أكد د. نظير عيَّاد مفتى الجمهورية أنه لا يوجد فى المنهج الإسلامي تعارض بين العلم الشرعى والعلم الفلكى، بل بينهما تناسق وتكامل، فالشريعة الإسلامية حينما ربطت الصيام والفطر برؤية الهلال لم تغلق الباب أمام الاستفادة من تطور العلوم والمعارف.
وأشار مفتى الجمهورية إلى أن دار الإفتاء تتعامل مع الفكر المتشدد باعتباره ظاهرة فكرية قبل أن يكون انحرافًا دينيًا، وقال إن المؤسسات الدينية تتحمل مسئولية تاريخية فى تقديم خطاب إفتائي يسعى للإسهام فى بناء الوعى وترسيخ منظومة القيم، مشيرًا إلى أن الفتوى من أهم أدوات تشكيل الوعى الدينى والاجتماعى، وأضاف د. نظير عياد أن التقنية أداة يمكن تسخيرها لخدمة العلوم الشرعية، ومن ذلك الإفتاء، لا أن تكون بديلا عن المفتى أو أن تنتج فتاوى دون وعى أو اجتهاد بشري، مؤكدًا أن تطبيقات الذكاء الاصطناعى باتت واقعًا لا يمكن تجاهله، وحذر«المفتى» من الـتأثير الخطير لتوظيف الذكاء الاصطناعى فى تحريف القرآن وربما السنة، مؤكدًا أن كل أداة تقنية يمكن أن تستغل إيجابيًا أو سلبيًا، والذكاء الاصطناعى ليس استثناء، فالخطر لا يكمن فى التقنية ذاتها وإنما فى توظيفها دون ضوابط علمية وأخلاقية، وهو ما يستدعى يقظة مؤسسية وتشريعية.
وأشار مفتى الجمهورية إلى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا مازالت تمثل تحديًا حقيقيًا، ويمكن القول إنها لا تزال تمثل أحد الدوافع الرئيسية للهجوم المستمر على المؤسسات الدينية الإسلامية وإن اختلفت أشكال هذا الهجوم وحدته من سياق لآخر.
قضايا كثيرة طرحتها «اللواء الإسلامى» على د. نظير عياد مفتى الجمهورية، وهذا نص الحوار:
بدايةً.. كل عام ينتاب جموع المسلمين حيرة عند استطلاع رؤية هلال رمضان والأعياد أيضًا ما بين الرؤية الشرعية لدور الإفتاء ورأي البحوث الفلكية.. فكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟
- هذا الإشكال ناتج فى جوهره عن تصور غير دقيق لطبيعة العلاقة بين العلم الشرعي والعلم الفلكي، إذ لا يوجد فى المنهج الإسلامي تعارض حقيقي بينهما، بل تكامل وتناسق، فالشريعة الإسلامية حينما ربطت الصيام والفطر برؤية الهلال، إنما خاطبت الناس بما كان متاحًا لهم من وسائل فى زمن التنزيل، ولم تغلق الباب أمام الاستفادة من تطور العلوم والمعارف، ومن هنا جاء اعتماد دار الإفتاء المصرية على منهج علمي منضبط يجمع بين الحسابات الفلكية القطعية والرؤية البصرية الشرعية باعتبارها الأصل فى تحديد بداية الشهور القمرية مثل رمضان وشوال وغيرها، وذلك اقتداءً بالحديث النبوي الشريف: «صوموا لِرؤيته وأفطروا لِرؤيته… فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة».كما أن دار الإفتاء لا تُقصي أيًّا من المسارين، بل تعتمد الحسابات الفلكية الموثوقة فى نفى المستحيل شرعًا، ثم تأتي الرؤية الشرعية لتأكيد الممكن، وبذلك يتحقق اليقين وتغلق أبواب الجدل، حيث تُعيِّن الدار عدة لجان رسمية تضم علماء شرعة متخصصين وعلماء فلك، وتوزعها على مواقع مختارة فى محافظات الجمهورية لمتابعة رؤية الهلال بعيون بشرية وأحيانًا بأدوات مساعدة، هذه اللجان تعمل منذ غروب شمس يوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري، وبعد انتهاء فترة الرؤية، تقوم اللجان برفع تقريرها، ويتم الإعلان عن نتيجة الاستطلاع فى حفل رسمي وشعبي ننظمه سنويًّا.
