يضم مقتنيات وتسجيلات نادرة

متحف القراء.. ذاكرة حية تروي مسيرة عظماء التلاوة

خلال افتتاح «متحف قراء القرآن الكريم»
خلال افتتاح «متحف قراء القرآن الكريم»

الأزهري: يصون تراثنا الروحي ويبرز خصوصية المدرسة المصرية

هنو: بؤرة معرفية تفاعلية تعزز هويتنا الحضارية والدينية

رئيس «العاصمة الإدارية»: إضافة نوعية لمركز مصر الثقافي الإسلامي

افتتحت وزارتا الأوقاف والثقافة مؤخرًا «متحف قراء القرآن الكريم» في مركز مصر الثقافي الإسلامي بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور عدد من الوزراء والشخصيات العامة وأسر كبار القراء، ليعكس اهتمام الدولة بصون تراثها الروحي والثقافي، وتخليد رموز مدرسة التلاوة المصرية التي ارتبطت بذاكرة ملايين المسلمين حول العالم لعقود طويلة.

مشروع معماري فريد يمزج بين الروحانية والتكنولوجيا الحديثة والتصميم المتحفي المتطور، حيث يقع المتحف أسفل مسجد مصر على مساحة 6730 مترًا مربعًا، ليكون الأول من نوعه عالميًا، وداخل أجنحته يخوض الزائر تجربة حيّة تستعيد ملامح حياة كبار القرّاء؛ إذ تُعرض عمائمهم ومصاحفهم الخاصة، وأدوات التسجيل القديمة، وصور نادرة، وخطابات رسمية، وإجازات تلاوة، بل وحتى أقلام ومكاتبات بخط أيديهم.

يضم المتحف مقتنيات خاصة بأحد عشر من كبار القراء الذين تركوا بصمة لا تُمحى في تاريخ التلاوة وهم: الشيخ محمد رفعت الذي ارتبط اسمه ببدايات الإذاعة المصرية، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي الذي تميز بأداء مهيب، والشيخ طه الفشني صاحب الصوت العذب، والشيخ مصطفى إسماعيل الذي جمع بين قوة الأداء وتنوع المقامات، والشيخ محمود خليل الحصري الذي ارتبط اسمه بالتسجيلات الكاملة للقرآن الكريم، والشيخ محمد صديق المنشاوي الذي عُرف بخشوعه، والشيخ أبو العينين شعيشع الذي حمل راية التلاوة في المحافل الدولية، والشيخ محمود علي البنا الذي اشتهر بجمال صوته، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي صار أيقونة عالمية لصوت القرآن، والشيخ محمد محمود الطبلاوي الذي ظل حاضرًا حتى السنوات الأخيرة، والشيخ أحمد الرزيقي الذي أضاف لمساته الخاصة على مدرسة التلاوة المصرية.

أكد د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن افتتاح متحف قرّاء القرآن الكريم يُمثل خطوة مهمة في مسار الحفاظ على الهوية الدينية الوسطية وصون تراثنا الثقافي والروحي، وتقدير رموز التلاوة الذين حملوا القرآن الكريم إلى القلوب قبل الآذان، مشيرًا إلى أن المدرسة المصرية في التلاوة أسهمت في نشر الفهم الصحيح لكتاب الله، وترسيخ قيم الجمال والخشوع والاعتدال في الوجدان الإسلامي.

توثيق التاريخ

وأضاف الأزهري أن المتحف يهدف إلى توثيق تاريخ أعلام التلاوة المصرية، وإبراز خصوصية المدرسة المصرية في الأداء الصوتي للقرآن الكريم، وما تميزت به من انضباط علمي في القراءات، إلى جانب الحس الجمالي الرفيع في المقامات والأساليب الأدائية، لافتًا إلى أن قراء القرآن المصريين جمعوا بين إتقان علوم القرآن، وحسن الأداء، وصدق التلقي، ما جعل تلاواتهم مدرسة قائمة بذاتها عبر الأجيال.

