حوار: صابر رمضان
بين «دولة التلاوة» التى وثّق ملامحها، و«الأمن القومي» الذى استشرف أبعاده فى أطروحته للدكتوراه.. يقف الإعلامى د. عاطف المليحى كحارسٍ واعٍ لهوية الصعيد المصرى فى قلب التليفزيون المصري.
رحلةُ «المليحي» لم تكن وليدة الصدفة؛ فمن أروقة كلية الألسن بجامعة عين شمس، وعوالمه الأولى فى الإرشاد السياحى بإسبانيا، انتقل إلى «استوديوهات ماسبيرو» محملاً بخبراتٍ ثقافية ولغوية نوعية، لم يكتفِ ككبير للمذيعين بإقليم شمال الصعيد بتقديم المحتوى التقليدي، بل نجح فى تحويل «السيرة الهلالية» والإنشاد الدينى من تراثٍ شعبى إلى قضايا رأى عام، محتفظاً بأرشيفٍ تليفزيونى أشاد به كبار النقاد والأساتذة.
واليوم، يطل علينا د. عاطف المليحى بمسيرةٍ أكاديمية متوجة بمرتبة الشرف الأولى فى الدراسات الإسلامية، وباحثاً اشتبك مع أعقد ملفات العصر «الخطاب الديني» وعلاقته باستقرار الدولة.
هو إعلاميٌ يدرك بوعيِ الأكاديمي، وبخبرةِ الميدان، أن الميكروفون - فى عالمٍ يتشكل بمفاهيم حروب الجيل الرابع - هو خط الدفاع الأول عن عقل المواطن.
حصلت مؤخراً على درجة الدكتوراة فى الدراسات الإسلامية.. إلى أى مدى ترى تكامل هذه الدرجة العلمية مع مسيرتك ورسالتك الإعلامية؟
الإعلامى يحتاج إلى إلمام واسع بثقافات وعلوم متنوعة ليتفاعل مع قضايا مجتمعه، والفضل فى توجهى للبحث العلمى يعود لأكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 2016 (دفعة 12 أمن قومي)، حيث استوقفنى محاضرة حول «الجماعات المتشددة وتوظيفها للخطاب الديني»، بعدها مباشرة التحقت بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنيا للتزود بالعلوم الشرعية «رغم صعوبتها»، وحصلت على دبلومتين وتمهيدى ماجستير ثم الماجستير والدكتوراه، قررت أن أربط بين (الخطاب الديني، وتناول الإعلام له، وتأثيره على الأمن القومى المصري)، لذا أثمن غاليًا دور د. عماد جابر، أستاذ الإعلام بجامعة حلوان، الذى أشرف على الرسالة وتحمس لفكرتها المبتكرة، ما ساعدنى كثيراً فى إتمام هذا البحث.
الدرجة العلمية منحتنى عمقاً معرفياً، فأصبحت أربط كل برامجى ومحاضراتى بالأمن القومي، فمهنتى كمرشد سياحى فى بداياتي، ثم عملى بالإعلام، وصولاً إلى الخطاب الديني، كلها روافد تصب فى وعاء الأمن القومي.
فى ظل ما تسمى بـ «حروب الجيل الرابع والخامس»..أى استراتيجية يمتلكها الإعلام لتحصين العقل المصرى ضد الأفكار الهدامة؟
الإعلام جبهة قتالية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ لذا يجب أن يتحلى بالمسئولية والموضوعية لنشر سماحة الدين الوسطى وتحصين المواطن ضد الغزو الفكري.
الغرب يستغل الخلافات المذهبية لتفتيت الشعوب، وعلينا التصدى للشائعات التى تستهدف كيان الوطن، وقد قدمت عدة محاضرات بمكتبة مصر العامة حول خطورة الشائعات وتأثيرها على الأمن القومي، فالمسئولية الآن تقتضى ألا يكون الإعلام مصدراً للفتنة بل منارة للوعي.
شراكة
كيف تحول الإعلام من مجرد «ناقل» للخبر إلى «شريك فاعل» فى معركة الوعي؟
المجتمع المصري «متعطش» للإعلام الهادف الذى يرسخ القيم المعتدلة، وهنا أثمن الخطوة الاستراتيجية التى اتخذها أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، بزيارة مشيخة الأزهر ولقاء الإمام الأكبر د.أحمد الطيب؛ فهذا التنسيق يبني «خط دفاع مشترك» ضد المفاهيم المغلوطة والحرص على الاستعانة بالمتخصصين عند التعامل مع القضايا الدينية، فى إشارة واضحة لعودة «ماسبيرو» لدوره الرائد كحارس للهوية والثوابت المصرية، فالأزهر هو مرجعيتنا الدينية والوطنية الأولى.
من المسئول عن تصدير دعاة غير مختصين للشاشات؟ وهل الحل يكمن فى «قانون» أم «وعي»؟
انتشار الفتاوى الشاذة هو نتاج «الحرية المنفلتة» وغير المنضبطة، وتصدر غير المؤهلين لمنصات الفتوي، ورغم ثقتى الكاملة فى الدور الذى تلعبه دار الإفتاء المصرية ومرصد الأزهر الشريف، إلا أننى أرى ضرورة منح هذه المؤسسات «أذرعاً إعلامية» قوية للتصدى لهذا العبث، فنحن فى حاجة ماسة لـ «قانون وتشريع» يجرم إصدار الفتاوى من غير المتخصصين، ويضع حداً لمن يتطاولون على ثوابت الدين بالتشكيك، حمايةً لعقل المواطن.
