د. صلاح شفيع : العربية تنتظر العقول النابهه لكشف أسرارها
د. خالد فهمي: الخطر الحقيقي يبدأ من التكنولوجيا
د. عمرو الجندي: دعمها بما تستحقه من استثمار وثقة في الفضاء الرقمي
د. محمد فهمي طلبة: التقنية لن تُقصي المعلم.. لكنها ستُقصى من لايتطور
د. فهر شاكر: "أمة بلا لسان.. أمة بلا مستقبل"
د. محسن رشوان : الفجوة الرقمية حقيقية .. وعلينا امتلاك ميزة تراكمية للتقدم
د. محمد العبد: إصدارات "المجمع" الرقمية تعزز تأثيرالعربية ومساهمتها عالمياً
أعدت الملف: إسراء عبد المعطي
"إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِناً - جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضادِ".. أحمد شوقي
في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٧٣ إدراج اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في المنظمة، ولغة "الضاد" تحتل اليوم مرتبة متقدمة بين لغات العالم، حيث جاءت في المرتبة الخامسة بإجمالي ٤٠٠ مليون متحدث حول العالم وفق أحدث إحصاءات عن جميع اللغات الحية المعروفة، علاوة على احتفاظها بمكانة خاصة نظراً لأهميتها الدينية والأدبية.
فنحن لا نقف أمام لغة فحسب بل أمام هوية كاملة تشكّلت عبر قرون، واحتضنت حضارة ازدهرت بالعلم والفكر والدين.
فمع تسارع الثورة الرقمية واقتحام الذكاء الاصطناعي تفاصيل حياتنا، باتت العربية أمام منعطف جديد يطرح أسئلة مصيرية: كيف نحافظ على حضورها؟ وكيف نضمن أن تبقى لغة معرفة وإبداع لا مجرد تراث نحتفي به في المناسبات أو على المستوى الأكاديمي فقط؟
ولهذا جمعت اللواء الإسلامي في هذا الملف نخبة من أعضاء مجمع اللغة العربية، وباحثيه، وأساتذة اللغة العربية في جامعاتنا، لفتح حوار واسع حول مستقبل العربية في عصر تتغير فيه قواعد التواصل والإنتاج المعرفي.
يناقش هذا الملف بعمق: "مكانة العربية في البيئة الرقمية الحديثة، وفرصها وتحدياتها في ظل نماذج الذكاء الاصطناعي، جودة تعليم العربية في المدارس والجامعات، حضورها في الإعلام المعاصر ومنصّات المحتوى، وهل الذكاء الاصطناعي يُهدّد العربية أم يمثل فرصة تاريخية لتعزيزها؟
فنحن أمام نقاش لا يستمد أهميته من المناسبة وحدها، بل من واقع يحتم علينا إعادة النظر في علاقتنا بلغتنا: كيف نُعلمها؟ كيف نُنتج بها المعرفة؟ وكيف نُدخلها بقوة في قلب التكنولوجيا الحديثة؟
فالاحتفال الحقيقي بالعربية لا يكون بالخطابة والمدائح بل بقياس أثرنا والعمل من أجل أن تبقى العربية حيّة مؤثرة وقادرة على المنافسة في المستقبل والفضاء الرقمي.
يرى د. خالد فهمي، أستاذ اللغويات بكلية الآداب بالمنوفية والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، أن أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية اليوم في ظل العولمة والانفتاح الثقافي تتمثل في جانبين رئيسين، أولها :التحدي المعرفي
إذ يشير إلى أن المجتمع العلمي العربي غير منتج للمعرفة بالمستوى المطلوب، مقارنة بالعالم الغربي الذي يهيمن على ثورة المستحدثات الحضارية في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا، بالإضافة إلى بعض دول الشرق الأقصى مثل الصين واليابان، وتراجع إنتاج المعرفة والمستحدثات الحضارية في العالم العربي يجعل اللسان العربي عُرضة للتراجع والانحسار، خصوصًا أن العالم الغربي غير منتج أيضًا للبرامج التعريبية للتقنية الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والشبكة العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة مثل فيسبوك، منصة X، وإنستجرام، وغيرها.
أما التحدي الثاني: التواصلي والاجتماعي حيث يبتعد قطاع كبير من الشباب، تتراوح أعمارهم بين ١٥ و ٣٠عامًا ويشكلون نحو ٣٠% من السكان، عن استعمال اللغة العربية، متجهين نحو اللغات الأجنبية أو ما يُعرف بـ”Franco Arab' أو “Arabizi”، وهو نمط تواصل لغوي هجين يشوه العربية ويضر باللسان، وهذان التحديان، يمثلان خطرًا حقيقيًا على اللغة العربية ويستدعيان تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية للحفاظ على حضورها وتعزيز دورها في جميع مجالات الحياة الحديثة.

