أداء المناسك بين الآداب والسلوكيات الخاطئة

إداء العمرة ببيت الله الحرام
إداء العمرة ببيت الله الحرام

أداء المناسك بين الآداب والسلوكيات الخاطئة

الشيخ أيمن عبد الجليل:

على المعتمر الالتزام بآداب الزيارة وتجنّب أمور الدنيا.

د. محمود أبو السعود:

التقاط الصور جائز بشرط الخشوع في أداء المناسك.

د. أماني عبد الرحمن:

التمسّك بثقافة الترند يفقد هيبة الشعائر الدينية.

د. عبد النعيم عرفة:

السلوكيات الخاطئة تحتاج إلى ضوابط تنظيمية.

د. دعاء شهدة:

التوعية المسبقة ضرورة لزيادة الوعي.

تحقيق: سيد حجاج

آية مجدي ريان

زيارة البيت الحرام تستوجب على الزائر الالتزام ببعض الآداب؛ فعند دخول مكة المكرمة يجب أن يدخلها مغتسلًا، وأن يكون مُحرِمًا بحج أو بعمرة، وأن يبتدئ بالمسجد، ليستلم الحجر، ويطوف بالبيت، وأن يُكبِّر ويُهلِّل عند رؤية البيت المعظَّم، ويدعو بالدعاء المأثور أو ما يجري على قلبه، وأن يتلطّف بالناس ولا يزاحمهم، فلا يسبّب لهم أدنى أذى. فيُستحب مراعاة كل ما من شأنه تعظيم هذه البلاد المقدسة المعظَّمة، ولكن وقوع البعض تحت وطأة بعض الأفعال الخارجة عن المألوف، والتي فرضتها علينا مواكبة ترندات وسائل التواصل، أصبح شيئًا غير مرغوب، وأثار العديد من التساؤلات الملحّة.

ومن خلال هذه الأفعال غير المسؤولة، كان لعلماء الدين وعلماء النفس والاجتماع آراؤهم حول هذا الموضوع وتفسير دوافع السلوك غير المقبول.

يقول الشيخ أيمن أحمد عبد الجليل، إمام ومدرّس بوزارة الأوقاف، إن زيارة بيت الله الحرام من أجلِّ القُرَب، وأول آدابها إخلاص النية لله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. ويُطلب من الزائر التحلّي بالسكينة والوقار وعدم رفع الصوت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. ومن الأدب الحرص على الطهارة وتعظيم شعائر الله، والاجتهاد في الذكر والصلاة والطواف دون إيذاء لأحد.

ويؤكّد أن من أهم التنبيهات الشرعية تجنّب التزاحم وإيذاء الناس عند الحجر أو الروضة الشريفة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وكذلك يُنهى عن رفع الأصوات.

ويوضح أنه من الأخطاء الانشغال بالتصوير لما فيه من تشويش، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من آذى المسلمين في طرقهم لعنه الله» رواه الطبراني، والحديث حسن بشواهده. كما يُنهى عن البدع كمسح الجدران، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد».

كما يجب المحافظة على النظافة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». كما يُكره الانشغال بالدنيا على حساب العبادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. وكما يجب على المعتمر أو الحاج الالتزام بالتعليمات والتنظيم، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

الالتزام بالآداب

ومن جانبه، يؤكّد د. محمود أبو السعود، مدير الدعوة الإلكترونية بأوقاف دمياط، أن التصوير الشخصي أو في جماعات أثناء مناسك العمرة أو الحج جائز شرعًا، بشرط ألّا يؤدّي إلى تعطيل المعتمرين والحجاج الآخرين، أما التصوير المبالغ فيه فقد يوقعهم في الحرج، خاصة في وجود كبار السن وأصحاب الحالات الخاصة الذين يتأخرون بسبب التقاط الكثير من الصور التذكارية. بالإضافة إلى أن الواجب على المرء، المحرم وغير المحرم، أن يلتزم الأدب والوقار أثناء وجوده في الأماكن المقدسة، حيث أمرنا المولى سبحانه وتعالى بتعظيم البيت الحرام واحترام قدسيته، كما أن اللائق بالحاج أن يكون منشغلًا بالخشوع في أداء المناسك، حتى يكافئه المولى سبحانه وتعالى بالأجر والثواب، فيكون حجّه مبرورًا مقبولًا.

ويؤكّد أن لزيارة بيت الله الحرام آدابًا ينبغي على المعتمر والحاج الالتزام بها ومراعاتها، أهمها ألّا يدخل مكة إلا مُحرِمًا بحج أو عمرة؛ استحبابًا، بالإضافة إلى الغُسل، لما رواه الترمذي في «سننه» عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِدُخُولِهِ مَكَّةَ بِفَخٍّ»، وفي «الصحيحين» عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما «إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل»، ويُحدّث أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك.

كما يُستحب للحاج أو المعتمر أن يبدأ دخول المسجد الحرام بالطواف؛ فقد أخبرت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن: «أوّل شيء بدأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة» متفق عليه.

ثم إذا رأى البيت المعظَّم كبّر وهلّل ودعا؛ فإن الدعاء مستجاب عند رؤيته، كما يجب أن يتحفّظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحام، ويتلطّف بمن يزاحمه، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها، والتي هو متوجّه إليها، ويُمهِّد عذر من زاحمه، وما نُزعت الرحمة إلا من قلب شقي.

