إسبانيا توفر لنا الحرية الكاملة لأداء الشعائر
مراكزنا في أوروبا تقوم بدور "وزارتي الأوقاف والتعليم" لحماية أبنائنا
تعويد الأطفال على الصيام يبدأ بـ "الحب والقدوة"
الأزهر "منارة الوسطية" في أوروبا
أكد د.عبد القادر مرسي الامام والخطيب بالمركز الثقافي الإسلامي بمدريد ان المملكة الاسبانية تقدم
تسهيلات كبيرة للمسلمين لأداء شعائرهم بحرية كاملة، مشيرا إلي أن المراكز الإسلامية هناك تتحول
في رمضان إلي خلايا نحل دعوية وثقافية لتعزيز قيم التعايش، والتعريف بالإسلام.. وفيما يلي نص الحوار.
بين أصول الدين وعلم الأنثروبولوجيا والصحة النفسية.. كيف تقدم نفسك للقارئ من خلال هذه التخصصات المتنوعة؟
أري أن دراسة أصول الدين لا تنفصل عن فهم طبيعة الإنسان "انثروبولوجيا" أو احتياجاته النفسية، ومن هذا المنطلق أمارس دوري في مدريد كإمام وباحث ، فأنا حاصل علي ليسانس أصول الدين قسم العقيدة والفلسفة، وماجستير انثروبولوجيا "علم دراسة الانسان" من جامعة القاهرة، ودكتوراه في الصحة النفسية من الأكاديمية البريطانية.
من وحي ذكرياتك في مساجد "بني سويف" وصولاً إلى "مدريد".. كيف ترى رمضان كمنظومة لتدريب النفس وترسيخ الألفة؟
رمضان في جوهره هو موسم عبادة وتربية وتدريب للنفس، والهدف منه الوصول لاعلي درجات التقوي وذكرياتي في مسجد "فجر الإسلام" بالواسطى ببني سويف تؤكد أن رمضان يجمع القلوب قبل الأجساد؛ حيث كان المسجد يتحول لبيت واحد على موائد الإفطار اليومية، والآن في مدريد، أستحضر هذه الروح في مشاهد امتلاء المساجد والخشوع في صلاة التراويح، وروح الألفة التي تجمع الناس على الخير، وهي ذكريات تظل دافعاً لمزيد من العطاء.
ما طبيعة الأنشطة الدعوية والندوات الثقافية التي ينظمها المركز الثقافي بمدريد لتعزيز قيم التعايش مع المجتمع الإسباني؟
تشهد المراكز الإسلامية في إسبانيا نشاطاً ملحوظاً يجمع بين الموعظة والتثقيف؛ فننظم دروساً يومية بعد العصر وقبل العشاء، وحلقات لتفسير القرآن، وندوات تخاطب مختلف الفئات. ونحرص على فتح الأبواب لغير المسلمين للتعريف بالإسلام، بما يعكس الصورة الحضارية لديننا القائم على الرحمة والتواصل؛ فالمركز مفتوح للجميع ليل نهار لترسيخ قيم التعايش.
وسط "غربة" الأجواء الأوروبية ومشقة العمل .. كيف يصنع المسلمون في إسبانيا طقوسهم الخاصة لاستقبال الشهر الفضيل؟
التحدي في أوروبا يكمن في طول ساعات الصيام ومشقة العمل، لذا يبدأ الاستقبال بتهيؤ نفسي وروحي عميق، تحرص الأسر على إحياء الأجواء داخل البيوت بالتزاور، ونكثف في المراكز صلوات التراويح وموائد الإفطار الجماعية لتعزيز روح الجماعة والتواصل مع المجتمع المحيط، مما يخفف من وطأة الغربة ويعكس قيم الصبر والرحمة.