غُربة اللسان
ويُقرر د. فهمي أن الجيل الجديد لا يستخدم العربية الفصحى استخدامًا صحيحًا، وذلك يرجع إلى الهزيمة النفسية وهجوم الأنظمة التعليمية التي تمددت فيها اللغات الأجنبية تمددًا مذهلًا ومخيفًا ومرعبًا، خاصة في المراحل التعليمية المبكرة (الابتدائية – الإعدادية – الثانوية). فقد انتشرت المدارس التي تُدرِّس بالإنجليزية أو بالفرنسية تدريسًا كاملاً، ويتسع هذا الأمر مع دخول الشباب إلى التعليم العالي، حيث يُقبل عدد كبير من البلدان العربية على التحاق أبنائها بالجامعات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والكندية، وهذه المزاحمة الشديدة للتعليم باللغات الأجنبية بين المواطنين العرب تسهم إسهامًا كبيرًا في تغريب اللسان العربي بين أبنائه، ومع انتشار المعايير العصرية الخاطئة، وفهم التحضر وفق المقياس الأوروبي والغربي، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي عاملاً إضافيًا في تدمير اللسان العربي، وإضعاف المعجم العربي، وتشويه المفاهيم العربية، محذراً من أن اللغة العربية في حال استمرار هذا المسار، قد تتحول في النهاية إلى لسان أجنبي وإن كُتب بحروف عربية، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بوضوح في تحليل عينات كثيرة من الكتابات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويشير د. فهمي إلى أن هذا التراجع في استخدام اللغة العربية ناتج عن مجموعة من العوامل المعقدة والمتشابكة، فنجد أن الشباب وقعوا تحت ما يسمى بـ"الهزيمة النفسية والتبعية للغرب" وهو شعور بضآلة النفس العربية أمام الحضارة الغربية مؤكدًا أن هذه الظاهرة أشار إليها مفكرون كبار مثل: مالك بن نبي، الذي أطلق عليها مصطلح "القابلية للاستعمار"، وعلّال الفاسي الذي تحدث عن "الاستعداد للاستعمار"، لافتا إلى أن الهجوم التعليمي من المدارس والجامعات الأجنبية أسهم في تفاقم المشكلة، وأن المؤسسات التعليمية الأجنبية، مثل الجامعات الأمريكية والإنجليزية والفرنسية والروسية ، فرضت لغاتها ومناهجها مما أسهم في ضعف حضور العربية في وعي الشباب، علاوة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تمثل عامل ضغط سلبي كبير على اللغة العربية، حيث أسهمت في التراجع المرعب لاستخدام اللسان العربي الصحيح، سواء في الكتابة أو التحدث، مع انتشار اللهجات واللغات المختلطة بين الشباب، فهذه العوامل تجعل الجيل الجديد واقعًا تحت سطوة سلبية تهدد اللغة العربية، ما يستدعي تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية للحفاظ على حضور العربية وتعزيز استخدامها في مختلف المجالات.
تهديد لغوي
وتناول د. فهمي الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يدعم اللغة العربية ويدعم فهمها إذا ما استعمل استعمالا صحيحا، والتقنيات الحديثة أصبحت قادرة بشكل مبدأي، على مساعدتنا في النطق الصحيح لبعض الكلمات التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة، مع ضرورة أن يراجع الإنسان هذه المخرجات للتحقق من صحتها.، والذكاء الاصطناعي يقدم أيضًا مساعدات في عدد من المهارات اللغوية، من بينها الإملاء العربي والضبط الذي يمثل جزءًا أساسيًا من ماهية الكتابة العربية، والمخاوف من الذكاء الاصطناعي واردة، خصوصًا في ظل الأصوات الغربية التي تتحدث عن تأثيره الضار في تدمير المواهب والملكات الإنسانية، وإذا استمر الإنسان معتمدًا على الذكاء الاصطناعي في كل أموره، فإن ذلك قد يحوله إلى كائن ضئيل الملكات العقلية وضئيل الكلمات الاستعمالية فيما يتعلق بعدد من مهارات الاستعمال اللغوي.
ولفت د. فهمى إلى أن هناك خطرًا شديدًا يهدد ملكة الكتابة والإملاء لدى الأجيال الراهنة، بدءًا من الأطفال في الطفولة المتأخرة مرورًا بالشباب وصولًا إلى عموم المثقفين.
مضيفا:" لا اتحدث فقط عن جماليات الخط التي تراجعت من حيث المستوى الجمالي ومن حيث المقروئية والوضوح والشفافية البصرية، بل عن الأخطاء المرعبة التي يصعب تصورها، في ظل مزاحمة التواصل الرقمي وآليات الذكاء الاصطناعي التي تمكن الآلة من أن تكتب، و إهمال استعمال الإنسان لأعضائه في مهارات اللغة يؤدي في النهاية إلى ضمور هذه الملكة".
مستقبل اللغة
وأوضح د. فهمي أن مستقبل اللغة العربية مرهون بعدد من "السيناريوهات"، الأول يشير إلى ضرورة تنبّه الحكومات الوطنية لما يهدد اللسان العربي، والبدء في التدخل التشريعي عبر إصدار قوانين حمائية وتشجيعية لاستعمال العربية، ثم تنزيل هذه التشريعات على أرض الواقع في المجالات اليومية والتعليمية والإعلامية.
وإذا سارت الدول في هذا الاتجاه، يمكن عندها التنبؤ بعودة قوية لاستعمال اللسان العربي وانتشاره، أما السيناريو الآخر، فهو لو استمرت الأنظمة السياسية والتعليمية والإعلامية في تجاهل ما يحيط باللغة العربية من مخاطر، وعدم التخطيط لمواجهتها من خلال ما يُعرف بـ"التخطيط اللغوي"-وهو علم حكومي بالأساس-سيؤدي إلى نتائج خطيرة. فالتخطيط اللغوي يشمل توحيد الإملاء وإصلاحه، وتطوير المعجم والذخيرة اللغوية بما يتناسب مع خطط التنمية.
ويؤكد أنه إذا لم يحدث ذلك، ومع استمرار التطور التكنولوجي القادم من الغرب، فإن العربية قد تتحول إلى لغة أعجمية، وإن ظلت تُكتب بحروف عربية.
