الأسرة مبعث الهوية ومنطلق القيم

الدكتور إبراهيم نجم
الدكتور إبراهيم نجم

 

بقلم : د .  إبراهيم نجم

 

المستشار العام لمفتي الجمهورية

 

تُعَدُّ الأسرة الحاضنة الأولى التي يتذوَّق فيها الإنسان معاني الحبّ والرحمة، ويتعلَّم أصول التعاون والمسئولية، ويشعر بدفء الانتماء والأمان . في أحضان الوالدين يكتسب الطفل هويته الأولَى وتنغرس في وجدانه القيم النبيلة والسلوك القويم . ومن خلال التربية الأسرية السليمة، تُبنى شخصية الفرد الدينية والأخلاقية، ويتشرَّب تعاليم دينه وقيم مجتمعه الثقافية.

 

فالأسرة تُعلِّم أبناءها مبادئ العقيدة والأخلاق الفاضلة قولًا وتطبيقًا، وتنقل إليهم ميراثها الحضاري وهويتها الإسلامية عبر القدوة والممارسة اليومية. وبالتوازي مع ذلك، تغرس الأسرة المصرية في نفوس أبنائها معاني الولاء للوطن وحبّ مصر؛ فكما نص الدستور المصري المعدَّل (2019): “الأسرةُ أساسُ المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها” . ومن ثمَّ، فإن قيم التدين السمح والولاء الوطني تنبثق معًا من داخل البيت المصري، حيث تنمو في الطفل مشاعر الفخر بهويته الدينية والثقافية، والاعتزاز بوطنه وترابه. وليس غريبًا أن نرى الأجيال التي تربَّت في أحضان أسر مترابطة أكثر وعيًا بمسئولياتها الدينية والوطنية، وأعمق انتماءً لوطنها وحرصًا على نهضته.

 

والأسرة في الشريعة الإسلامية هي اللّبِنة الأولى في بناء المجتمع الإنساني، والركيزة التي يقوم عليها صرح الحضارة . فهي مؤسسة تربوية واجتماعية راسخة، وفي ظلالها تتكوَّن شخصية الإنسان، وتتشكل معاييره الأخلاقية والسلوكية . وقد رسم الشرع الشريف معالم منظومة القيم الأسرية وحدّد أسسها في القرآن والسنّة؛ إذ جعل الله العلاقة الأسرية آية من آياته، قائمـة على المودة والرحمة بين الزوجين . يقول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةًۚ) ، مشيرًا إلى أن السكينة والمحبّة هما أساس الحياة الزوجية السليمة. كذلك أكّد النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ المسئولية المشتركة داخل الأسرة، فقال: «كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته… والرجل راعٍ في أهل بيته ومسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ على بيت زوجها وولده وهي مسئولةٌ عن رعيتها…» .

 

فهذا التوجيه النبوي يبيّن أن رعاية الأسرة وغرس القيم في أفرادها أمانةٌ على عاتق الأبوين، يسألان عنها أمام الله والمجتمع

تماسك الأسرة هو صمام أمان النسيج الاجتماعي برمَّته. الأسرة المتحابّة المتعاونة تؤسس شبكة الروابط التي تشكل المجتمع في كافة أبعاده ، وهي المدرسة الأولى التي يتعلَّم فيها الفرد أسس العيش المشترك ومبادئ المواطنة الصالحة. وحين تؤدي الأسرة رسالتها التربوية والإنسانية بنجاح، يجني المجتمع ثمار ذلك أجيالًا سويّة متوازنة نفسيًّا وأخلاقيًّا، واعيةً بحقوقها وواجباتها، قادرةً على البناء والإبداع والإسهام في نهضة وطنها . وقد شهد التاريخ المصري أن الأسرة كانت ولا تزال الركيزة القوية في حفظ الهوية الوطنية وصون القيم الأصيلة، رغم ما مرت به مصر من أزمات وتحولات عبر الزمن . فالأسرة المصرية بتماسكها الداخلي أنجبت أجيالًا مشبَعة بروح الوطنية والانتماء، مؤمنةً برسالتها التاريخية، قادرةً على مواجهة التحديات ومساندة الدولة في مسيرتها التنموية . إن البيت المصري المتراصّ هو خط الدفاع الأول عن وحدة الوطن واستقراره الأخلاقي والاجتماعي؛ ففيه تتربى روح المواطنة الصحيحة، وتتجذر قيم التضحية والإيثار من أجل مصر. وليس أدلَّ على هذا من مشاهد التفاف العائلات المصرية عبر العقود حول قضايا الوطن الكبرى، يقدّمون الشهداء ويبذلون الغالي والنفيس دفاعًا عن أرضهم وهويتهم. بذلك تُشكّل الأسرة المصرية مدرسةً للوطنية، ومنها يخرج المواطن الصالح المخلص لدينه ووطنه.