بصفتك متخصصاً في الصحة النفسية.. ما القواعد الأساسية للاستعداد الرمضاني القائم على "تهذيب السلوك" لا "تجهيز الموائد"؟
من منظور الصحة النفسية، رمضان هو "ضبط للشهوات" لاستعادة التوازن الروحي، لذا فهو شهر للصيام لا للطعام، فالاستقبال الصحيح يكون بتصحيح النية، والتوبة الصادقة، والتصالح والتسامح مع النفس والآخرين، فيجب أن ننظم الوقت بما يعين على الطاعة، ونترك وسائل التواصل لنتفرغ للقرآن والذكر، ليكون رمضان محطة حقيقية للتغيير الإيجابي في السلوك والأخلاق.
كيف يمكن للوالدين غرس قيمة العبادة في نفوس الأطفال في الغربة بعيداً عن أسلوب "الإجبار"؟
التربية بالقدوة هي المحرك الأساسي؛ فعندما يرى الطفل والديه قدوة في الصيام والقيام وحفظ اللسان، يمتص القيمة تلقائياً، فنحن نعتمد التدرج دون إجبار مع ربط العبادة بالحب لا بالخوف، من خلال التشجيع المادي والهدايا والثناء، كما أن التحفيز المعنوي وغرس الفرح بالعبادة يساعدان على ترسيخها في نفوسهم كذكريات إيمانية جميلة تظل في وجدانهم حتى بعد تجاوز السبعين.
التكافل الاجتماعي في رمضان "فعل لا قول".. كيف تترجمون معاني العطاء والرحمة داخل المجتمع المسلم بمدريد؟
التكافل يتحقق بإحياء معاني الرحمة العملية؛ من تفعيل للزكاة والصدقات والاهتمام بالفقراء ورعاية الأسر المتعففة، لقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس، ونحن نترجم ذلك من خلال موائد الإفطار الجماعية اليومية بالمساجد والتواصل مع الجيران، حتى يتحول رمضان لموسم عملي يرسخ قيم التضامن والمسؤولية الاجتماعية.
تقدم السلطات الإسبانية نموذجاً متميزاً في دعم الشعائر الإسلامية وتأمينها.. ما ملامح هذا التعاون على أرض الواقع؟
المملكة الإسبانية، حكومة وشعباً، تقدم لنا تسهيلات استثنائية؛ فلنا حرية كاملة في أداء الشعائر ليلا نهارا، وتوفر السلطات حماية أمنية للمساجد وحملات مرورية لتنظيم السيرأمام المراكز المزدحمة، كما يُسمح بتدريس اللغة العربية في المدارس الرسمية، ونحن بدورنا نغرس في قلوب الشباب من خلال المنبر ضرورة احترام الدولة والقانون والمحافظة على الأمن العام كواجب ديني وأخلاقي.
يحظى "الأزهر الشريف" بتقديركبير لدى السلطات الإسبانية والجالية.. كيف يسهم هذا الحضور في دعم منهج الوسطية والاعتدال؟
الأزهر الشريف منارة الوسطية والاعتدال المعروفة لدى السلطات الإسبانية بالتسامح والتعايش، وحضور علماء الأزهر وقرائه يضيف عمقاً وخبرة لأنشطتنا الروحية، وقد تشرفنا مؤخراً بزيارة الدكتور عباس شومان والدكتور محمد عبدالخالق الجندي، وهناك تنسيق دائم بين الفيدرالية الإسلامية بمدريد بقيادة محمد أجانة الوافي وقيادات الأزهر والأوقاف لضمان نشر الفكر المستنير.
ختاماً.. كيف تلعب المراكز الإسلامية دور"المؤسسة التعليمية والتربوية" الشاملة لحماية هوية أبناء الجاليات؟
نحن نعتبر المراكز الإسلامية هي "الحصن الأخير" للهوية؛ فهي تقوم بدور مزدوج يجمع بين مهام وزارة الأوقاف والتربية والتعليم معاً. نوفر برامج لتعليم القرآن واللغة العربية، ونعمل على تنمية المهارات الاجتماعية والثقافية للشباب عبر الأنشطة والرحلات، لتكون تجربة التعلم متكاملة تجمع بين المعرفة والالتزام بالقيم الأصيلة.