يوجه د. فهمي في اليوم العالمي للغة العربية مجموعة من الرسائل المهمة إلى الباحثين والطلاب، واصفًا إياها بأنها "برقيات" تحمل أعمق معاني الاعتزاز باللسان العربي.
الأولى: اللسان العربي يمتلك تاريخًا حضاريًا عريقًا، حقق خلاله نجاحات مبهرة في العصور القديمة، وترك أثرًا لا يُمحى في الفكر والعلوم والمعرفة.
الثانية: قدرة العربية التاريخية على استيعاب علوم الأمم الأخرى؛ من اليونان والسريان والفرس، مضيفًا أن هذا اللسان أثبت مكانته وجدارته في التعبير عن مشكلات وقضايا العصر الحديث، وهو ما دفع الأمم المتحدة عام ١٩٧٣ لاعتماد العربية لغة رسمية لأعمالها، ليصبح يوم ١٨ ديسمبر يومًا عالميًا للاحتفاء بها.
الثالثة: العربية ليست مجرد لغة، بل نظام أخلاقي شديد الإنسانية، منبثق من منظومة قيمية (عربية ـ إسلامية) أصيلة.
الرابعة: قدرة اللسان العربي على حمل مفاهيم الأديان السماوية الكبرى في بيئته العربية، فقد استوعب العربيةُ الإنجيلَ والتوراة في ترجمات مبكرة، مما أتاح لليهودي والمسيحي العربي التعبير عن هويته الدينية من خلال العربية، الأخيرة.
إن التجارب الحديثة في عصر تحديث مصر كانت العربية خلالها لغة العلم والتعليم، بدءًا من مدرسة الطب في أبي زعبل التي أسسها محمد علي، مرورًا بمدرسة المهندسخانة، وسائر المؤسسات التعليمية التي أرساها مؤسس مصر الحديثة.

اللغة الباسلة
وشدّد د. صلاح شفيع، أستاذ اللغة العربية بجامعة عين شمس، على أنه لا خوف على اللغة العربية مهما حدث، ووصفها بما سماه د. فتحي جمعة: "اللغة الباسلة"، التي تنافح عن نفسها بينما تحتاج اللغات الأخرى إلى من ينافح عنها، والعربية لغة حيّة تحمل بذرة بقائها في ذاتها، وأن كل من تحدّث عن مستقبل اللغات لم يستثنِ العربية من الاستمرار.
وأضاف: "إن ذكروا أربع لغات ستبقى، فهي منهم، بل أرى أنه لو بقيت لغة واحدة فستكون العربية"، مشيرا إلى أن الجيل الحالي يستخدم العربية بصورة غير صحيحة، لكنه يظل في حال أفضل مما يتصوره البعض، والمسألة نسبية، إذ أن عدد المتعلمين والمهتمين بالعربية الآن أكبر بكثير من الماضي، حيث كانت الأمية منتشرة رغم وجود من يتقنون العربية إتقانًا جيدًا.
ويرى د. صلاح أن مواقع التواصل الاجتماعى سلاح ذو حدين؛ فهي تباعد بين الناس والعربية من جهة، لكنها من جهة أخرى قرّبت المعرفة اللغوية لعدد كبير من غير المتخصصين وساعدت في نشر العلم، مشيرا إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعى وسيلة مساعدة وخطيرة في الوقت نفسه، لكنها قادرة على خدمة العربية بشكل كبير، وشبّه الأمر بتجربة طباعة المصحف الشريف: "كل تقدم تكنولوجي الذي اخترع لمحاربة اللغة العربية انقلب في النهاية إلى وسيلة لحفظها ونشرها"، فاللغة تعتمد على "الاكتشاف"، وأن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في كشف العلاقات العميقة بين الكلمات والتراكيب، بالنظر إلى أن العربية تحمل هندسة لغوية فريدة منحها الله لها.
أما المخاوف فهي قائمة، لكنها لا تلغي حقيقة أن الإنسان سيبقى سيد الآلة لأنه هو من اخترعها.
وأوضح د. شفيع أن اللغة، مثل قوانين الكون، ليست شيئًا يُخترع بل يُكتشف. وشبّه ذلك باكتشاف نيوتن للجاذبية: "الجاذبية كانت موجودة منذ بدء الخلق، لكن لم ينتبه لها أحد"، مضيفا أن العلاقات بين الكلمات والتراكيب قائمة بالفعل، وأن العربية ما زالت تنتظر "الأعين الرائدة" التي تكتشف ما تبقى من قوانينها، ونظرية "التموضع" التي تمنع زحزحة الكلمة عن مكانها، وأن العربية تقوم على هندسة دقيقة تجعل كل كلمة في موضع محسوب لا يقبل الاستبدال، رغم انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي سيظل دور المعلم محوريًا، مؤكدًا أن المسألة تعتمد على ذكاء المعلم نفسه، فالكفء هو الذي يجعل الآلة تعمل لخدمته، لا أن يتكاسل فيسلم زمام الأمر إليها، والعلاقة بين الذكاء الاصطناعى والهوية تشبه علاقة "المهندس بالآلة"، فالآلة عظيمة، لكنها لا تعمل إلا بمقدار عقل من يشغّلها، والذكاء الاصطناعي قادر على اختصار الوقت والمسافات، ويمكن أن يكون أداة مهمة لاكتشاف العلاقات الهندسية بين الكلمات والتراكيب، "لا مشكلة في الهوية؛ فمن تكلم العربية فهو عربي".