انضباط
خضنا فترة من «الانفلات الإعلامي» بعد 25 يناير.. كيف تقيم المشهد الإعلامى الآن فى ظل ميثاق الشرف والقيادة الجديدة للهيئة ؟
تجاوزنا مرحلة الفوضى وتأجيج الفتن وتصدير القضايا الشاذة، بعد 30 يونيو نجحت الدولة فى استعادة الانضباط، وما ننتظره الآن هو «عودة الدور التنويري» الكامل لماسبيرو.
فالإعلامى الحقيقى هو من يتمتع بـ «ضمير ذاتي» يسبق التزامه بميثاق الشرف، الذى يجب أن يمنع بصرامة ازدراء الأديان.
كيف ترسم الحدود الفاصلة بين «تجديد» الخطاب الدينى و «تبديد» ثوابته؟ وكيف تعكس هذه العلاقة توازنا مع أمننا القومي؟
هذه القضية هى جوهر دراستي؛ حيث بحثتُ فى العلاقة بين التجديد والأمن القومى المصري، وما إذا كان الأمن القومى مقصوراً على المخاطر العسكرية أم يشمل المهددات التى تمس الخطاب الديني. نحن فى أمسّ الحاجة لتجديد حقيقى ينطلق من محراب 'الأزهر الشريف'، يحمى الثوابت ولا يبددها.
فالدين هو الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة المصرية، وأى عبث به أو تشكيك فى ثوابته هو «زعزعة للأمن القومي» بشكل مباشر. لذا، التجديد الذى ندعو إليه ليس تجديداً للدين نفسه، بل تجديد للمحتوى والخطاب ليكون مواكباً للعصر، مع تأهيل الدعاة لغوياً وفكرياً ليكونوا حائط صدٍ ضد أى أفكار هدامة، ومن هنا يأتى دور الإعلام فى ضبط هذا المسار علمياً ومهنياً بالاستعانة بالراسخين فى العلم.
تجديد
فى ظل الصراع بين الإعلام التقليدى والمنصات الحديثة.. كيف نوظف هذه الأدوات لخدمة قضايا الأمن القومى والخطاب الدينى دون السقوط فى فخ «التسييس»؟
يجب على الإعلام بكل أدواته أن يركز على «الخطاب» وليس «النص الديني» الذى هو ثابت ومقدس، علينا الحذر ممن يطوعون الدين لأغراض سياسية ضيقة، وتوضيح أثر الخطاب المتطرف فى صناعة الإرهاب، وهو ما لمسناه بوضوح عقب أحداث يناير ويونيو، فدور الإعلام هو تعريف المجتمع بمفهوم الأمن القومى الشامل، وتسخير هذه الأدوات لتوعية الناس بالمخاطر المحيطة، وتحويل قضية الأمن القومى إلى ثقافة عامة تشغل قلب كل مواطن.
دعا الرئيس السيسى مراراً لتجديد «لغة وفحوى» الخطاب الديني.. كيف قرأت انعكاس هذه الدعوة على تشكيل الوعى الجمعى فى مصر؟
اهتمام الرئيس الشخصى بهذه القضية جعل صداها يتردد عالمياً، وليس محلياً فقط، فالخطاب الدينى هو المحرك الأول لأولويات المواطن، ومن هنا تأتى أهمية أن يعى القائمون على هذا الخطاب مفهوم «الأمن القومى المصري»، وأرى أن دعوة الرئيس كانت بمثابة «حجر» حرك المياه الراكدة وأعادت ترتيب الأولويات الوطنية بما يحقق الاستقرار الفكرى والمجتمعي.
تجديد الخطاب مسئولية تضامنية.. أين تتقاطع أدوار المؤسسات الدينية مع الأجهزة الوطنية فى هذه المنظومة المتكاملة؟
المسئولية «تضامنية»؛ فالأزهر والأوقاف ودار الإفتاء حائط الصد الأول، وتساندهم مؤسسات الدولة الثقافية والعسكرية والسياسية، والإعلام هو «القاسم المشترك» بينها جميعا، فوزارة الأوقاف تبذل جهداً كبيراً فى إعداد «داعية مستنير» يتجاوز الخطاب التقليدي، ودار الإفتاء تحمى الهوية بإجابات شرعية تواكب مستجدات العصر، وكل هذا يصب فى مصلحة الأمن القومي.
دراستك كشفت عن «أوجه قصور» فى تناول الإعلام للقضايا الدينية.. ما أبرزها؟
الدراسة أظهرت «ابتعاد الخطاب عن فقه الواقع» بنسبة 54%، والتركيز على «التريندات»، والعلاج يكمن فى تضافر جهود مؤسسات الدولة مع الأزهر لضبط المسار بقوانين رادعة، واستضافة خبراء يجمعون بين العلم الدينى وفهم مقتضيات الأمن القومي.
بعد رحلة العقود الثلاثة خلف الميكروفون..ما الحلم الذى يراود د.المليحى الآن؟ ورسائلك لمن تحب؟
مشروعى هو الاستمرار فى تقديم إعلام «قيمي» يخدم بلدي، فأنا أعتز بأرشيفى الذى يمتد لثلاثة عقود فى توثيق «دولة التلاوة» والإنشاد الدينى والسيرة الهلالية بمكتبة القناة السابعة، وحلمى إجراء حوارات توثيقية مع قادة الفكر والسياسة لتكون مرجعاً للأجيال، على غرار لقائى التاريخى بالعالم الراحل أحمد زويل.
أما رسائلي: فالأولى إهداء لروح والديّ رحمهما الله، والثانية للرئيس السيسى: «سر على بركة الله، فمن كان معه الله وشعبه وجيشه لا يخشى شيئاً»، والأخيرة لأبنائي: «العلم هو أقصر طريق للتقرب إلى الله».