والخروج من هذا المأزق لا يكون إلا عبر نشر الوعي بهذه المنهجية، وترسيخ الثقة بالمؤسسات الدينية الرسمية التي تجمع بين التخصص الشرعي والدقة العلمية، بعيدًا عن الاجتهادات الفردية أو الطروحات الشعبوية.
البديل الوسطى
ماذا عن استراتيجيتكم للتوسع فى الردود الفكرية والفقهية على الآراء المتشددة التي تُحدث بَلبلة مجتمعية من آنٍ لآخر؟
دار الإفتاء المصرية تتعامل مع الفكر المتشدد باعتباره ظاهرة فكرية قبل أن يكون انحرافًا دينيًّا، ومن ثم فإن المواجهة لا تكون فقط بإصدار الفتاوى، وإنما ببناء خطاب علمي رصين يفكك البنية الفكرية لهذا التشدد، ويكشف عن أوجه الخلل فى منطلقاته واستدلالاته، وقد حرصنا على تطوير وحدات متخصصة فى الرصد والتحليل والرد العلمي، تجمع بين علماء الشريعة والمتخصصين فى العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وتُعنى هذه الوحدات الرصدية بتفكيك المنهج لا الحكم فقط، حيث يتم كشف الآليات الذهنية التي يستخدمها المتشددون (مثل اجتزاء النصوص أو إسقاط أحكام تاريخية على واقع معاصر)، مع تقديم البديل الوسطي الذي يجمع بين النص والمصلحة، إضافة إلى تنويع قنوات الوصول، حيث يتم تحويل الردود الفقهية الرصينة إلى محتوى بصري مبسط و»إنفوجرافيك» يخاطب العامة بلغة عصرية، مما يسهم فى سحب البساط من أصحاب الفكر المتشدد الذين يستغلون الفضاء الإلكتروني لإثارة الجدل، كما توسعت الدار فى استخدام الوسائط الحديثة واللغات المختلفة للوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، إدراكًا بأن الأفكار المتشددة تنتشر بسرعة عبر الفضاء الرقمي، والرد لا يكون انفعاليًّا أو إقصائيًّا، بل يكون هادئًا، علميًّا، قائمًا على البيان والإقناع، بما يسهم فى تحصين المجتمع من البلبلة الفكرية ويعيد الاعتبار للمنهج الوسطي الأزهري.
وفى هذا الإطار توسعت دار الإفتاء فى الفضاء الإلكتروني لتحويل الفتوى من «مواجهة مباشرة» إلى «خدمة رقمية» عابرة للحدود، حيث تدير منظومة إلكترونية ضخمة تشمل صفحات رسمية على جميع منصات التواصل الاجتماعي بأكثر من لغة تخاطب ملايين المتابعين، مع تقديم خدمة البث المباشر اليومي للإجابة الفورية على تساؤلات الجمهور.
كما أطلقت الدار تطبيق «دار الإفتاء المصرية» للهواتف الذكية، ووظفت تقنيات الموشن جرافيك لتبسيط الأحكام الشرعية فى مقاطع فيديو قصيرة تجذب الشباب وتواجه المحتوى المتطرف.
ماذا عن مسئولية المؤسسات الدينية فى تقديم خطاب إفتائي واعٍ يسهم فى بناء الإنسان ويصون الثوابت ويواكب المتغيرات؟
ـ المؤسسات الدينية تتحمل مسئولية تاريخية فى تقديم خطاب إفتائي يتجاوز حدود الإجابة على الأسئلة الجزئية إلى الإسهام فى بناء الوعي العام وترسيخ منظومة القيم، فالفتوى ليست حكمًا مجردًا، وإنما رسالة تربوية وأداة إصلاح اجتماعي، ومن ثم يجب أن تنطلق من فهم عميق لمقاصد الشريعة ومآلات الإفتاء، كما أن التكامل بين المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية أصبح ضرورة مُلحَّة فى ظل التحديات الراهنة، لأن الوعي لا يبنى بخطاب منعزل، وإنما بجهد جماعي يعالج الإنسان فى أبعاده المختلفة، ويحافظ على الثوابت دون جمود، ويواكب المتغيرات دون تفريط.