ماذا قدمنا لها ؟
د. عمرو الجندي باحث بمجمع اللغة العربية، يرى أن اليوم العالمي للغة العربية في ١٨ ديسمبر ليس مجرد مناسبة احتفالية نكرر فيها ما نعرفه عن جمال العربية وقوتها، بل هو فرصة لمحاسبة النفس على ما قدمناه فعليًا للغة خلال عام كامل، فعلى المستوى الشخصي، يسأل الباحث نفسه: هل اكتفيت بخطاب عاطفي عن العربية، أم شاركت في مشروع أو بحث أو مبادرة جعلت اللغة أكثر حضورًا في حياة الناس وفي العالم الرقمي؟ وعلى المستوى العام، يجب أن يكون هذا اليوم إعلانًا لإنجازاتنا اللغوية المخطط لها بعناية: ما الذي أنجز في التعليم، المحتوى الرقمي، المعاجم، البحث العلمي؟ وما الخطوات العملية للعام القادم؟، ويذكّر الجميع بأن العربية ليست تراثًا محفوظًا في الكتب والمتاحف، بل هي أداة لصناعة المستقبل في الفكر والتعليم والاقتصاد والبحث العلمي والتقنية.
وأكد د. الجندي أن العربية لا تزال من أكثر لغات العالم انتشارًا، وهي من اللغات الرسمية للأمم المتحدة منذ عام ١٩٧٣، وتحمل إرثًا حضاريًا ضخمًا؛ فقد كانت جسرًا لنقل العلوم والفلسفة إلى أوروبا في عصر النهضة، ولا تزال لغة العبادة عند المسلمين، مما يضمن استمرارها حية ومطلوبة عالميًا، إلا أن الإنفتاح الرقمي أوجد أشكالًا جديدة من الاستخدام اللغوي، بعضها يبتعد عن العربية الفصيحة، فيما تعكس منصات التواصل الاجتماعي تحولات اجتماعية وثقافية بين الأجيال ومحاولات لإعادة بناء الهوية عبر الفضاء الرقمي، علاوة على أن حصة العربية من محتوى الإنترنت ما زالت ضئيلة مقارنة بالإنجليزية، التي تستحوذ على قرابة نصف المحتوى العالمي، ما يدفع بعض المستخدمين العرب لاستهلاك محتوى بلغات أخرى ثم إعادة تصديره لمحيطهم العربي، ومع ذلك، هناك مؤشرات إيجابية؛ فالإقبال على تعلم العربية يزداد لأسباب دينية واقتصادية وثقافية، كما أصبح للغة اهتمام رسمي متزايد في بعض الدول عبر المجامع والمؤسسات الثقافية والتشريعات والسياسات اللغوية، فضلاً عن التطوير في المعالجة الآلية للغة والتقنيات الذكية.

تحديات ذكية
أشار د. عمرو إلى أن التقنيات الذكية اليوم تتغذى على اللغة، وكلما كانت موارد اللغة أقوى وأغنى كانت نماذج الذكاء الاصطناعي أدق وأعمق، واللغة العربية - بحكم امتدادها من المحيط إلى الخليج واشتراك العرب جميعا في حملها وخدمتها - ليست ملك دولة واحدة حتى يخطط لها داخل حدودها فقط، بل هي مسئولية جماعية على مستوى الأمة العربية من مشرقها إلى مغربها، وهي تواجه ثلاث تحديات كبرى مترابطة
أولها: غياب رؤية عربية مشتركة للغة في عصر التقنية، فلا تزال سياسات اللغة العربية في التعليم والإعلام والتقنية مجزأة من بلد لآخر، بلا تخطيط لغوي عربي منسق يحدد الأولويات المشتركة، ويقود الاستثمار في المشاريع الكبرى العابرة للحدود.
ثانيها :ندرة الكوادر القيادية القادرة على تحويل الأبحاث إلى منتجات، فلدينا باحثون متميزون، لكننا نفتقد بالقدر نفسه إلى مديرين يجمعون بين إدارة الأعمال وفهم اللغة والتقنية والقدرة على قيادة فرق متعددة التخصصات في مشاريع لغوية كبرى.
ثالثًا: ضعف البنية التحتية اللغوية الرقمية، وهى قلة المدونات اللغوية العربية ذات الأصناف المتقدمة والمركبة من التوسيم عالي الجودة، وتعدد اللهجات مع فجوة بينها وبين الفصحى، والقلة النسبية للأدوات المفتوحة التي يمكن للباحثين والشركات البناء عليها،
وقال د. الجندى: لمواجهة هذه التحديات، هناك ٣ مسارات عملية متوازية، كل مسار يقابل تحديا بعينه، ففي مواجهة غياب الرؤية المشتركة: نحتاج إلى أطر عربية للتخطيط اللغوي، تجمع ممثلين عن وزارات التعليم، والمؤسسات اللغوية، والجهات التقنية، لوضع استراتيجية واضحة للغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي، بأهداف وجداول زمنية ومؤشرات أداء، مع ترك مساحة لكل بلد لوضع سياسات خاصة بلهجاته واحتياجاته المحلية، وفي مواجهة ندرة الكوادر القيادية نحتاج إلى برامج متخصصة لإعداد قادة مشروعات لغوية–تقنية، يتعلمون فيها دورة حياة المنتج اللغوي كاملة من الفكرة إلى بناء البيانات، ثم تطوير النماذج، ثم الإطلاق والتسويق والاستدامة، أما في مواجهة ضعف البنية التحتية اللغوية نحتاج إلى إطلاق مشروعات عربية مشتركة لبناء موارد لغوية محدثة ومفتوحة (نصوص فصيحة ولهجية عالية الجودة )، مع فرق عمل تضم لغويين ومبرمجين من اليوم الأول، لتطوير خوارزميات تستفيد من خصوصية العربية بدل استنساخ نماذج أُعدت للغات أخرى.