وأوضح أن المتحف يحوي مقتنيات 11 من كبار القراء المصريين عمالقة دولة التلاوة، بالإضافة إلى مجموعة من المخطوطات والمقتنيات النادرة، وإجازات الأزهر الشريف لعدد من المقرئين، وقاعات مخصصة للاستماع إلى تلاوات مختارة في بيئة صوتية نقية، تتيح للزائر تجربة معرفية وسمعية متكاملة عبر اختيار القارئ والسورة والمقام، تجعل من المتحف أول صرح ثقافي من نوعه يُعنى بتوثيق أعلام التلاوة وجماليات الأداء الصوتي للقرآن الكريم، كما يضم قاعات تقدم تسجيلات بلغات أجنبية، لتجعل التجربة عالمية الطابع، لا تقتصر على العرب وحدهم، بل تصل إلى جمهور واسع حول العالم.

الهوية المصرية

وأشار الأزهري إلى أن الزائر للمتحف لا يخرج فقط بانطباع عن جماليات التلاوة المصرية فقط، بل يدرك أيضًا حجم الجهد الذي بذلته الدولة في الحفاظ على هذا التراث غير المادي، الذي يشكّل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية، فالمتحف يعكس رؤية شاملة تربط بين الماضي والحاضر، ويؤكد أن أصوات القراء الكبار ستظل حاضرة في الذاكرة الجمعية، وأن مصر ماضية في مشروعها الثقافي والديني لحماية هذا الإرث للأجيال القادمة.

وأوضح وزير الأوقاف أن مسجد مصر بما يزخر به من نقوش قرآنية وآيات كريمة يعكس رسالة الأمن والسلام ومكانة مصر، وأن المتحف جزء من هذه الرسالة الحضارية التي تهدف إلى ترسيخ القيم الإيمانية والوطنية.

كما أعلن د. أسامة الأزهري، أن الوزارة ستنظم برامج تعليمية موجهة للشباب داخل المتحف، وذلك بهدف تعريفهم بأساسيات التلاوة وأهمية الالتزام بضوابطها، إلى جانب تنظيم ورش عمل للباحثين والمهتمين بمجال علوم القرآن الكريم، وعقد فعاليات دورية تشمل ندوات ومحاضرات وعروض تسجيلية، بما يضمن أن يظل المتحف فضاءً متجددًا يواكب احتياجات الجمهور، ويعكس الدور الحضاري لمصر في نشر ثقافة التلاوة وتوثيق أعلامها الكبار، وربط الأجيال الجديدة بتراثهم القديم، وتعزيز قيم الانتماء والهوية الثقافية والدينية.

تقدير الدولة

من جانبه، قال د. أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن افتتاح هذا المتحف يُجسّد تقدير الدولة العميق لقيمة قارئ القرآن المصري، بوصفه حافظًا لكتاب الله، وحاملًا لرسالة روحية وجمالية أسهمت في ترسيخ مكانة مصر كمنارة رائدة في فنون التلاوة، مشيرًا إلى أن أصوات كبار القرّاء المصريين كانت ولا تزال جزءًا أصيلًا من الذاكرة السمعية والهوية الثقافية للأمة العربية والإسلامية.

وأضاف أن المتحف يمثل إضافة ثقافية ومعرفية نوعية، ويجسد بؤرة تفاعلية جديدة تجمع بين المعرفة الدينية والقيمة الثقافية والأداء الفني في إطار واحد، موضحًا أنه يعتمد على منظومة متكاملة من الوسائط المتنوعة التي تبرز قيمة القراءة من منظورها الفني والمعرفي والثقافي، حيث يضم أربع قاعات كبرى تشهد تجانسًا وتضافرًا بين العديد من الروافد الفنية، بما يتيح للزائر تجربة معرفية متكاملة وغير تقليدية.

وأكد «هنو» أن هذا المشروع يعكس اهتمام الدولة بتعزيز الهوية المصرية وترسيخ قيمة القراءة باعتبارها أحد الوسائط المتفردة في صميم الثقافة الوطنية، لافتًا إلى أن القراءة في مصر ليست نشاطًا معرفيًا فقط، بل هي ممارسة فنية وإنسانية تمتلك جذورًا عميقة وتأثيرًا إقليميًا واسعًا، مشيرا إلى أنه لا يُعد مجرد متحف، بل يمثل أثرًا ثقافيًا إقليميًا له دور حضاري ملموس على المستويين المحلي والدولي، مؤكدًا أن مصر كانت وستظل بلد القراءة والتميز الثقافي.