وفى هذا السياق حرصت دار الإفتاء على تطوير الفتوى وضبطها وصولًا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة فى صناعة الفتوى، وهو الأمر الذي جاء عبر مسار مؤسسي متدرج، بدأ أولًا بتأكيد مركزية الفتوى المؤسسية وضرورة حصرها فى الجهات المختصة، مع وضع ضوابط علمية وأخلاقية صارمة للإفتاء فى العصر الرقمي، وتأهيل المفتين علميًّا ومعرفيًّا للتعامل مع مستجدات الواقع عبر برامج تدريبية تعقدها الدار، ثم انتقلنا إلى تنظيم الفتوى الرقمية من خلال مناقشة معايير تضبط المحتوى الإفتائي المنشور عبر المنصات الإلكترونية، ومواجهة فوضى الفتاوى غير المنضبطة، وهو ما تُوِّج بعقد مؤتمرات دولية متخصصة، أبرزها مؤتمر «صناعة المفتي الرشيد فى عصر الذكاء الاصطناعي»، الذي أكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداةً مساعدةً فى البحث والتحليل وجمع المعلومات، لا بديلًا عن المفتي الإنسان. وفى هذا الإطار، أصدرت دار الإفتاء «وثيقة القاهرة للذكاء الاصطناعي والإفتاء» بوصفها إطارًا مرجعيًّا يحدد الضوابط الشرعية والأخلاقية لاستخدام التقنيات الحديثة، ويشدد على حماية دور المفتي البشري، ورفض الاعتماد الكلي على الآلة فى إصدار الفتاوى أو تفسير النصوص الشرعية، مع التأكيد على أن الغاية النهائية من هذا التطوير هي الحفاظ على قدسية الفتوى، وضبط الخطاب الديني، وتحقيق مقاصد الشريعة فى عالم سريع التغير تقنيًّا ومعرفيًّا.
الفكر المتطرف
«حيثما وُجدت المصلحة فثَمَّ شرع الله».. كيف نرد على المتشددين والمتفلتين فى شبهاتهم حول هذه القاعدة؟
ـ هذه القاعدة من القواعد المقاصدية العميقة التي أُسيء فهمها من طرفين متناقضين، فالمتشدد يرفض الحديث عن المصلحة بزعم أنها تفتح باب التلاعب بالأحكام، بينما يتخذها المتفلت ذريعة لتجاوز النصوص الشرعية، والحقيقة أن المصلحة فى المنهج الإسلامي ليست هوًى ولا اجتهادًا مرسلًا، وإنما منضبطة بضوابط الشرع ومقاصده الكلية، والرد على هؤلاء يكون بإعادة القاعدة إلى سياقها العلمي الصحيح، وبيان أن المصلحة المعتبرة هي ما شهد لها الشرع بالاعتبار، ولم تُصادم نصًّا قطعيًّا، وأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد فى المعاش والمعاد، وهو ما يؤكد مرونتها وقدرتها على الاستجابة لمتغيرات الواقع دون إخلال بالأصول.
ما أهمية الفتوى فى ترسيخ منظومة القيم ومواجهة الفكر المتطرف والخطاب غير المنضبط؟
ـ الفتوى من أهم أدوات تشكيل الوعي الديني والاجتماعي، فهي التي تضبط السلوك الفردي والجماعي وفق منظومة قيمية متوازنة. وحين تصدر الفتوى عن مؤسسات راسخة، فإنها تسهم فى مواجهة الفكر المتطرف من خلال تفكيك خطاب الغلو، وفضح التوظيف الخاطئ للنصوص الشرعية، كما أن الفتوى المنضبطة تعيد الاعتبار لفكرة المرجعية، وتمنع تسلل الخطاب غير المنضبط الذي يربك المجتمع ويضعف الثقة بالدين، ومن هنا فإن ضبط الفتوى هو فى جوهره ضبط للوعي وحماية للأمن الفكري.
ماذا عن دَور الفتوى فى الحفاظ على الهُوية الدينية والوطنية؟
- الفتوى تؤدي دورًا محوريًّا فى ترسيخ الانتماء الوطني من خلال ربط القيم الدينية بالمصلحة العامة وحماية الأوطان، فالإسلام لا يعرف التعارض بين الانتماء الديني والولاء الوطني، بل يجعلهما متكاملين فى إطار المقاصد الكبرى، وعندما تُقدَّم الفتوى فى سياقها الصحيح، فإنها تحصن المجتمع من محاولات الاستقطاب والتوظيف الأيديولوجي للدين، وتحافظ على الهُوية الدينية والوطنية بوصفهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار المجتمعي.
