ورتل القرآن ترتيلا

 اد. عادل القليعي 
اد. عادل القليعي 

بقلم- اد. عادل القليعي 

بداية نذكر بقول الله تعالى 
(وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)
وقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا)
وأيضا (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)
(وأن أتلوا القرآن)
لكن السؤال ، لماذا بدأت من هذا المدخل المبارك.؟!
لأن حديثنا هنا عن القرآن الكريم كتاب الله ، ومن اصدق من الله قيلا.
ومن أصدق من الله حديثا.

فإنه عندما نحاول أن نشخص حالتنا التي وصلنا إليها الآن ، لابد أن نتوقف كثيرا عند الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الحال من موبقات مهلكات كادت أو أوشكت أن تعصف بنا ، سوء أخلاق ، تدن، سوء أدب مع الله ، وفحش قول وعدم تأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تدن قيمي ، احتكار سلع ، فحش وغلاء فى الأسعار ، انتزاع البركة من كل شيء حتى من الأعمار وغيرها من الأمور التي جعلتنا دوما وأبدا نتذكر ونذكر بعضنا البعض بعبارة (فاكرين زمان كان....)

وتجد أهل الصلاح منا يهرعون إلى ترديد قوله تعالى (ليس لها من دون الله كاشفة)، لكن كيف ، وكل يوم نزداد بعدا عنه تعالى وبعدا عن كتابه ، ونتفنن في إتيان ما يغضبه - إلا ما رحم ربي.

الحل الناجع العود الأحمد إليه ولن يكون ذلك إلا بالتقرب إليه فرضا ونفلا وإتيان ما أمرنا به وترك ما نهانا عنه.
والله تعالى أمرنا بقراءة القرآن وتدبره لا أن نهجره.

الهجر لغة واصطلاحا.
أولا الهجر في اللغة: الهجر لغة يعني الإعراض والبعد عن الشئ، وهجر القرآن هجره والإعراض عنه.
ثانيا الهجر اصطلاحا:هو الابتعاد عن القرآن الكريم وهجر تلاوته وتدبر آياته وأحكامه، وعدم تطبيق ما جاء فيه من أوامر ونواهي، واللهو عنه ونسيانه، وعدم الإيمان اليقيني به.
ونرى أن الهجر هجران، هجر جزئي، وهجر كلي.
أما الجزئي فالمقصود به الذهاب والمجيئ، بمعنى الإبتعاد والقرب على فترات زمانية تارة متباعدة وأخرى متقاربة.

أما الهجر الكلي فهو الإهمال والترك بالكلية والذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الإنكار.
أما أنواع الهجر فهي كثيرة نذكر منها ما يلي.

عدم الإستماع إليه والإنصات وإكثار اللغط والكلام عند تلاوته، وهذا مخالف لقوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، كالذي يحدث في وقتنا هذا من اللغط وعدم الإنصات إلى تلاوته، في المآتم وحتى في الأفراح، فالمقرء في واد والحضور في واد آخر، فهل أنزل الله تعالى القرآن لقراءته في سرادقات العزاء وتلاوته في الحفلات وعلى المقابر؟!!

ثم شكل آخر من أشكال الهجر، ترك الإيمان به وعدم التصديق وهذا الشكل أشد وقعا على القلب من سابقه فكيف لا نؤمن به ولا نصدق آياته التى هي من لدن حكيم خبير؟!

وأيضا هناك شكل آخر هو ترك تدبره وتفهمه وهذا ما سنوضحه لاحقا بذات المقال.

كذلك ترك العمل به فلا نمتثل لأوامره ولا نجتنب ما أتى به نهيا، وهذا مخالف لما ورد في حديث النبي صل الله عليه وسلم (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي)، 

وهذا حالنا الآن، تركنا كتاب الله وضربنا به عرض الحائط واتخذناه لنزين به البيوت والمكاتب والسيارات لأخذ بركته، بل وتركنا التراب يغطي صفحاته، وهذا حالنا واضح للجميع، انتشار للمناكير، إنتشار للأوبئة والأمراض، تفشي الجهل، كثرة الخبث والرذائل، ضيق فى الأرزاق، هموم لازمت القوم، كل ذلك لماذا؟!، لأننا تركنا الواعظ الناطق القرآن الكريم، والتفتنا قلبا وقالبا إلى الدنيا، فبدلا من أن نتخذها دار ممر اتخذناها دار مستقر، فلا نلوم إلا أنفسنا_ إلا ما رحم ربي.