وحول تأثير المتحف على الزوار، أوضح وزير الثقافة أن عناصر الجماليات المعروضة لا تعتمد فقط على المشاهدة البصرية، بل تمتد إلى التأثير العاطفي والإنساني، بما يعزز علاقة المتلقي بالمحتوى الثقافي، خاصة أن فنون القراءة في مصر تتنوع بين مدارس وأساليب فنية مختلفة، ما يجعل التجربة ممتعة ومثرية في آن واحد.

تعاون بناء

ولفت إلى أن هناك طموحًا لتوسيع آفاق التعاون بين وزارتي الثقافة والأوقاف خلال الفترة المقبلة، في إطار مشروعات وفعاليات مشتركة تستهدف رفع الوعي الثقافي وتعزيز القيم المعرفية لدى المواطن المصري، مشيرًا إلى وجود توافق كبير مع الدكتور أسامة الأزهري، خاصة في مجالات المراجع والوثائق التاريخية والمصاحف التراثية، باعتبارها رصيدًا مؤسسيًا مهمًا للدولة المصرية.

وفيما يتعلق باستخدام التكنولوجيا داخل المتحف، شدد وزير الثقافة على أن السيناريو المتحفي شهد تطورًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، وأصبح قائمًا على التفاعل بين المعروض والمتلقي، وهو ما يسهم في جذب فئة الشباب، مؤكدًا أهمية تطوير الوسائط التكنولوجية مستقبلًا لتقديم قراءة تحليلية أعمق للجوانب الفنية المرتبطة بفنون الأداء القرائي.

وأكد د. أحمد فؤاد هنو على أن أكثر ما لفت انتباهه داخل المتحف هو عرض المتعلقات الشخصية للقراء وصورهم والمصاحف التي استخدموها، لما تحمله من بعد إنساني يقرّبهم من الجمهور، ويؤكد أنهم جزء أصيل من نسيج المجتمع المصري وهويته الثقافية.

مدينة متكاملة

وقال المهندس خالد عباس، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، إن افتتاح متحف قرّاء القرآن الكريم يأتي في إطار التزام الشركة بدورها الوطني في إنشاء وإدارة مشروعات لا تقتصر على العمران فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي والروحي.

وأضاف عباس أن الشركة، بوصفها المالكة والممولة الحصرية للمشروع، حرصت على أن يخرج هذا الصرح في أبهى صورة تليق بعظمة القرآن الكريم ومكانة قرّائه الكبار، لافتًا إلى أن المتحف يُعد إضافة نوعية لمركز مصر الثقافي الإسلامي وللعاصمة الجديدة، ويعكس رؤية الدولة في بناء مدينة متكاملة تجمع بين الحداثة وصون التراث، وتخلّد رموزًا صنعت وجدان الأمة وأسهمت في نشر رسالة القرآن الكريم بصوت مصري أصيل، فهو من ناحية يخلد أسماء القراء الذين يمثلون جزءًا من التراث المصري، ومن ناحية أخرى يستخدم أحدث التقنيات في العرض والتوثيق.، وهذا التوازن بين الماضي والحاضر هو ما يجعل المشروع فريدًا، لأنه لا يكتفي بعرض التاريخ بل يقدمه في قالب حديث يجذب الزوار من مختلف البلاد.

وأوضح أن المتحف لا يقف عند حدود التوثيق التاريخي، بل يسعى أيضًا إلى أن يكون مركزًا للتفاعل الثقافي والديني، حيث يمكن للزوار من مختلف الأعمار أن يتعرفوا على فنون التلاوة وأسرارها، وأن يدركوا كيف تحولت أصوات هؤلاء القراء إلى جزء من الهوية المصرية والعربية، فالتلاوة لم تكن مجرد أداء صوتي، بل كانت مدرسة في الروحانية والبلاغة، وكان كل قارئ يضيف بصمته الخاصة التي تميزه عن غيره، وهو ما جعل أسماء مثل عبد الباسط والحصري والمنشاوي تتردد في كل بيت مسلم.