تحديات أخلاقية
هل للفتوى علاقة بالذكاء الاصطناعي؟
ـ بالنسبة لعلاقة الفتوى بالذكاء الاصطناعي، فإننا نؤمن أن التقنية أداة يمكن تسخيرها لخدمة العلوم الشرعية، ومن ذلك الإفتاء، لا أن تكون بديلًا عن المفتي أو أن تنتج فتاوى دون وعي أو اجتهاد بشري. فنحن نسعى إلى الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي فى ضبط إدارة البيانات وتحليل السياقات وتيسير الوصول إلى المعلومات، ولكن القرار الإفتائي النهائي والاجتهاد الفقهي يجب أن يظل شأنًا إنسانيًّا يُبنى على العلم والتقوى وإدراك الواقع والفهم المقاصدي.
ما أهم التحديات الأخلاقية التى تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي على عمل المفتي؟
ـ تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت واقعًا لا يمكن تجاهله، وهي تُستخدم فى مجالات متعددة، منها المجال الإفتائي.
غير أن دخول هذه التكنولوجيا المتقدمة إلى ساحة الفتوى يفرض علينا تحديات أخلاقية ومهنية بالغة الحساسية، يتعيّن التعامل معها بقدر كبير من الوعي والبصيرة الشرعية.
من أبرز هذه التحديات اختزال العملية الإفتائية إلى مجرد نتائج تصدر عن خوارزميات مبرمجة، دون تقدير لحجم المسئولية الشرعية والإنسانية التي تقتضيها الفتوى. فالفتوى ليست مجرد معلومة تُستخلص من قاعدة بيانات، وإنما هي اجتهاد علمي دقيق يصدر عن عالمٍ يتحمل مسئولية الكلمة أمام الله تعالى، ويدرك تأثيرها على الفرد والأسرة والمجتمع.
فالمفتي يجب أن يكون ملمًّا بالنصوص الشرعية مدركًا للواقع وقادرًا على إنزال الحكم على الواقع، ومقدرًا لمآلات الفتوى، كما أنه يتعامل مع الإنسان، بحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وسياقه الثقافى، وهو ما لا يمكن أن تدركه الآلة مهما بلغت دقة برمجتها.
وهناك تحدٍّ آخر بالغ الأهمية يتمثل فى انحياز البيانات التي تبنى عليها هذه التطبيقات أحيانًا، فالذكاء الاصطناعي يتعلم من خلال ما يغذى به من بيانات، وهذه قد تكون محدودة أو تمثل اجتهادات فقهية أحادية، مما يؤدي إلى إصدار فتاوى غير دقيقة أو غير ممثلة للتنوع المذهبي والثراء الفقهي الذي يتميز به تراثنا الإسلامي. وهنا قد يتعرض المستخدم لتشويش أو انغلاق فقهي دون أن يدري.
كما أحذر من إشكالية انعدام الضمير أو الإحساس لدى هذه الآلات، فهي لا تخشى الله، ولا تعقل المقاصد الشرعية، ولا تشعر بمعاناة السائل، ولا تراعي الحكمة والرحمة التي يجب أن تتحلى بها الفتوى.
نحن فى دار الإفتاء نُدرك تمامًا أن الفتوى لا تكون صحيحة إلا إذا جمعت بين الدقة فى الاستنباط، والبصيرة فى فهم الواقع، والرحمة فى تطبيق الحكم، وهذا ما لا يمكن للآلة أن تحققه بمفردها.
لذلك، أؤكد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُستخدم فى العمل الإفتائي بصفته أداة مُساعدة، وليس بديلًا عن المفتي الإنسان.
نحن لا نرفض التقنية، بل نرحب بها إذا خضعت لضوابط شرعية ومهنية وأخلاقية دقيقة، تحفظ للفتوى قدسيتها، وتضمن سلامة المنهج، وتحمي المجتمع من التضليل أو الانحراف.
معايير صارمة
هناك من يحذِّر من التأثير الخطير لتوظيف الذكاء الاصطناعي فى تحريف القرآن الكريم وربما السنة النبوية.. ما مدى إمكانية ذلك وما سُبل المواجهة؟
ـ التحذير فى محله، فكل أداة تقنية يمكن أن تُستغل إيجابيًّا أو سلبيًّا، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً، للخطر لا يكمن فى التقنية ذاتها، وإنما فيمن يوظفها دون ضوابط علمية وأخلاقية، وهو ما يستدعي يقظة مؤسسية وتشريعية.
