال الأصحاء، ويسبب عدم انتظام ضربات القلب لدى الصغار الذين يعانون من مشكلات صحية مسبقة.
 ويختتم تحذيره بأن السكر الزائد يغير تدفق الدم بمرور الوقت، مؤكدًا أن الاستهلاك المعتدل قد لا يقتل، لكن «الإفراط» هو العدو الحقيقي. كما نبه إلى أن الكافيين المدر للبول يجهد الكلى ويؤدي إلى تلف أوعيتها الدموية الصغيرة، محطّمًا أسطورة «الترطيب» التي يروج لها البعض.
هشاشة
بينما وصف د. محمد نجاتي، استشاري العظام بطب الأزهر، حموضة هذه المشروبات بـ«اللص الخفي» الذي يُضعف العظام بصمت، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في الكافيين وحده، بل في مستوى الحموضة (الرقم الهيدروجيني pH) الذي يتراوح في معظم هذه المشروبات بين 1.5 و3.3، وهو مستوى يقارب حموضة الخل، وأقل بكثير من النطاق الآمن للفم والجسم.
ويضيف د. نجاتى: هذه الحموضة لا تهيج المعدة فحسب، بل تُخلّ بتوازن درجة الحموضة الدقيقة في الدم، وللتعويض عن هذا الخلل يضطر الجسم للتخلص من معادن قلوية حيوية مثل الكالسيوم  والمغنيسيوم من العظام، مما يقلل كثافتها ويعرضها للكسور. ويحذر من الإضافات مثل حمضي «الستريك» و«الفوسفوريك» التي تزيد الحموضة الغذائية، مؤكدًا أن الخطر الأكبر يطال المراهقين الذين لم تكتمل عظامهم بعد، حيث يُعرقل ذلك بناء «ذروة كتلة العظام» لديهم.
خطر
لم تتوقف الأضرار عند العظام والقلب، بل امتدت لتطال «نوافذ الروح»، حيث يؤكد د. كرم كليم، استشاري طب العيون، إن جفاف العين أصبح من أكثر المشكلات شيوعًا بين مدمني مشروبات الطاقة. ويفسر ذلك قائلًا: «الكافيين يؤدي لانخفاض مستويات الرطوبة الطبيعية، وعندما يقل الماء يقل إنتاج الدموع الضرورية لراحة العين، مما يسبب شعورًا بالحكة أو الرمل، خاصة لمستخدمي الشاشات».
وألمح د. كليم إلى «تشوش الرؤية» الناتج عن زيادة سرعة ضربات القلب والأرق، ما يمنع العين من الاسترخاء، ويسبب ضغطًا وصداعًا وصعوبة في التركيز، مشددًا على أن النوم هو «فترة الترميم» للعينين، واضطرابه بسبب هذه المشروبات يسبب الهالات السوداء وارتعاش الجفون، ويُفاقم مشكلات العين القائمة بالفعل.
أما على الصعيد النفسي، فتحدثت د. سهير العلى، استشاري الصحة النفسية، عن الصورة القاتمة لآثار هذه المشروبات؛ قائلةً: إنها «تفاقم القلق والاكتئاب ونوبات الهلع، وتسبب اضطرابات النوم الحادة». فإن هذه المواد تزيد من أعراض اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، مشيرةً إلى أن الحرمان من النوم الناتج عن هذه المحفزات يضرب التركيز والأداء الدراسي في مقتل.
حكم
وحسم الشيخ محمود الجبرتي، أمين لجنة الفتوى، الجدل الشرعي بالاستناد إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أن المعيار الفاصل هو «ثبوت الضرر»، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).. وأوضح د. الجبرتى أن دار الإفتاء المصرية أكدت أن أى مادة يثبت الطب الحديث ضررها المؤكد على الصحة يصبح تناولها غير جائز شرعًا، ويصل الأمر إلى «التحريم القاطع» إذا ثبت أنها تلحق أذىً بالجسد أو تفاقم الأمراض، انطلاقًا من قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».

 

 

ترشيحاتنا