تجربة فريدة

أشار المهندس خالد عباس إلى أن تجربة الزائر للمتحف ستكون فريدة من نوعها، فإلى جانب المقتنيات والوثائق، هناك شاشات عرض رقمية تتيح للزائر أن يتنقل بين تسجيلات نادرة، بعضها يعود إلى بدايات القرن الماضي، وبعضها الآخر يوثق لحظات تاريخية مثل تلاوات في الحرمين الشريفين أو في مؤتمرات دولية، وهذه التسجيلات تمنح الزائر فرصة أن يعيش أجواء تلك الحقبة، وأن يتأمل كيف كان صوت القرآن يصدح في المحافل الكبرى، وكيف كان القراء المصريون يمثلون مصر أمام العالم الإسلامي.


 

ولفت رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية إلى أن المتحف يفتح الباب أمام الباحثين والدارسين لفهم تطور فن التلاوة، إذ يمكنهم الاطلاع على المخطوطات والإجازات التي حصل عليها القراء، ومقارنة أساليب الأداء بين جيل وآخر، مما يتيح دراسة أكاديمية لفن التلاوة باعتباره جزءًا من التراث الموسيقي والروحي في آن واحد، وقد أبدى عدد من أساتذة الأزهر اهتمامًا بهذا الجانب، مؤكدين أن المتحف سيكون مرجعًا مهمًا للباحثين في علوم القراءات والموسيقى العربية.

وتابع المهندس خالد عباس قائلًا: "من الناحية الاجتماعية، يمثل المتحف أيضًا مساحة للتواصل بين الأجيال، حيث يمكن للشباب أن يتعرفوا على أسماء ربما لم يسمعوا عنها من قبل، وأن يدركوا أن هذه الأصوات التي يسمعونها في التسجيلات القديمة كانت يومًا ما أصواتًا حية تهز وجدان الملايين، وهذا التواصل يعزز الانتماء ويمنح الجيل الجديد شعورًا بالفخر بأن بلده أنجبت هؤلاء العمالقة الذين صاروا رموزًا عالمية".

ونوه عباس بأنه من المتوقع أن يصبح المتحف مقصدًا سياحيًا وروحيًا هامًا، حيث سيستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها، خاصة من الدول الإسلامية التي ارتبطت وجدانها بأصوات القراء المصريين.

متحف مميز

في ذات السياق، عبّر عدد من زوار المتحف عن إعجابهم بالتجربة، مشيرين إلى أن المتحف يختلف عن أي مكان آخر لأنه يجمع بين الروحانية والفن في إطار معماري متكامل، ويمنحهم فرصة للتأمل والاستماع في أجواء مهيبة داخل مسجد مصر، وبعضهم وصف التجربة بأنها "رحلة في ذاكرة الصوت"، حيث ينتقل الزائر من قارئ إلى آخر، ومن مقام إلى آخر، ليكتشف تنوع المدرسة المصرية وثراءها.

وأكدوا أن دخولهم إلى المتحف كان أشبه برحلة إيمانية وروحية ثرية، حيث النقوش القرآنية المضيئة والممرات المزخرفة خلقت حالة من السكينة والرهبة، فيما وصف آخرون القاعات الصوتية بأنها الأكثر تأثيرًا، إذ تتيح الاستماع إلى تلاوات كبار القرّاء بجودة نقية تجعلهم يشعرون وكأنهم في حضرة القارئ نفسه، مشيرين إلى أن عرض مقتنيات شخصية نادرة للقراء مثل العمائم والمصاحف وأدوات التسجيل وصور القرّاء أعاد إليهم ذكريات الطفولة والارتباط العاطفي بأصوات التلاوة المصرية، معتبرين أن هذه التفاصيل تحمل بعدًا إنسانيًا عميقًا يقرّب القرّاء من الجمهور ويجعلهم جزءًا حيًا من نسيج المجتمع.

كما عبّر الزوار عن شعورهم بالفخر والانتماء بأن مصر أنشأت أول متحف عالمي يوثق مدرسة التلاوة المصرية، مؤكدين أن المشروع يعكس ريادة مصر الثقافية والدينية، ويؤكد أن أصوات قرّائها ستظل المرجعية الأهم في العالم الإسلامي لعقود طويلة، موضحين أن وجود تسجيلات بلغات أجنبية داخل المتحف يجعل التجربة عالمية، ويتيح لغير الناطقين بالعربية التعرف على جماليات التلاوة المصرية، وهو ما يعزز الدور الحضاري لمصر ويمنح المتحف بعدًا دوليًا.

 

 

 

ترشيحاتنا