وسُبل المواجهة تبدأ بتطوير منصات موثوقة يشرف عليها علماء الشريعة والمتخصصون، ووضع معايير صارمة للتحقق من المحتوى الديني الرقمي، مع تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة تلقِّي المعرفة الدينية من مصادر مجهولة، وإن كان للقرآن الكريم خصوصية فى الحفظ من التحريف فقد تكفل الله عز وجل بحفظه فقال سبحانه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
كيف يوازن المفتي بين الحكمة الشرعية والابتكار التقني؟
هذا السؤال فى غاية الأهمية، لأنه يمسّ جوهر التحدي الذي نواجهه فى هذا العصر الذي تتسارع فيه التطورات التكنولوجية بشكل غير مسبوق.
فالمفتي يجب أن يوازن بين الحكمة الشرعية والابتكار التقني من خلال فهم عميق لنصوص الشريعة ومقاصدها، ثم إدراك دقيق لطبيعة التقنيات الحديثة. فالشريعة الإسلامية تُعلي من قيمة المصلحة ورفع الحرج، ولا ترفض التجديد أو التطور، ما دام ذلك يتم وفق ضوابط الشرع وأصوله.
لذا، لا نرى تعارضًا بين الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي وتقديم الفتوى، بشرط أن تبقى هذه الأدوات خاضعة لإشراف العلماء وألا تنفرد بإصدار الأحكام.
فى دار الإفتاء المصرية، نعمل على إدماج هذه التقنيات بشكل مدروس، فنستخدمها لتحليل الأسئلة، وتيسير الوصول إلى الأرشيفات الفقهية، لكنها لا تُستعمل أبدًا فى إصدار الفتاوى دون تدخل بشري من علماء مؤهلين؛ فالفتوى ليست مجرد عملية حسابية أو تحليل لغوي، بل تتطلب إدراكًا للسياقات والنوايا وظروف السائل، وهذه أمور لا يمكن للآلة أن تستوعبها بمفردها.
والتوازن هنا يتطلب تأهيل المفتي علميًّا وتقنيًّا، وتوفير بيئة معرفية تجمع بين الفقهاء والمختصين فى التكنولوجيا. فالحكمة فى التعامل مع التطور التقني ليست فى رفضه، بل فى توظيفه لخدمة المقاصد العليا للشريعة، وحماية الإنسان وكرامته، وتيسير حياته دون المساس بثوابتها.
المنصات الرقمية
ما تقييمكم لحالة الفوضى فى إصدار الفتاوى والاجتهادات الشرعية فى العالم العربي واتخاذ البعض مجال الفتوى وسيلة لتضليل الناس والخروج على ثوابت الإسلام؟
ما نراه اليوم من فوضى فى إصدار الفتاوى فى بعض الدول والمجتمعات العربية هو أمر بالغ الخطورة، ويشكل أحد التحديات الكبرى التي تواجه العقل الديني المعاصر. الفتوى فى أصلها وظيفة جليلة، ومقامها من أشرف المقامات فى الإسلام، لأنها ترتبط بتوجيه الناس فى أمور دينهم ودنياهم، وتشكّل جزءًا من الأمن الفكري والديني للمجتمع. لكن حين يتصدر لها من لا علم له، أو يستخدمها بعض المتطفلين على العلم كأداة لبثّ الفتنة أو تحقيق مآرب سياسية أو شخصية، فإن الفتوى تتحول من وسيلة هداية إلى وسيلة تضليل وهدم.
وقد رأينا كيف استغلت بعض الجماعات المؤدلجة وأصحاب الأفكار المتشددة أو المنحرفة عن صحيح الدين مجال الفتوى لتبرير العنف، ونشر الكراهية، والطعن فى ثوابت العقيدة والشريعة، مستندين إلى فهم سطحي أو مغلوط للنصوص، بل أحيانًا إلى فتاوى ملفقة ومفتراة.
هذه الظاهرة لا تقتصر على الجماعات وحدها، بل نجدها أيضًا فى بعض المنصات الرقمية أو القنوات غير المنضبطة، حيث يمارس الاجتهاد بلا أدوات، وتقدم الفتوى بلا مرجعية ولا تحقق، مما يربك وعي الناس ويفقدهم الثقة فى المرجعيات الحقيقية.