استثمار رقمي
وأشار د. الجندي أنه على المستوى العالمي يمكننا القول إن الإنجليزية مهيمنة إلى حد كبير على الفضاء الالكتروني ومنصات التواصل؛ فهي اللغة المشتركة التي يتخاطب بها الناس بين الدول والثقافات، ومعظم المنصات الكبرى وواجهاتها وموادها المساندة ظهرت أولا بالإنجليزية.
لكن إذا انتقلنا إلى الفضاء العربي فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدا، فالمستخدم العربي في حياته اليومية على فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك أو يوتيوب يكتب ويتحدث - في الغالب - بالعربية أو بإحدى لهجاتها، أو يمزج بين العربية والإنجليزية، ولا يمكن القول إن العربية غائبة عن المشهد، والتحدي الحقيقي ليس في لغة الدردشة اليومية؛ فالعربية حاضرة هناك، بلهجاتها وأساليبها المختلفة، وإنما في لغة المعرفة والتأثير: أي في المحتوى العلمي والمهني والتقني وريادة الأعمال، وفي المواد التعليمية المنظمة.
في هذه المساحات الحساسة ما زالت الإنجليزية تتقدم بسبب أن كثيرا من المصادر الأصلية مؤلفة بها، ولأن الاستثمار في إنتاج محتوى عربي عميق ومنهجي لا يزال أقل من المطلوب، ولأن جزءا من النخبة العربية يميل إلى النشر بالإنجليزية طلبا لحضور دولي أوسع.
أما بالنسبة لسؤال هل يمكن للعربية أن تنافس بقوة؟
فيعتقد أن الإجابة نعم، بشرط أن نفهم المنافسة على أنها زيادة في نصيب العربية من المحتوى الجاد عالي الجودة، لا مجرد استبدال لغة بأخرى، فإذا استثمرنا في منصات عربية أو ثنائية اللغة تعطي العربية أولوية حقيقية، ودعمنا صناع المحتوى العرب تدريبا وتمويلا وتشجيعا، وربطنا حركة الترجمة والتعريب بحركة إنتاج معرفي أصيل بالعربية، وطورنا أدوات تقنية تحسن ظهور المحتوى العربي في محركات البحث وخوارزميات التوصية، عندئذ يمكن للعربية أن تزيد حصتها رقميا، وأن تكون لغة للمحتوى المؤثر، لا لغة هامشية للدردشة فقط.
التحدي إذن ليس أن نطرد الإنجليزية من منصات التواصل، بل أن نمنح العربية ما تستحقه من استثمار وثقة حتى تحضر في الفضاء الرقمي بوصفها لغة للحياة والمعرفة معا.
قضايا بارزة
وأكد د. محمد فهمي طلبة عضو مجمع اللغة العربية، مقرر لجنتي الموقع الإلكتروني والذكاء الاصطناعي أن الاحتفاء باللغة العربية في المجمع بالقاهرة لا يقتصر على يوم واحد، بل يمتد على مدار العام، من خلال العمل اليومي على مواد اللغة وقضاياها.
ويشير إلى أن هذه المؤسسة العريقة التي تأسست منذ أكثر من تسعين عامًا وتستعد لمئويتها بعد سبعة أعوام، تعتمد مختلف الوسائل المتاحة لإنجاز مهامها.
ويعدّ الاهتمام برقمنة التراث العلمي والثقافي أحد أهم القضايا التي يركّز عليها المجمع حاليًا، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة العربية.
كما يعمل باحثو المجمع على حوسبة المعاجم اللغوية والعلمية وربطها بمحرك بحث معجمي متطور على موقع المجمع. ويُضاف إلى ذلك العمل الجاري لإنجاز برامج إلكترونية لتعليم اللغة العربية باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويوضح أن بروتوكول التعاون الذي وُقّع مع وزارة الاتصالات عام ٢٠٢٢ لتطوير البنية الرقمية للمجمع ما يزال في انتظار التفعيل.
ويرى د. طلبة أن أكبر التحديات التي تواجه العربية اليوم يتمثل في إنماء المحتوى العربي على الإنترنت، وسدّ الفجوة المعرفية الكبيرة بينه وبين المحتويات المنشورة بلغات أخرى.
والتحديات تمتد عبر ثلاثة محاور: البيئة التعليمية، والفضاء الإعلامي والرقمي، والاستخدام اليومي.
فعلى صعيد التعليم، تعاني المناهج من الاعتماد على الحفظ والاستظهار بدل المهارات التواصلية، إلى جانب ضعف الربط بين العربية وسوق العمل، وتراجع تأهيل المعلمين في اللغويات التطبيقية والوسائل الرقمية الحديثة.
كما يشير إلى تراجع معدلات القراءة بين الأجيال الجديدة، مما يعطل تطوير الملكة اللغوية، أما في الفضاء الإعلامي، فتبرز هيمنة اللغات الأجنبية، وازدياد المحتوى غير السليم لغويًا، وانتشار الكتابة بالفرانكو آراب، إلى جانب ندرة المحتوى التقني المتخصص بالعربية في مجالات العلوم والبرمجة والذكاء الاصطناعي.