 

على الرغم من مكانة الأسرة الراسخة، تواجهها اليوم تحديات معاصرة تستوجب التأمل والمعالجة الحكيمة. العولمة الثقافية مثلًا روّجت لأنماط عيش وقيم دخيلة تُضعِف الخصوصيات المحلية؛ وثقافة الاستهلاك المادي المتفشية باتت تُضعف الروابط الأسرية الداخلية وتحوّل بعض العلاقات إلى مجرد معاملات مادية . يُضاف إلى ذلك ظواهر الاغتراب الاجتماعي وضعف التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، لا سيما بين جيل الآباء والأبناء في عصر الثورة الرقمية. لقد أفرزت التقنيات الرقمية الحديثة ما يُعرف بـ”الفجوة الرقمية” بين الأجيال؛ فأبناؤنا اليوم مواطنون رقميون نشأوا في عالم الإنترنت، يستقون المعرفة والتأثير من فضاءات إلكترونية ومنصات تواصل حديثة، بينما يكافح الآباء -كـ”مهاجرين رقميين”- للحاق بهذا العالم وفهم مفرداته . ترتب على ذلك تباينٌ في المرجعيات القيمية؛ فالكبار يميلون إلى التمسك بالتقاليد وثقافة الواجب الجمعي، في حين ينزع الشباب إلى ثقافة الاختيار الفردي والسعي وراء الذات . مثل هذه الفجوات قد تُسبِّب سوء فهم وصدامًا داخل البيت ما لم تُجسَّر عبر حوار واعٍ وصبر متبادل. كذلك، لا يمكن إغفال تأثير ثورة الاتصالات على وقت الأسرة وترابطها؛ فالانتشار الواسع للأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وإن قدَّم فرصًا للتعلم والانفتاح، لكنه أيضًا أدخل تحديات تتعلق بضعف الحوار الأسري وتراجع جلسات التواصل المباشر بين الآباء والأبناء. وقد نبَّهت المؤتمرات الإفتائية الحديثة إلى التحولات الرقمية المتسارعة وتأثيراتها على واقع الأسرة وتماسكها، وضرورة استشراف هذه التحولات كفرص للتطوير مع التحصُّن من تبعاتها السلبية . من هنا، يتعيَّن على العلماء والمربّين وأصحاب الرأي أن يقدموا رؤى شرعية وتربوية متوازنة لمواجهة هذه التحديات؛ رؤى تجمع بين الحفاظ على ثوابت الدين والقيم من جهة، وبين الاستفادة الرشيدة من معطيات العصر من جهة أخرى.

 

ختامًا، تبقى الأسرة المصرية  مبعث الهوية ومنطلق القيم بحق. فهي المنبت الذي تتجذّر فيه العقيدة السمحة والسلوك القويم، وتنمو منه غراس الانتماء والولاء. وإذا كانت التحديات الراهنة جسيمة، فإن بناء الأسرة الواعية المتماسكة هو السبيل لمواجهتها. إن مسؤولية صون الأسرة وحماية هويتها وقيمها هي مسؤولية جماعية؛ تبدأ من وعي الأبوين بدورهما الريادي في التربية، وتمتد إلى مؤسسات الدولة في دعم الأسرة وتثقيفها، وتتشارك فيها وسائل الإعلام والتعليم وخطباء المساجد وكل صاحب تأثير. بهذا التعاون الوثيق يمكننا أن نحفظ نسيجنا المجتمعي من التمزق، ونضمن أن تظل القيم الروحية والوطنية نابضةً في وجدان الأجيال القادمة. الأسرة المصرية، بعراقتها الإيمانية وعمق وشائجها الاجتماعية، قادرة بإذن الله على الاستمرار حصنًا لهويتنا وملاذًا لقيمنا؛ ومنها ننطلق لبناء غدٍ أفضل لمصرنا الحبيبة، متسلحين بإيمانٍ راسخ ووطنيةٍ صادقة، وعلى الله قصد السبيل

 

ترشيحاتنا