اللواء سمير فرج : المقاتل المصري.. معجزة غيرت حسابات العالم في 73

اللواء سمير فرج
اللواء سمير فرج

يُمثل العاشر من رمضان عام 1393هـ (السادس من أكتوبر 1973م) محطة فارقة في التاريخ؛ فهي اللحظة التي استردت فيها الجندية العربية كرامتها، وحطمت أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر". لم يكن العبور مجرد اجتيازٍ لمانع مائي أو تحطيم لخطٍ ترابي، بل كان "زلزالاً عقائدياً" أعاد صياغة مفاهيم العسكرية العالمية.

في تلك الملحمة، امتزج التخطيط العلمي الدقيق بالروح القتالية العالية للصائمين، لتكتب الأرواح المتعطشة للعزة فصلاً أثبت للعالم أن "العقيدة" هي السلاح الذي لا تدركه لغة الأرقام، وأن المقاتل المصري هو" الرقم الصعب" الذي عجزت التكنولوجيا عن تفسيره، وفي السطور التالية نفتح "صندوق العزة" لنستعرض شهادات وقصص من قلب الملحمة.

من مركز العمليات الرئيسي، يفتح لنا اللواء دكتور سمير فرج المفكر الاستراتيجي - مدير إدارة الشئون المعنوية الأسبق وأحد أبطال الاستنزاف وأكتوبر- صندوق ذكرياته عن أيام العزة، ليروي بلسان القائد وشاهد العيان كيف أديرت ملحمة الخداع، وكواليس التدخل الأجنبي السريع لإنقاذ إسرائيل في اللحظات الأخيرة، وسر الشفرة التي عجزت التكنولوجيا عن فكها.

حتى الساعة الثانية إلا الربع من ظهر السادس من أكتوبر، كانت أجهزة المراقبة الإسرائيلية ترصد مشهداً روتينيا خادعا لا يوحي بالحرب؛ جنودا مصريين يلهون في "مباريات كرة قدم" على الخطوط الأمامية، وهدوء روتيني خادع شلّ تفكير العدو، لم يشعر قادة إسرائيل بالخطر، فقد اعتادوا على تحركات القوات المصرية التي تأتي وتذهب في الأشهرالأخيرة، حتى باتت الحرب بالنسبة لهم احتمالاً مستبعداً، بينما كانت الحقيقة أن ساعة الصفر قد دقت بالفعل في القلوب قبل الساعات.

الحسم

وتحدث اللواء سمير فرج عما إذا كان بالإمكان التعامل مع "ثغرة الدفرسوار" بشكل يغيرالنتيجة العسكرية تماماً" قائلا: بعد مرور أكثر من 50 عاماً، يسهل الحديث عن بدائل، لكن  الإنصاف التاريخي يقتضي القول إن التعامل الذي تم وقتها كان صحيحاً ودقيقاً وفقاً لمعطيات الموقف والتكتيكات المتاحة، لقد حاصرنا العدو في الثغرة، ولولا إدراكه التام بأننا قادرون على تدميره لما قبل بوقف إطلاق النار ولما انسحب.

 القرارات في غرفة العمليات كانت تُتخذ بثقة عمياء في قدرات قواتنا، وما تحقق كان هو الأفضل لصالح مصر في ذلك التوقيت المعقد.

المؤامرة

وكشف الخبير الاستراتيجي عن معلومة صادمة عرفها أثناء دراسته في كلية "كامبرلي" الملكية بلندن: "التقيت بضباط ألمان شاركوا في نقل أسلحة متطورة من ألمانيا إلى العريش مباشرة عبر طائرات  C-130)  ) لقد أخبرني الضابط الألماني (يوهانس) أنهم نقلوا صواريخ 'تاو' TOW) ) المضادة للدبابات من مخازنهم في ألمانيا إلى سيناء فوراً دون انتظار الشحن من أمريكا، وأعتقد جازماً أنه لولا وصول هذه الصواريخ المتطورة في ذلك التوقيت الحرج، لتغير الموقف الميداني لصالحنا بنسبة 100% في مواجهاتنا مع مدرعات العدو.

الفداء

وضرب اللواء سمير فرج مثالاً حياً للتضحية: "الجندي المصري هو الذي نزل لإغلاق فتحات النابالم، وعندما اكتشف الأبطال وجود فتحة سابعة لم تُسد، اتخذ أحدهم قراراً يفوق الوصف، حيث سد الفتحة بجسده ليموت محترقاً وممزقاً، مفضلاً التضحية بنفسه لضمان عبور زملائه بسلام دون أن تشتعل بهم مياه القناة.

وأضاف: ومن اللحظات المؤثرة التي لازلت اذكرها، أنه بعد ساعة واحدة من تمام الضربة الجوية، قام اللواء الجمسي من مكانه، وهمس في أذن الفريق الشاذلي، رئيس الأركان، ثم توجها معاً ليحدثا المشير أحمد إسماعيل في أمر قبل أن يعودا إلى مكانهما، فطلب المشير أحمد إسماعيل، على أثر ذلك، أن يحدث الرئيس السادات على انفراد، ثم علمنا أنه كان يبلغه نبأ استشهاد شقيقه الطيار عاطف السادات، والذي كان أصغر وأقرب الأخوة إلى قلبه، فعاد الرئيس السادات للغرفة، بعدها بدقيقة، ليقول "أخي مثله كباقي أبناء مصر...فداءً للوطن".

وأكد اللواء سمير فرج: أن "اللغة النوبية" كانت السد المنيع أمام أجهزة التنصت الإسرائيلية المتطورة، فبينما كانت الحواسب الإلكترونية قادرة على كسر أي شفرة رقمية في 4 ساعات، عجز العدو عن فهم اللغة النوبية لمدة يومين كاملين. كانت هذه الشفرة هي "المحرك السري" الذي نقل أوامر تحرك الاحتياطيات بدقة، لتظل الشفرة الوحيدة في التاريخ العسكري التي عجز التطور التكنولوجي عن فك طلاسمها في وقتها.

 

 

ترشيحاتنا