وأضاف د. طلبة أن الفجوة بين الفصحى والعامية ما زالت تمثل تحديًا واضحًا، إذ ينظر كثيرون إلى الفصحى كلغة رسمية غير قابلة للاستخدام اليومي.
ويشدد على ضرورة تطوير برامج تقرّب الفصحى من الحياة اليومية عبر الاعتياد السمعي عليها، وهو ما يسهم في نفي التصورات الزائفة حول صعوبتها، وانعدام الدافعية لدى الشباب ناجم عن بيئة رقمية تفضل الاختصار واللغات الأجنبية والرموز التعبيرية.
ويشير كذلك إلى غياب رؤية عربية موحدة للغة، وإلى تهميش الخط العربي في المدارس.
حضور رقمي
وبرز د. طلبة جهود مجمع اللغة العربية منذ إطلاق موقعه الإلكتروني الجديد عام٢٠٢١ فقد تم رقمنة المحتوى المقروء والمسموع والمرئي للمجمع، وإتاحته للجمهور على المنصات الرقمية، إلى جانب إنشاء محرك بحث معجمي متطور يتيح الوصول إلى المعاجم المرقمنة بسهولة، كما يظهر نتائج المجمع في مراكز متقدمة على محرك "جوجل". ويتيح الموقع متابعة الجلسات والمؤتمرات والندوات والإصدارات، ما يسهِم في إنماء المحتوى العربي الرقمي، وتطور أدوات الكتابة الآلية هو وسيلة إنجاز مهمة، وقد تمثل حلاً تعويضيًا لذوي الاحتياجات الخاصة. فالأدوات المعتمدة على النطق قد تكون أسرع من الكتابة التقليدية، وإن لم تكن دائمًا الأدق.
وبرامج الذكاء الاصطناعي القادرة على التصحيح والتشكيل يمكن الاستفادة منها في تدوين المحاضر والترجمة الفورية، لكنها ستظل بحاجة إلى مراجعة بشرية خبيرة.
ويحذر في الوقت نفسه من تحديات تتعلق بأخلاقيات العلم والسرقات العلمية، مؤكدًا أن الخطر لا يهدد القدرات اللغوية فقط بل الإبداع ذاته.
واعتبر د. محمد طلبة أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية للنهوض باللغة العربية، بل ضرورة حتمية لضمان استمرارها كلغة تواصل عالمي.
فالتطبيقات الذكية تتيح حلولًا في المعالجة اللغوية، والتعليم، والنشر، والبحث، وتطوير القدرة على التعرف على الأصوات والبنى الصرفية والتراكيب النحوية والفروق الدلالية.
ويؤكد أن نجاح هذا الدور مرهون بتطويع التقنيات لخدمة العربية، ومنذ ثلاثة أعوام بدأ العمل على رقمنة التراث المجمعي بالكامل، بما في ذلك المسح الضوئي للكتب وتحويلها إلى نسخ نصية قابلة للبحث، إضافة إلى تحويل المعاجم إلى قواعد بيانات يرتكز عليها محرك البحث المجمعي. كما يتيح المحرك المقارنة بين كلمتين في أكثر من معجم، والبحث عن المصطلحات بالعربية والإنجليزية مع ضمان الوصول إلى المفهوم نفسه، في خطوة مهمة نحو توحيد المصطلحات العلمية.
وتعمل لجنة الذكاء الاصطناعي كذلك على تطوير تطبيقات ذكية لتيسير تعلم العربية للناطقين بها وغير الناطقين.
وأشار د. طلبة إلى أن تطبيق قانون حماية اللغة العربية لا يزال يواجه فجوة واسعة، ويكفي النظر إلى لافتات المحال والطرق الرئيسة لإدراك حجم الخلل وإهمال هذا الجانب يشكل تهديدًا مباشرًا لأهم ركائز الهوية الوطنية، وهي الهوية العربية.

تدهور الطلاب
من جانبه يؤكد د. فهر محمود شاكر أستاذ اللغة العربية بجامعة القاهرة، أن مستوى الطلاب الجامعيين قد تدنى بشكل لافت في كل القطاعات، مرجعا ذلك محصلة التعليم العام الذي فقد كل مقومات الحياة، مشددا علي ضرورة احتياج التعليم بشكل عام إلي وقفة جادة لانتشاله من وهدته، لأنه دون تعليم جيد لن تقوم للأمة نهضة.
وأكد أن المؤسسات التعليمية والثقافية لن تقوم بدورها في حماية الهوية اللغوية في ظل الفضاء الرقمي إلا من خلال ضوابط وقواعد منظمة لهذا الدور الذي يجب أن تقوم به.
منوها إلي أن تقييم المحتوى العربي على الإنترنت، كان ضعيفًا في بداية ظهور الإنترنت، ولكن المحاولات الجادة الأولية ارتقت به إلى مستويات معقولة، مشددا علي ضرورة احتياج المحتوي إلي دعم حكومي ودعم للمبادرات الفردية والمؤسسية لسد الفجوة، معللا ذلك أنه من غير المعقول أن تكون العربية أقل اللغات تطورًا على الإنترنت".
وأشار إلي أن علاقة اللغة العربية بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تحتاج إلى تنظيم واستثمار صحيح، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي حديث الميلاد وبه إمكانات هائلة تحتاج إلى وقفة تدبر وتنظيم حتى تستفيد منه العربية ويستفيد منه متحدثوها والعاملون عليها".