إلا أن هناك شكل آخر مهم بل وتجاوزت أهميته الأشكال السابقة ألا وهو ترك الاحتكام إليه في المسائل الفقهية والتشريعية ولم لا وهو الدستور الإلهي الذين يضبط إيقاع حياتنا المعيشة وينظمها محققاً عدالة وخيرا وجمالا، فكل شيئ موجود في القرآن إما تفصيليا، وإما استنباطيا عن طريق علم أصول الفقه الذي هو استناط حكم مجهول من حكم معلوم، هذا بالإضافة إلى القوانين الوضعية التي لا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال وإن كانت لا تتعارض مع النواميس الإلهية، فبعد أن تحلل القضايا تحليلا دقيقا وخصوصا القضايا الشرعية، كقضايا الطلاق والنفقات والخلع وحتى القضايا الجنائية التي يحكم فيها بالإعدام يستفتى فيها وفي مشروعيتها الشرع.

ثم شكل آخر، العزوف والابتعاد عن سماعه عمدا والإستماع إلى اللهو والموسيقى، وما يحدث في واقعنا يثير الدهشة كأن تكون راكبا سيارتك ويجلس بجوارك صديق لك وأنت فاتح المذياع على إذاعة القرآن الكريم، فيبادرك بالقول، غير المحطة وأتنا بحاجة تفرفشنا أو تفرحنا، هآتنا بالأغنية الفلانية أو حول المؤشر على مباراة كرة القدم، أليس هذا ما يحدث؟!، إلا ما رحم ربي.

وبعد أن قدمنا تعريفا لغويا واصطلاحيا للهجر، وبعد أن فندنا بعض أشكاله.
سأقوم بطرح سؤال مشروع، أو أحسبه كذلك.
هل مشروعية قراءة القرآن ومدارسته وتعلم أحكامه وقراءاته مقصورة على شهر بعينه دون شهور العام؟، أم أن القرآن الكريم ينبغي قراءته وتعلمه في كل الشهور وكل الأعوام، وكل الدهور؟!

الإجابة أعتقد واضحة وضوح القمر ليلة بدره، واضحة لكل ذي عقل وبصيرة، أن القرآن ديناميكيته وحركيته في استمراريته، واستمراريته تعني صلاحيته لكل الأزمنة ولكل العصور، ومن ثم وبما هو كذلك وبالحتمية المنطقية ينبغي مدارسته في كل الأوقات لا في وقت دون وقت، لكن جرت العادة، وعندما أقول العادة فلأن العادة من الممكن أن يأتي عليها يوم وتتحول إلى عبادة، فإذا ما تحولت إلى عبادة سنجد حلا ونفك شفيرة الحلقة المفقودة، ألا وهي الهوة التي تقع ما بين العادة والعبادة، وقتئذ فعلا سنقبل على القرآن الكريم، ليس القرآن فقط بل كل شعائر الدين سنقبل عليها على إنها عبادة نتقرب بها إلى الله تعالى، وإذا ما تحققت هذه المعادلة وفكت شفيرتها وحلت رموزها سنسلك الطريق المستقيم، طريق الإصلاح الحقيقي الذي هو غاية المرام.

 فليس ثم إصلاح والبيت من الداخل يحتاج ترتيب وتنظيم، فالبيت لا أقصد به المبيت، وإنما الحصن الحصين الذي ينبغي أن يتحصن به الجميع، ألا وهو ترتيب وتنظيم علاقتنا بالله سبحانه وتعالى، أليس هو رب البيت الأعظم ، وأولى ركائز واستمرارية واستقرارية هذا البيت، هذه الآية الكريمة على تأويلها (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، فالذين يؤمننا من الخوف، ويطعمنا بعد جوع، أليس حري بنا أن نعبده ونجتهد في عبادته.

جرت العادة أن يكثر الناس من قراءة القرآن في رمضان ويجتهدون في ختمته مرات عديدة، وهذا جد ممدوح ومحمود لفاعله، لكن هل قرأناه بتدبر وتأمل، أم قراءناه كمن يقرأ جريدة يومية أو يتصفح موقعا على شبكات الإنترنت، هل تدبرنا مثلا قوله تعالى (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)، ولماذا نزل باللغة العربية، ولم ينزل بأية لغة أخرى. وما مقصده جل وعلا في قوله لعلكم تعقلون. 

لعلنا نتدبره ونفقهه ونعتبره ونستخرج منه ما يقوم حياتنا، فدستورية القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دستوريته في مشروعيته ومشروعيته ضمان لاستمراريته، فخذ من القرآن ما شئت لما شئت في أي وقت شئت.

هل أعملنا عقولنا لماذا هو معجزة خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مهما عبث به العابثون، مهما أحرقوا وقطعوا أوراقه، فهو قرآن مجيد في لوح محفوظ، فانتزعوا صفحاته وأوراقه الدنيوية،  لكن إن استطعتم أن تنتزعوا وتقطعوا أوراقه السماوية فهيا أروا الله وجهكم القبيح وأذنوا بحرب من الله تعالى.