سلوكيات خاطئة

وتضيف د. أماني عبد الرحمن محمد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن انتشار ثقافة الترند وسيطرتها على الساحة أصبح شيئًا مقلقًا وسببًا رئيسيًا في كثير من المشكلات المجتمعية، مؤكدة أن من يلجؤون لمثل هذه الثقافة أثناء زيارة الأماكن المقدسة، بالمبالغة في التصوير والانشغال بعمل الفيديوهات لنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحوّلون زياراتهم المقدسة من العبادة إلى الاستعراض والتباهي والاستهزاء بالشعائر الدينية.

وتشير إلى أن زيارة البيت الحرام هي رحلة يؤديها الأفراد لوجه الله تعالى بهدف العبادة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». وهذا يؤكد أن الدين لا ينحصر في التدين الشكلي فقط، واستعراض تلك العبادات بالصور والترندات.

وتحذّر د. أماني من استخدام فلاتر التصوير داخل الأماكن المقدسة، واستغلالها لعمل الترندات، وتقليد الآخرين لها، وانتشارها وطمس كل ما هو صحيح.

ضوابط تنظيمية

أما د. عبد النعيم عرفة محمود، أستاذ ورئيس قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة الأزهر، فيقول إن زيارة الحرم تُعد مساحة يستعيد فيها الإنسان توازنه الروحي، ويستحضر فيها معاني السكينة والخشوع، غير أن المشاهد الميدانية تشير إلى صدور بعض السلوكيات غير الملائمة من بعض الزائرين، مثل الانشغال المفرط بالتقاط الصور، أو الضحك بصوت مرتفع، أو التصرف بطريقة لا تتناسب مع قدسية المكان.

ويشير إلى أن هذه السلوكيات تثير تساؤلات حول دوافعها النفسية وكيفية ضبطها وتوجيهها بما يحافظ على الهيبة الروحية للحرم، مؤكدًا أن ضبط هذه السلوكيات يستلزم اتخاذ إجراءات تربوية وتنظيمية متكاملة تستند إلى التوعية واللطف والقدوة، مثل البدء بتوجيه رسائل مختصرة قبل دخول الحرم حول آداب الزيارة وأهمية السكينة، للمساهمة في تشكيل توقعات سلوكية مسبقة لدى الزائرين، كما يساعد وجود مرشدين أو موظفين مختصين عند المداخل على تقديم تذكير لطيف دون أسلوب صدامي، الأمر الذي يعزّز الالتزام بدافع الاحترام لا بدافع الخوف.

ويؤكد أن فهم الدوافع النفسية الكامنة خلف السلوكيات السلبية، ووضع آليات توجيه ناعمة وفعّالة، يمثلان خطوة أساسية للحفاظ على قدسية الحرم وهيبته، مع تعزيز تجربة روحية أصيلة للزائرين بعيدًا عن الضوضاء الحسيّة والرقمية التي تحيط بهم.

غياب الوعي

وتؤكد د. دعاء عبد الفتاح شهدة، مدرس علم النفس التربوي بجامعة دمياط، أن تفسير تصرفات بعض الأفراد داخل الحرم من الناحية النفسية يرجع إلى عدة أسباب؛ أولها التوتر الانفعالي أو رهبة المكان، فبعض الأشخاص يشعرون بانفعال شديد أو توتر في الأماكن المقدسة، فيظهر ذلك في شكل ضحك غير مناسب أو سلوك لا إرادي يُعرف بالضحك العصبي، بالإضافة إلى محاولة تخفيف الإحراج أو التوتر الاجتماعي؛ فحين يكون الشخص غير معتاد على الأماكن المزدحمة أو المهابة قد يستخدم الضحك أو المزاح ليخفف إحساسه بالتوتر.

كذلك البحث عن التميز أو لفت الانتباه؛ فالبعض يريد توثيق كل شيء والتقاط الصور لأنه يرى الزيارة حدثًا استثنائيًا، وربما يبالغ في ذلك رغبة في الظهور أو مشاركة التجربة عبر وسائل التواصل، وضعف الوعي بالقدسية والمقام؛ حين لا يكون لدى الفرد وعي كافٍ بخصوصية المكان وقدسيته، قد يتصرف كما يتصرف في الأماكن السياحية، فيغيب التركيز الروحي.

وتؤكد د. دعاء أن ضبط هذه السلوكيات يحتاج إلى توعية مسبقة من خلال نشر رسائل واضحة حول آداب الحرم في الفنادق والمطارات والحافلات، وإنتاج محتوى مرئي بسيط يوضح ما يليق وما لا يليق، بالإضافة إلى القدوة الحسنة؛ فعندما يرى الزائر من حوله احترامًا ووقارًا، يميل إلى تقليده، مبينة أن السلوك ينتقل بالملاحظة أكثر من التوجيه المباشر، والتوجيه اللطيف عند الحاجة؛ فإذا صدر سلوك غير مناسب، يمكن تنبيه الشخص بلطف واحترام دون إحراج، لأن الغلظة قد تزيد العناد. كما أن تنظيم بيئة المكان، بتخصيص أماكن محددة للتصوير خارج نطاق الصلاة، ووضع لوحات تذكيرية غير مباشرة، وتعزيز ثقافة الوعي الروحي من خلال برامج قصيرة أو رسائل صوتية داخل الحرم تُذكّر بالخشوع وآداب الزيارة، يساعد على إعادة تركيز الزوار وضبط النفس الشخصي، حيث يمكن للشخص نفسه أن ينوي الزيارة للعبادة لا للتوثيق

 

ترشيحاتنا