وحول تصور وضع اللغة العربية بعد عشرين عامًا، قال إن هذا سؤال شائك ولا أحد منا قادر على الإجابة عليه بدقة، لكن بالنظر لما هو عليه وضع التردي الحالي، أظن أن الإجابة ستكون متشائمة إلى أبعد الحدود. ومع ذلك، هناك بعض المحاولات الفردية الجادة للنهوض بأبناء العربية داخل مصر وخارجها، وإذا أُتيح لها الدعم والاستمرار، فإنها ستغير كثيرًا من هذه الصورة المُظلمة".
هوية الأمة
وأكد د. فهر أهمية الحفاظ على اللغة العربية، مؤكدا أنه لا توجد كلمة تفي بالعربية وبأبنائها من وجوب الحافظ عليها بكل مرتكز وغال.
لقول شيخ العربية الأستاذ محمود محمد شاكر: "وإن امرءاً يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه لمثلان، والثاني أعقل الرجلين". فلنكن على ذكر دائم ألا نقع في هذه الهوة السحيقة".
وشدد علي أن أمة بلا لسان أمة بلا مستقبل، والعربية ليست مجرد حروف ننطقها، بل روح تسري في جسد الأمة، فتحييه أو تميته. مؤكدا أنه في ظل التحديات الفكرية التي نعيشها، يصبح التمسك بـ "لساننا العربي المبين" هو طوق النجاة للحفاظ على هويتنا وعقيدتنا".
دور المجمع
وفي ذات السياق قال د. محمد العبد، عضو مجمع اللغة العربية، وأستاذ العلوم اللغوية بألسن عين شمس، إن حماية اللغة العربية وتعزيز حضورها في مختلف ميادين الحياة هو الهدف الرئيسي للمجمع منذ إنشائه، حيث أُنشئ المجمع من أجل حماية هذه اللغة ذات المنزلة الكبرى بين لغات فصيلتها السامية، والحفاظ على سلامتها، وجعلها قادرة على الوفاء بحاجات العلوم والفنون والآداب والمعارف الإنسانية المختلفة في هذا العصر المتغير سريع الوتيرة".
ولعل أقرب لجان المجمع إلى تحقيق هذه الغاية الكبرى هما لجنة أصول اللغة ولجنة الألفاظ والأساليب.
وقد أصدرت هاتان اللجنتان إنتاجًا علميًا رصينًا، متاحًا لجمهور المختصين والمهتمين والإعلاميين والقراء.
إنجازات المجمع
وأوضح د. العبد أن أعضاء المجمع لا يدخرون وسعًا في إثراء لجانه بالعمل والرأي، فقد قامت اللجان المختصة بتعريب آلاف المصطلحات العلمية في مجالات: الطب، الهندسة، الرياضيات، الكيمياء، الفيزياء، الصيدلة، النفط، البيئة، الذكاء الاصطناعي وغيرها.
كما تعمل لجان المعاجم على إخراج أجزاء جديدة، مثل:
• المعجم الكبير (حروف الطاء والظاء والعين والغين)
• معجم لغة الشعر العربي (حرف الباء)
• المعجم الوسيط المحدث (مجَلَدان، عام ٢٠٢١)
وفي إطار تحديث معجماته العامة، سيصدر قريبًا المعجم الوجيز المُحدث بأحدث المعاني والأساليب والتعابير الاصطلاحية.
ولم يغفل المجمع أيضًا اللجنة الإعلامية، التي أصدرت معجمًا متخصصًا لتعريف المصطلحات الإعلامية ونظريات الاتصال الحديثة، مؤخرًا.
كما كان لمشروع الرقمنة أثر كبير، حيث جعلت جهود الباحثين كل إصدارات المجمع متاحة للجماهير داخل وخارج المنطقة العربية.
تهديد استراتيجي
و حول الأخطار التي تواجه اللغة العربية، أكد د. العبد أن كلاً من التعليم وغزو المحتوى الأجنبي يشكلان خطراً جسيماً، لكنه يرى أن التعليم هو الأخطر، لأنه إذا أنتج أجيالاً بلا صلة بلغتها الأم، فهذا يؤثر على الإبداع والفكر والانتماء والاطلاع على التراث، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منجزات العالم الحديثة.
وأوضح أن تحويل المحتوى الأجنبي إلى قوة إيجابية ممكن، بينما تحويل أجيال غير مؤسسة تربويًا وتعليميًا إلى طاقة بشرية فاعلة أمر ميؤوس منه، فإعادة الشباب إلى لغتهم الأم يحتاج إلى مشروعات قومية استراتيجية طويلة الأمد.
وأضاف أن العربية جزء من منظومة هائلة تبدأ من التعليم وصولًا إلى الأمن القومي، مشيرًا إلى أهمية السياسات والتخطيط اللغوي، التي لم تُنفذ بعد.
وتشمل الإجراءات الفاعلة:
• تقريب العربية للشباب عبر القصائد المغناة
• تذوق جماليات اللغة
• تعزيز الكفاية الاتصالية
• تشجيع القراءة الحرة بأساليب مادية ومعنوية
• إقامة مسابقات ثقافية وتكريم المتفوقين في مقررات اللغة العربية.
وأكد أن هذه الخطوات تحفز الشباب وتقرّبهم من لغتهم الجميلة، مشيرًا إلى أن بعض الشباب يفخر بإتقان الإنجليزية على حساب العربية، وهو أمر يندى له الجبين.
