الصوم.. لغة الأديان المشتركة بين الأرض والسماء

حسين الطيب مدير تحرير جريدة اللواء الاسلامي
حسين الطيب مدير تحرير جريدة اللواء الاسلامي

لم تقم ديانة على وجه الأرض إلا وكان للصوم فيها مقام، ولم تخلُ حضارة من لحظة امتناع يتخفف فيها الإنسان من ثقله الأرضي ليقترب من سرٍّ أعلى متطهرًا من خطاياه التي يحملها على كاهله طوال العام لتفقده التواصل مع الإله مع الأخذ في الاعتبار كيف تتبدل الأسماء والطقوس، وتختلف النيات والمقاصد، لكن المعنى العميق يظل واحدًا بأن الروح حين تريد أن تسمو، تُسكت ضجيج الجسد بالصيام. 

ففي تراث الأمم القديمة يذكر ابن النديم في كتابه الفهرست أخبار الصابئة الذين ربطوا صيامهم بحركة الكواكب، فجعلوا من الامتناع عن الطعام انحناءه للشمس والقمر، وصاموا أيامًا مخصوصة تكريمًا للأفلاك التي رأوا فيها أسرار النور. كان الجوع عندهم محاولة للانسجام مع السماء، وكأن الإنسان البدائي شعر أن وراء هذا الكون نظامًا عظيمًا لا يُدرك إلا بالخضوع والصمت.

وسارعلى أثرهم أتباع ماني بن فتك مؤسس المانوية الذين نظموا صيامهم وفق منازل الشمس والقمر، فجعلوا للأسبوع صومًا وللشهر صومًا وللسنة صومًا، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا حياتهم كلها دورة طاعة تدور كما تدور الأفلاك. كان الصوم عندهم تناغمًا كونيًا، إعلانًا بأن الإنسان جزء من هذا الإيقاع الكبير.

وفي الشرق الأقصى حيث التأمل أعمق من الكلمات، نجد في البوذية أيامًا مخصوصة يمتنع فيها الرهبان عن الطعام من شروق الشمس إلى غروبها طلبًا للنقاء الذهني وصفاء البصيرة. أما في الهندوسية فيصوم أتباع شيفا يوم الاثنين، ويصوم أتباع فيشنو يوم الخميس، وتنتظر المرأة في طقس كاروا تشوث لحظة ظهور القمر لتفطر رجاء دوام الحياة لمن تحب، ليصبح الصيام عهدا عاطفيا وروحيا، و تضحية صغيرة تعبر عن ولاء أكبر، إلى جسر بين القلب والمعبود.

أما في اليهودية فيقف يوم يوم كيبور شامخًا كأعظم أيام السنة، خمس وعشرون ساعة من الانقطاع الكامل، يلبس فيها الناس البياض كأنهم يتهيأون للوقوف بين يدي الغفران. هو صوم التوبة والرجوع، صوم الاعتراف بأن الإنسان يخطئ لكنه لا يكف عن الأمل في العفو.

بينما نجد في المسيحية يمتد الصوم الكبير أربعين يومًا يخفف فيه الصائم طعامه ويكبح شهوته مشاركةً رمزية في الألم الإلهي، وكأن الجوع هنا مشاركة وجدانية، وحزنٌ صامت يتحول إلى تطهير داخلي. أما السيخية فقد اختارت طريقًا آخر فرأت أن الجوع الجسدي بلا صفاء قلبي لا يصنع قربًا حقيقيًا، فرفضت الصيام كطقس وأكدت أن العبادة الحقة هي استقامة السلوك ونقاء النية.

ثم يأتي الإسلام بالصيام الأعظم والأجَّل في شهر رمضان حيث لا يكون الامتناع تكريمًا لكوكب ولا انسجامًا مع فصل ولا مشاركةً لذكرى، بل خالصًا لله وحده. من الفجر إلى الغروب يمتنع الصائم عن الطعام والشراب والشهوة، لكنه في الحقيقة يمتنع عن الغفلة، يروّض رغباته، يلين قلبه، يفتح مصحفه، ويقف في ليله باحثًا عن لحظة صفاء قد تغيّر عمره كله.

الصوم هنا سر بين العبد وربه، عبادة لا يطلع عليها إلا الله، لأن حقيقتها ليست في خلو المعدة بل في امتلاء القلب، وبالتأمل في تاريخ البشر نجد أن الصيام كان دائمًا رحلة تحمل في طياتها شوقًا إلى المطلق، إعلانًا بأن الإنسان ليس جسدًا فقط بل روح تبحث عن نورها، حيث تتغير الأشكال ويبقى الجوهر، يجوع الجسد لتستيقظ الروح، يضعف البدن ليقوى اليقين، وينقطع الإنسان عن الطعام ليكتشف أنه في الحقيقة كان يتغذى على معنى أعمق وأبقى.

إذن الصيام ليس حرمانًا بل تحرير، وليس انقطاعًا بل اتصال، وليس نقصًا بل امتلاء خفي لا يشعر به إلا من ذاق سرالجوع حين يتحول إلى قرب.

 

ترشيحاتنا