ولهذا نؤكد باستمرار ضرورة تفعيل دور المؤسسات الدينية الرسمية المعتمدة، مثل دور الإفتاء، وهيئات العلماء، واللجان الشرعية، التي تملك الخبرة والعلم والانضباط المنهجي، والتي تتعامل مع الفتوى بمسئولية وأمانة.
كما نؤكد أهمية التشريع والتنظيم القانوني لمجال الفتوى من تقنين الفتوى وتجريم الفتاوى العشوائية التي تضر بالصالح العام. ونحن فى دار الإفتاء المصرية نسعى إلى التصدي لهذا الخطر من خلال نشر الوعي الديني الرشيد، والتوسع فى برامج تدريب المفتين، ورصد الفتاوى المتطرفة، وتقديم البديل العلمي الموثوق الذي يُحصّن المجتمعات من الوقوع فى براثن الفوضى الفكرية والتشدد الديني.
ماذا عن كيفية تحول مؤسسات الفتوى إلى العصر الرقمي؟
التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة حتمية فى عصرٍ يتسم بالتسارع التكنولوجي، وقد أولت دار الإفتاء المصرية اهتمامًا بالغًا بهذا الجانب، حيث وضعت خطة إستراتيجية لتحويل العمل الإفتائي إلى نسق رقمي متكامل.
بدأنا بإطلاق منصات إلكترونية متعددة، وتطبيقات ذكية على الهواتف المحمولة، تقدم الفتوى الصحيحة بلغة معاصرة وسهلة، وتستهدف مختلف الفئات، خاصة الشباب.
التحول الرقمي ليس فقط تطويرًا للأدوات، بل هو تطوير لمنهجية التفكير الإفتائي نفسه، بحيث يستوعب تغيرات العصر، ويستفيد من معطياته لخدمة الدين والإنسانية فى آن واحد.
مرصد الفتوى
أخيرًا..هل حققت دار الإفتاء نجاحًا ملموسا فى مواجهة الفكر المتطرف إلكترونيًّا؟ وكيف ترى تأثير وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي فى تضليل فكر الشباب؟
نعم، بحمد الله، استطاعت دار الإفتاء المصرية أن تحقق نجاحًا ملموسًا ومؤثرًا فى مواجهة الفكر المتطرف على الصعيد الرقمي والإلكتروني، سواء من خلال بناء بنية معلوماتية قوية أو من خلال تطوير آليات الرصد والتحليل والرد.
فقد أدركنا مبكرًا أن معركة مواجهة التطرف لا يمكن أن تكسب بالوسائل التقليدية فقط، بل يجب خوضها فى ساحات الفضاء الإلكتروني حيث تتمدد جماعات التطرف، وتروج أفكارها بأدوات عصرية تغري العقول الشابة وتخاطب عواطفها بلغة تبدو لهم جذابة.
من هذا المنطلق أيضًا أنشأت دار الإفتاء المصرية مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة الذي تطور بعد ذلك وأصبح مركزًا بحثيًّا كبيرًا وهو مركز سلام لدراسات التطرف والإسلاموفوبيا، وهو معني بدراسة التطرف ومناهج مكافحته والوقاية منه، ويسعى إلى تأصيل فلسفة الدولة المصرية ودار الإفتاء فى نطاق المواجهة الفكرية الشاملة لظاهرة التطرف، ويعتبر «سلام» ترجمة مؤسسية لخبرات دار الإفتاء المتراكمة فى مواجهة جماعات الفكر التكفيري بما تتضمنه من خبرات علمية ومعارف إفتائية ومدركات معرفية بمشارب التطرف.
أخيرًا.. نعيش نفحات شهر رمضان المعظم وهناك كم كبير من الأعمال الدرامية.. ما تقييمك لها؟
الدراما أداة مؤثرة فى تشكيل الوعي، ويمكن أن تكون وسيلة للبناء أو الهدم، وبعض الأعمال قدمت نماذج إيجابية تعزز القيم، فى حين وقعت أخرى فى فخ الابتذال أو تشويه صورة المجتمع، ومن المهم أن يكون هناك وعي فني وأخلاقي بمسئولية الكلمة والصورة، خاصة فى شهر له خصوصيته الروحية والاجتماعية.