المجامع اللغوية العربية
واختتم د. العبد: "نفخر بأن العربية لغة القرآن والتراث والإبداع الأدبي العظيم، قد صارت من اللغات العالمية ذات الشأن في المحافل الدولية. لكن الاحتفاء الحقيقي بها يتجاوز الكلام إلى الفعل، عبر تنفيذ اقتراحات المختصين العلمية في التعليم والسياسة الثقافية والعمل المجمعي، وتدشين المشروعات العملاقة لنشر التراث، وتفعيل الدور الذي يمكن أن يضطلع به اتحاد المجامع اللغوية العربية".
لقد آن الأوان لأن يكون شعارنا: "قليل من الكلام وكثير من الفعل".
خطر تقني
وأكد د. محسن رشوان، الخبير بلجنة الذكاء الاصطناعي بمجمع اللغة العربية، أن سؤال تهميش اللغة العربية أمام اللغات ذات الحضور الأقوى في التكنولوجيا، وعلى رأسها الإنجليزية، ليس مبالغًا فيه؛ فالفجوة الرقمية اليوم حقيقية وواسعة. فاللغات التي تمتلك حجمًا ضخمًا من البيانات، واستثمارات قوية، وحضورًا عميقًا في الذكاء الاصطناعي، تملك ميزة تراكمية تجعلها تتقدّم سريعًا في كل ما يتعلق بالأنظمة الذكية والتطبيقات الحديثة.
ويشير إلى أن المطورين حول العالم يفضّلون اللغات الأقرب إلى البيئة التقنية الراهنة، وهو ما يُكسب الإنجليزية تحديدًا مجالًا أوسع للانتشار.
لكن هذا الخطر ليس قدرًا لازمًا؛ فقد أثبتت تجارب الصينية واليابانية والكورية أن اللغة التي تُدعَم وُطنيًا بمشاريع ضخمة يمكن أن تتجاوز الفجوة خلال سنوات قليلة.
وأضاف: "العربية ليست لغة ضعيفة، بل تمتلك انتشارًا واسعًا وتراثًا لغويًا غير مسبوق، وسوقًا تزيد على ٤٠٠ مليون متحدث… وأهم من كل ذلك أنها محفوظة بالقرآن الكريم، وهذا وحده يعطيها عمقًا وحضورًا لا تمتلكه أي لغة أخرى".

فجوة حضارية
و حذر د. رشوان من أن الخطر لا يتوقف عند حدود اللغة، بل يمتدّ إلى المستوى الحضاري والثقافي. فالتفوق الغربي في التقنية أصبح يصنع نموذج حياة يُفرَض ثقافيًا وإعلاميًا على المجتمعات، حيث تُدفَع الأجيال إلى استهلاك أنماط الرفاهية وكأنها معيار النجاح الوحيد في الحياة.
ويضرب مثالًا بالضغوط الاستهلاكية التي تُيسِّر على الفرد امتلاك المتاع المادي بالتقسيط، فيبدو كأن "الفرصة ستضيع" إذا لم يلحق بهذا النمط.
و زاد: "هذا ليس مجرد انبهار، بل انسحاق حضاري يجعل الشباب يلهثون وراء المظاهر، بينما تتراجع القيم الكبرى التي يقوم عليها النموذج الحضاري الإسلامي: برّ الوالدين، الأخلاق، ترتيب الأولويات، وإرضاء الله قبل كل شيء".
وأكد أن الخطر اللغوي واقع وله آثاره، لكن الأخطر هو أن يصبح النموذج الغربي هو النموذج المهيمن الذي يُحتذى، بينما تتراجع منظومة القيم الأصيلة مع اتساع الفجوة التقنية.
المعجم الموحد
يرى د. رشوان أن إنشاء معجم عربي موحد لخدمة التطبيقات الذكية لم يعد مشروعًا لغويًا عاديًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية.
فالنماذج اللغوية الحديثة تحتاج إلى منظومة دقيقة من:
"الضبط الدلالي- العلاقات بين المفردات- القواعد الصرفية المعيارية -التمثيل المعجمي القابل للمعالجة الآلية- اتساق المعايير بين مراكز الأبحاث والشركات".
ويؤكد أن وجود هذا المعجم سيحدث نقلة نوعية في:
"الفهم الدلالي- الترجمة- تحليل
المشاعر-روبوتات المحادثة - التعليم الذكي -المحتوى الرقمي".
كما سيقلل التشوّش اللغوي الناتج عن تعدد المعايير، ويُعزّز الهوية اللغوية في التطبيقات الحديثة.
قاموس رقمي موحّد
ويشير د. رشوان الى نقطة شديدة الأهمية، وهي ضرورة وجود قاموس رقمي موحّد للمصطلحات الحديثة، خصوصًا التقنية منها. فغياب الاتفاق بين البلدان العربية على صياغة المصطلحات يؤدي إلى تشعّب اللهجات واختلاف الترجمات، مما يصنع فجوة أكبر بمرور الوقت.
وحذّر من أن هذا التشعّب يشبه اليوم الفجوة بين لهجات المغرب والمشرق، التي تجعل الفهم بين الشعوب أصعب، ويؤكد أن الفجوة الرقمية قد تزيد هذا التباعد إذا لم تتوحّد المصطلحات.
واختتم بقوله: "الاتفاق على معجم موحد ليس رفاهية، بل حماية لغوية وثقافية وضرورة لضمان أن العربية تدخل العصر الرقمي بقوة واتساق.