نعم معجزة شهد بإعجازها القاصي والداني، شهد به غير المسلم قبل المسلم، شهد بها مشركي مكة، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، أعلاه مثمر وأسفله مغدق يعلو ولا يعلى عليه وما هو بقول بشر، نعم صدق القائل وهو الكذوب.

وفي عصرنا شهد له بعض المستشرقين ممن درسوه دراسة فاحصة فحيصة، فهاهي، آن ماري شيمل، تقول:أتى محمد بكتاب به تشريعات، نظم به حياة أمته فشمل العبادات والمعاملات والأحكام والطهارات، ولم يترك شيئا إلا وتحدث عنه.
وغيرها ممن قالوا، يكفي القرآن أن أربعة عشرة قرنا لم يتغير منه حرفا ولم يتبدل.

بل جاءت آياته بمحكمها ومتشابهها مناسبة لكل موقف راسمة طريق الهداية والرشاد، متحديا أن يأت أحد بسورة من مثله (قل لئن اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).

فمهما شكك فيه المشككون، ومهما عبثوا به وحرفوا آياته عن طريق ترجمته ترجمات خاطئة لا عن غير قصد وإنما مقصودة بغرض تشويهه لكن هيهات هيهات، فقلوب المبصرين يقظة قبل عقولهم، فهل مثلا يعقل أن النبي الذي بعثه الله رحمة للعالمين،أن يعبث هذا (الجورج سل) بقوله تعالى (وما أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا)ويترجمها أنها نزلت لأهل مكة، أى عقل يعقل ذلك، كل العقول تعي أنه دين عالمي موحى، ورسوله مرسل إلى الدنيا كلها.

ولم يقف الحد عند هذا القدر من الإفتراءات والترهات، بل قال بعضهم أنه كتاب ألفه محمد نتيجة تعامله مع اليهود والنصارى.
آه منكم أيها البلهاء عبدة الشياطين، ألم تعلموا أن رسولنا الكريم لم يعرف الكتابة والقراءة فكيف يؤلفه، ثم رسولنا المعصوم من الثابت أنه لم يلتق اليهود ولا النصارى قبل البعثة إذ كان وقتها صبيا اللهم إلا مرة واحدة في إحدى رحلات عمه التجارية، ثم إلتقى ورقة بن نوفل بعد نزول الوحي في غار حراء ووقتها كان حال النبي لا يسمح له بالتحدث لا مع ولا إلى أحد.

ثم لو كان على حد سخافاتكم من تأليف النبي هل كان النبي سيعاتب نفسه (عبس وتولى)، هل كان سيفضح نفسه (إن الذين جاءوا بالإفك)، فقفوا عند منتهاكم فقرآننا دستورنا ومقوم حياتنا، بل وهو شعلة نشاطنا، لماذا لأن فيه خبر من كان قبلنا ونبأ من سيأتي بعدنا.

وبعد فالواجب علينا، كل الواجب ألا نهمله العام كله ونقرأه في شهر بعينه، وحتى من لا يجيد القراءة فعليه بسماعه ووسائل التكنولوجيا الحديثة كثيرة من يريد حقا لن يعدم الوسيلة إذا كانت غايته تدبره حقا، حتى نظرك في كتاب الله عباده، فبادروا بتعلمه فالقلب الذي ليس به شيئ من القرآن كالبيت الخرب، ونحن لدينا دور للتحفيظ معتمدة من الأزهر الشريف يقوم عليها أساتذة أكفاء فى تحفيظه ومدارسة علومه، ليس هذا وحسب، بل وتعقد مسابقات محلية يحدث من خلالها تصفيات نهائية مؤهلة لمسابقات إقليمية، يحدث فيها تصفيات أيضا للتأهيل لمسابقات عالمية.

ليس هذا وحسب، بل وتهتم الدولة الآن عن طريق مركز الترجمة في الأزهر الشريف بترجمة معانيه ترجمة منضبطة إلي تقريباً كل لغات العالم، لإثبات عالميته والوقوف على ترجمات الأجانب وما جاء فيها من مغالطات، وتقديم الترجمة الحقيقية له حتى يصل بالصورة التي تليق به وبمبدعه سبحانه وتعالى.

كذلك من الأمور المفرحة الإحتفال بالحفظة وتقديم جوائز قيمة لهم، فى احتفال كبير تشهده القيادة السياسية وعلى رأسها فخامة رئيس الدولة.
القرآن الكريم دواء لكل داء، فيه شفاء للناس، غذاء للروح، محرك للوجدان، مريح للقلب مطمئن للنفس، فهنيئا لكم به يا أمة القرآن.

أستاذ  الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة.

 

ترشيحاتنا